الزيني بركات: حين  تعلو الترتيبات على الإرادة الشعبية

عثمان باقة – 27 غشت 2026

ثمة أعمال أدبية لا تنتمي إلى زمنها وحده، بل تظل قادرة على العودة إلينا كلما تشابهت آليات السلطة، واختلطت السياسة بالخوف، وتحولت الدولة من فضاء لتدبير الشأن العام إلى شبكة من الولاءات والمصالح والمراقبة والتدبير من وراء الستار. ولعل رواية  “الزيني بركات”  لجمال الغيطاني واحدة من أكثر هذه الأعمال قدرة على مخاطبة الحاضر. صدرت الرواية سنة 1974، واعتمد صاحبها على متون المؤرخ ابن إياس، لكنه جعل من القرن السادس عشر مرآة للزمن العربي الحديث، ومن التاريخ أداة لكشف آليات الاستبداد وفساد السلطة ومصادرة الحقيقة. .

ولذلك، فإن استحضار “الزيني بركات”  اليوم، في قراءة المشهد السياسي العربي والمغربي، ليس محاولة لإسقاط رواية تاريخية على واقع مختلف، وإنما هو استعمال لها بوصفها مجازا سياسيا يساعد على طرح سؤال شديد الخطورة : 

ماذا يحدث عندما يصبح معنى الاقتراع لاحقا على الترتيبات السياسية؟

 وماذا يبقى من الانتخابات عندما لا يعود السؤا: “من سيختاره الشعب؟”

وإنما يصبح أيضا : “هل هناك من يسعى إلى ضمان أن تأتي النتائج منسجمة مع ترتيبات سبقت الاقتراع؟”

من  “الزيني بركات” إلى مغرب ما قبل الانتخابات

تقوم الرواية على عالم تتداخل فيه السلطة والمراقبة والخوف، ويتحول فيه  “البصاصون”  إلى عيون للسلطة، فيما يجد المواطن نفسه محاصرا بين ما يعرفه وما يستطيع قوله، والأهم أن الغيطاني لا يقدم الاستبداد باعتباره فعل شخص مستبد فحسب، بل باعتباره منظومة كاملة لإنتاج الخوف والطاعة وصناعة الحقيقة، وهنا تكمن راهنية الزيني بركات .

فالمشكلة الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع، ولا تنتهي بإغلاق صناديق التصويت،  إنها تبدأ قبل ذلك بكثير:  في تشكيل الخريطة الحزبية، وفي استقطاب المرشحين، وفي صناعة التحالفات، وفي التحكم في الموارد، وفي النفوذ الإداري والإعلامي والمالي، وفي القدرة على التأثير في الرأي العام، وفي رسم حدود الممكن والممنوع داخل المجال السياسي .

ومن هذه الزاوية، يصبح التسريب الصوتي المنسوب إلى رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، والذي أثار جدلا سياسيا واسعا، أكثر من مجرد خلاف شخصي بين قيادات حزبية، فقد تضمن، بحسب ما تم تداوله، انتقادات لفوزي لقجع، وحديثا عن انتقال برلمانيين من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الأصالة والمعاصرة، فضلا عن حديث يتعلق بالمناصب الحكومية، ومنها وزارة الاقتصاد والمالية .

وبغض النظر، في هذه المرحلة، عن صحة التسجيل وسياقه الكامل وما إذا كانت العبارات المتداولة قد اقتطعت من سياق أوسع، فإن مجرد انتشار هذا النوع من الخطاب يطرح سؤالا ديمقراطيا لا يمكن القفز عليه : 

هل الانتخابات هي التي تنتج السلطة السياسية، أم أن جانبا من السلطة يجري التفاوض بشأنه وترتيبه قبل أن يتوجه المواطن إلى صندوق الاقتراع؟

ليس المقصود هنا تحويل تسجيل متداول إلى حكم قضائي، ولا التعامل معه باعتباره دليلا نهائيا على وجود ترتيبات مسبقة للانتخابات. لكن قيمته السياسية تكمن في الأسئلة التي يثيرها حول طبيعة الممارسة السياسية، وحول الحدود الفاصلة بين التنافس الانتخابي المشروع وبين التفاوض على مواقع النفوذ قبل أن يقول الناخب كلمته. 

