خطأ مسطري في قلب السلطة التشريعية… كيف تحول عيب إجرائي في إحالة قانون المحاماة إلى مرآة لأسلوب الحكم


في ظهيرة يوم ثلاثاء من شهر غشت، أصدرت المحكمة الدستورية المغربية قراراً بدا في ظاهره تقنياً صرفاً، لكنه فتح نافذة واسعة على طبيعة العلاقة بين المؤسسات، وحدود المحاسبة السياسية، وأسلوب إدارة الملفات الخلافية في ظل أغلبية مطمئنة إلى حصانتها. صرحت المحكمة بـ«تعذر البت» في الإحالة المتعلقة بالقانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة، بسبب اختلال جوهري في وثائق الإحالة الصادرة عن رئيس مجلس النواب.

لم يكن القرار رفضاً لمضمون القانون، ولا إقراراً بدستوريته. كان إقراراً بأن النص النهائي الذي وافق عليه البرلمان لم يُعرض عليها وفق الشروط التي يشترطها الدستور والقانون التنظيمي. أرفقت رسالة الإحالة بتقرير لجنة وبمشروع كما صادق عليه مجلس النواب في 6 يوليوز، دون النص الذي أقره مجلس المستشارين في اليوم التالي. وبذلك غاب «محل الرقابة»، كما عبرت المحكمة بدقة قانونية صارمة.

يبدو الأمر في ظاهره خطأً إدارياً أو تقصيراً مسطرياً. لكن في السياسة، عندما يتعلق الأمر بمؤسسة مهمتها الأولى صناعة القوانين وضبط المساطر، لا يمر مثل هذا الخلل دون أن يُقرأ. والملف نفسه لم يكن عادياً. فقد رافق مشروع قانون المحاماة احتقاناً مهنياً غير مسبوق، وإضرابات متتالية، واتهامات متبادلة بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول استقلالية المهنة وحصانتها وآليات الرقابة على حسابات الودائع. كان من أبرز النصوص التي راهنت عليها الحكومة ضمن أجندتها التشريعية، قبل أن يدخل مراحله الأخيرة قبيل الاستحقاقات الانتخابية.

في مثل هذه السياقات، يصبح إثبات النية أمراً شبه مستحيل. هل كان الأمر سهواً في مصالح المجلس؟ أم سوء تنسيق بين الغرفتين؟ أم ضغطاً زمنياً في نهاية دورة مثقلة؟ لا أحد يملك جواباً قاطعاً. السياسة نادراً ما تقدم أدلة دامغة على الدوافع، بل تقدم نتائج. والنتيجة هنا واضحة: قانون أولوي، مثير للجدل، ومؤجل منذ أسابيع، يتوقف الآن ليس بسبب خلاف جوهري حول دستوريته، بل بسبب عيب في الشكل الذي كان يفترض أن تكون المؤسسة التشريعية أكثر حرصاً عليه.

غير أن ما يمنح هذا الخطأ دلالته الأعمق هو طبيعة السلطة التي يتعامل معها. فالحكومة، بمكوناتها الأساسية، أظهرت على مدى ولايتها نمطاً ثابتاً من اللامبالاة تجاه الانتقادات. لا يتعلق الأمر فقط برفض الاستجابة، بل بغياب أي مظهر من مظاهر الإحراج أو المراجعة الداخلية الظاهرة. حتى عندما تتصاعد الاحتجاجات المهنية أو تتوالى الاتهامات بمس استقلالية مهنة حساسة، لا يبدو أن أحداً داخل الائتلاف يشعر بالحاجة إلى تقديم تفسير مقنع أو تصحيح سريع تحت ضغط الرأي العام. هذه المناعة تجاه النقد ليست عرضية؛ إنها جزء من أسلوب حكم يعتمد على الأغلبية العددية وقدرة الائتلاف على امتصاص الصدمات دون أن يضطر إلى دفع ثمن رمزي أو سياسي واضح.

في هذا الإطار، يصبح قرار المحكمة الدستورية، مهما بدا محرجاً من الناحية المؤسسية، مجرد عقبة إجرائية قابلة للتجاوز. فالانتقادات المستمرة منذ أشهر لم تدفع الحكومة إلى إعادة النظر الجذري في مقاربتها، ومن غير المرجح أن يفعل خطأ مسطري ما عجزت عنه شهور من التوتر المهني. المناعة هنا تعمل كدرع مزدوج: تحمي من المحاسبة الفورية، لكنها في الوقت نفسه تؤخر أي آلية تصحيح ذاتي حقيقية.

يبقى أن هذه اللامبالاة لا تلغي الكلفة غير المباشرة. فالتوتر المهني يتراكم، والروايات حول «الارتباك التشريعي» تجد مادة جاهزة، والاستحقاق الانتخابي المقبل لن يغفل مثل هذه الوقائع. لكن في المدى القصير، تبدو السلطة مطمئنة إلى قدرتها على تجاهل الإحراج. وهذا بالضبط ما يجعل الحادثة أكثر من مجرد خطأ إجرائي: إنها تكشف عن فجوة بين دقة المؤسسات الدستورية من جهة، وبين ثقافة سياسية لا ترى في النقد سبباً كافياً للمراجعة من جهة أخرى.

في النهاية، تذكرنا هذه القضية بأن الشكل في النظام الدستوري ليس تفصيلاً ثانوياً. إنه جزء من جوهر السلطة نفسها. وعندما تتعثر المؤسسة التي يفترض أن تكون الأكثر إتقاناً للمساطر، ثم تمر الواقعة دون أن يحمر لها وجه، فإن السؤال لا يعود محصوراً في وثائق الإحالة، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والنقد في المرحلة الراهنة.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*