رومانسية الظلام في حي السلام… حي السلام، عوينت السراق «لارمود»

الطيب حميني

من يعرف هذا الحي جيدًا كما كان بالأمس، يعرف أنه لم يكن مجرد أزقة وبيوت، بل كان ذاكرة مدينة، وحكايات ناس، ووجوهًا ألفناها، وأحلامًا كنا نعتقد أنها ستكبر معنا.
لكن حي السلام، هذا الحي الكبير بمدينة وجدة، والذي يُقال إنه من الأحياء ذات الحضور الكبير في اللوائح الانتخابية، أصبح شيئًا فشيئًا قريبًا من الخروج من الوجدان.
وحين يحل الليل، تبدأ حكاية أخرى.
دروب وأزقة يغمرها ظلام شديد، حتى إنك تكاد لا ترى الناس ولا البيوت. ولم أكن مخطئًا يومًا حين أطلقت على أحد تجمعاته السكنية اسم «فِيلَاج الظلمة»؛ فالظلام هناك لم يعد مجرد غياب لمصباح، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي.
ولأنني كنت، في فترة الثمانينيات، أرسم وأكتب الدواوين الشعرية، أفكر اليوم في العودة إلى ذلك الشغف القديم، ولكن هذه المرة لأكتب ديوانًا بعنوان:
«رومانسية الظلام في حي السلام»
سأكتب عن الليل حين يغيب الضوء، وعن الأزقة التي تنتظر مصباحًا، وعن البيوت التي تختبئ خلف العتمة، وعن سكان لم يطلبوا المستحيل؛ طلبوا فقط أن يروا الطريق أمامهم.
وقد أضيف إلى القصيدة شيئًا من البستنة التي أصبحت أحبها مع مرور الزمن.
أفكر في غرس شتلات الأزهار في الحفر والزوايا المهملة، لعل الزهرة تفعل ما عجز عنه المصباح، ولعل حي السلام يجد في الربيع ما فقده في التنمية.
آه… ثم آه!
منذ سنوات، صوتنا جميعًا لمن كان يتحدث عن الإصلاح، وعن حب البلد والوطن والمدينة. رفعنا أصواتنا قبل صناديق الاقتراع، ووضعنا ثقتنا في من وعدونا بأن يجعلوا من مدينتنا مكانًا أفضل.
وكما قيل يومها مجازًا: «أوقدنا أصابع أيدينا شموعًا» حتى ينجحوا، وذهبنا إلى صناديق الاقتراع أملاً في أن يأتي يوم لا نطلب فيه الكثير.
لم نطلب قصورًا ولا معجزات.
كنا نأمل، على الأقل، أن يجد المواطن مصباحًا أو فانوسًا قرب بيته المتواضع، وأن تُغلق حفرة في الطريق قبل أن تتحول إلى خطر على أحد.
وحتى هذه الحفرة لها حكاية عندي؛ فقد تسببت في تعثر أمي بها.
فهل أصبح إصلاح حفرة في حي من أحياء وجدة يحتاج إلى كل هذه السنوات؟
ربما علينا أن نغيّر عنوان الديوان.
بدل «رومانسية الظلام» قد نسميه:
«قصائد تحت ضوء لم يصل بعد».
ومع ذلك، سأظل أحب حي السلام، وسأظل أؤمن أن المدينة تستحق الأفضل، وأن النقد ليس كراهية، وأن المطالبة بالإنارة والطرق والنظافة والكرامة ليست خصومة مع أحد.
إنها ببساطة محبة للمدينة وأهلها.
أما الذين أشعلنا لهم أصابعنا شموعًا، ثم تركونا نبحث عن النور في الظلام، فليعلموا أن ذاكرة الناس لا تنطفئ بسهولة.
قال الله تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
ويبقى حي السلام شاهدًا على زمنٍ كان فيه المواطن يضع ثقته في الوعود، ثم يجد نفسه بعد سنوات…
يمشي في الظلام، ويتجنب الحفر، ويزرع الأزهار بنفسه.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*