وهذا هو السؤال الذي يجعل  “الزيني بركات” حاضرا بقوة: ماذا يحدث حين يصبح المستقبل السياسي موضوعا للتفاوض قبل أن يقول الناخب كلمته؟

فأخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ليس بالضرورة تغيير ورقة اقتراع أو التلاعب برقم في محضر انتخابي؛ بل قد يكون إفراغ الاقتراع نفسه من مضمونه السياسي.

قد تكون صناديق الاقتراع موجودة، وقد تكون الإجراءات الانتخابية محترمة في ظاهرها، وقد تكون النتائج محسوبة وفق القواعد القانونية، ومع ذلك يبقى السؤال الأعمق قائما: هل كان المواطن يمتلك بالفعل القدرة على التأثير في اتجاه السلطة؟

هنا نصل إلى مفهوم أكثر عمقا من مجرد ” التزوير”: وهو “ديمقراطية الإجراءات من دون ديمقراطية القرار”، أي أن تكون هناك انتخابات، وأحزاب، وحملات، وصناديق ونتائج، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المواطن هو الفاعل الحقيقي في إنتاج القرار السياسي، فالانتخابات قد تكون حرة من الناحية الشكلية، لكن السؤال الأعمق هو: هل هي حرة في شروطها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية؟

البصاص” الجديد ليس شخصا واحدا

من أكثر عناصر “الزيني بركات” إثارة للتأمل أن المراقبة لا تعمل فقط عبر شخص واحد، وإنما عبر شبكة كاملة وهذا يفرض علينا، في الحالة المغربية، أن نتجاوز التفسير الشخصاني. ليست القضية في رشيد الطالبي العلمي وحده، ولا في فوزي لقجع وحده، ولا في حزب التجمع الوطني للأحرار أو الأصالة والمعاصرة وحدهما، فإذا أردنا مقاربة سياسية جادة، فإن السؤال ينبغي أن يتجه إلى بنية إنتاج النخب السياسية

كيف تصعد هذه النخب؟

من أين تأتي مواردها؟

ما طبيعة علاقتها بالإدارة والمال والإعلام؟

كيف تتشكل التحالفات؟

وما مقدار استقلال القرار الحزبي عندما تصبح بعض المواقع والمناصب موضوعا للتفاوض قبل أن يصدر الحكم الشعبي؟

وإذا كان التسجيل المتداول قد فتح نافذة صغيرة على عالم سياسي مغلق، فإن القضية ليست في النافذة ذاتها، وإنما في ما يمكن أن نراه من خلالها.

 والأمر لا يتعلق بالحزبين المعنيين وحدهما، فقد أثيرت، في سياقات مختلفة، أسئلة أخرى حول طرق منح التزكيات، وحول المساومات المرتبطة بالترشح، وحول تأثير المال والنفوذ والعلاقات في صناعة الخريطة الانتخابية .

وهنا ينبغي أن يكون السؤال أكبر من الأشخاص والأحزاب : هل نحن أمام تنافس سياسي نتائجه  قررتها صناديق الاقتراع، أم أمام تنافس تتدخل في تشكيله، قبل الاقتراع، شبكات من المصالح والنفوذ؟

كل هذا  يحدث في محيط إقليمي مضطرب

تزداد أهمية هذه الأسئلة لأن المغرب يوجد في محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية، فالتوتر مستمر في العلاقات المغربية الجزائرية، اضف اليها طبيعة وحجم الملفات الاستراتيجية التي تحكم العلاقات المغربية الإسبانية، ثم تطورات القضية الفلسطينية وحرب الإبادة المستمرة في غزة وما لها من أثر على نفسية الشعب المغربي،  والحرب في الشرق الأوسط، والحضور المتزايد للكيان الصهيوني في المنطقة العربية عامة وفي المغرب خصوصا، كل هذا يجعل المغرب في امس الحاجة إلى  دولة قوية، قوية  بمؤسساتها، وبمجتمع متماسك، ونخب سياسية مسؤولة وذات شرعية حقيقية، وثقة شعبية واسعة أكثر إلحاحا.

فالدولة لا تقوى فقط بالسلاح والأجهزة والإدارة، إنها تقوى أيضا بشرعية مواطنيها، والشرعية لا تشترى بالمال، ولا تصنع بالتواصل السياسي المخدوم وحده، ولا تنتجها الحملات الانتخابية مهما بلغت درجة احترافيتها، إنها تتأسس على اقتناع المواطن بأنه مصدر السيادة وأصل كل السلط، وأن صوته قادر بالفعل على التأثير في اتجاه السلطة وصناعة القرار، وهنا تكمن خطورة الفساد السياسي.

عندما يفقد المواطن ثقته في الصندوق

لا شيء أخطر على أمننا القومي كما يقول اخوتنا في المشرق العربي، أي الامن العام للوطن ــ ليس بالمفهوم الأمني الضيق ــ من مواطن مقتنع بأن صوته لا يغير شيئا، فالمواطن الذي يعتقد أن الانتخابات محسومة، وأن الأحزاب لا تملك في غالبيتها  الاستقلالية الكافية في صناعة القرار، وأن المال والنفوذ أقوى من الإرادة الشعبية، وأن بعض المواقع يجري التفاوض بشأنها بعيدا عن أعين المواطنين وقرارهم، ، لن يرى في الديمقراطية مشروعا لبناء الدولة، بل قد يراها مجرد مسرح لإعادة إنتاج موازين القوى نفسها وتقاسم المواقع والمنافع وأشكال الريع، وهنا تكمن الخطورة الأكبر. 

ففي  اللحظة التي يحتاج فيها الوطن إلى مواطن واثق، ومستعد للدفاع عن سيادته واستقلال قراره الوطني، قد يجد المواطن نفسه مترددا إذا فقد الثقة في المؤسسات التي تطلب منه ذلك . وإذا كانت الدولة تطلب من المواطن أن يثق بها، فإن عليها، في المقابل، أن تمنحه أسبابا موضوعية لهذه الثقة ، فالثقة السياسية ليست أمرا يطلب من المواطن بقرار إداري أو بخطاب رسمي؛ إنها تبنى بالمؤسسات، وبالقانون، وبالمساءلة، وبنزاهة الانتخابات، وبشعور المواطن بأن صوته وحقوقه وكرامته ليست أمورا هامشية في صناعة القرار، ومن هنا تصبح محاربة الفساد السياسي جزءا من الدفاع عن الدولة نفسها، لا مؤامرة عليها .

فالحديث عن النزاهة الانتخابية ليس ترفا حقوقيا او سياسيا،  ولا مطلبا حزبيا ضيقا، إنه يتعلق مباشرة بمناعة الدولة، والدولة التي يتمتع مواطنوها بالثقة في مؤسساتها أقوى من الدولة التي تحتاج باستمرار إلى إقناعهم بأن كل شيء على ما يرام. 

” الزيني بركات ” المغربي : حين يصبح الاعتياد على الخلل خطرا

في رواية  “الزيني بركات”  لا تكمن المأساة في الظلم وحده، وإنما في أن الناس يعيشون داخله حتى أصبح جزءا من النظام اليومي للحياة. وهذا هو أحد أعمق دروس الرواية : أن الخطر لا يبدأ فقط عندما يظهر الاستبداد في صورته العارية، بل عندما يصبح الخوف عاديا، والفساد مألوفا، والكذب السياسي لغة طبيعية، ويصبح المواطن متفرجا على السياسة بدل أن يكون شريكا في صناعتها.، ومن هنا فإن السؤال المغربي اليوم ليس فقط : من سيفوز في الانتخابات؟ بل : هل ستنتصر إرادة الناخب، أم ستنتصر الترتيبات التي سبقت الناخب؟

وهل نحن أمام انتخابات  ننتظر جميعا  نتائجها، أم أمام منافسة سياسية تكون بعض نتائجها قد بدأت تتشكل قبل أن يصل الناخب إلى الصندوق؟

لا يجوز الجزم بأن انتخابات 2026 مزورة أو أن نتائجها محددة سلفا من دون أدلة قاطعة، كما لا يجوز تحويل تسجيل متداول، مهما كانت خطورته، إلى حكم قضائي أو حقيقة نهائية. لكن الديمقراطية الجادة لا تنتظر وقوع التزوير حتى تطرح الأسئلة. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير، بالتحقق من كل ما يمكن أن يمس استقلال الإرادة الشعبية ونزاهة المنافسة السياسية وتكافؤ فرص الفاعلين

وهنا بالضبط يمكن أن يتحول الجدل حول التسريب من مجرد “حرب كراسي”  إلى فرصة لإعادة طرح السؤال الديمقراطي الكبير : من يصنع السلطة؟

المواطن  المغربي ليس مجرد رقم انتخابي

المغرب لا يحتاج إلى انتخابات أكثر بقدر ما يحتاج إلى انتخابات أكثر ديمقراطية، ولا يحتاج فقط إلى تغيير الأشخاص، بل إلى مراجعة قواعد إنتاج السلطة . فإذا كان المال والنفوذ قادرين على التأثير في الاختيارات، وإذا كانت التزكيات والترشيحات يمكن أن تصبح مجالا للمساومات، وإذا كانت بعض المناصب والمواقع تناقش سياسيا قبل أن تحسم النتائج، وإذا كان المواطن لا يعرف أين تنتهي إرادته وأين تبدأ الترتيبات غير المرئية، فإن الديمقراطية تصبح قشرة فوق واقع سياسي يحتاج إلى إصلاح عميق . وهنا يمكن أن نستعير من عالم الغيطاني أسئلة لا تخص مصر المملوكية وحدها : من  يحكم فعلا؟ ومن يملك حق صناعة الحقيقة؟

ومن يقرر مصير الناس قبل أن يعرف الناس أن مصيرهم قد تقرر؟ ذلك هو جوهر “الزيني بركات” .

ليس الماضي هو الذي يعود، وإنما آليات اشتغال السلطة التي يمكن أن تتشابه عبر الأزمنة، والدرس الأهم أن أخطر لحظة ليست حين يظهر “الزيني”  في العلن، وإنما حين تصبح منظومة “البصاصين” جزءا مألوفا من الحياة السياسية، إلى درجة أن المواطن لا يعود قادرا على التمييز بين الإرادة التي اختارها وبين الإرادة التي صنعت له . 

في المغرب اليوم، وفي محيط إقليمي ودولي شديد الاضطراب، لا نحتاج إلى مواطن خائف ولا إلى مواطن فاقد للثقة، وإنما إلى مواطن حر، واعٍ، مشارك، يعرف أن صوته ملك له، وأن الدولة دولته، وأن المؤسسات مؤسساته . لأن الوطن الذي يطلب من مواطنيه الدفاع عنه في مواجهة الخارج، يجب أولا أن يمنحهم أسبابا كثيرة للدفاع عنه في الداخل، وكما كان يكرر الفقيد نوبير الأموي: “وطن الإنسان حقوقه”،وتلك هي المفارقة التي تجعل  “الزيني بركات” أكثر من رواية عن الماضي .

إنها رواية عن اللحظة التي تصبح فيها السلطة مشغولة بإدارة الناس، بدل أن تكون مشغولة بإدارة الدولة، وفي تلك اللحظة، لا يكون الخطر الحقيقي في العدو الذي يقف على الحدود فقط، وإنما في فقدان المواطن إيمانه بأن له كلمة داخل وطنه  .

السيادة في الخارج تبدأ بالسيادة الشعبية في الداخل

وإذا كان المطلوب من المغاربة أن يواجهوا التحديات الإقليمية موحدين، فإن أول شروط هذه الوحدة هو أن يشعروا بأن أصواتهم ليست مجرد ديكور انتخابي، وأن صناديق الاقتراع ليست مجرد إجراء شكلي لتزكية ترتيبات أنجزت في مكان آخر قبل أن يصل إليها الناخب، هنا، ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجا الذي تتركه لنا رواية الغيطاني صالحا للمغرب اليوم : ماذا يبقى من الدولة حين يفقد المواطن ثقته في أن صوته يصنع مستقبلها

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*