الدواجن والبيض بين الحقيقة والأسطورة

الدواجن والبيض بين الحقيقة والأسطورة插图

د. بنعبود جمال.

حاصل على الدكتوراه فالبيولوجيا تخصص البيئة و علم السموم.
حاصل على شهادة تدريب في التغذية و الصحة.

المقال 4 من سلسلة الغذاء بين الطيب والخبيث: قراءة علمية هادئة

في نظام الطيبات تُمنع الدواجن والبيض منعا باتا، ويُقدَّم الدجاج غالبًا كغذاء مرتبط بالهرمونات والمضادات الحيوية، بينما يُنظر إلى البيض أحيانًا بوصفه طعامًا “نتنًا” أو “جنين دجاج” ينبغي تجنبه و يسبب الجيوب الانفية

لكن قبل أن نحكم، يجب أن نبدأ من سؤال بسيط: ماذا يمثل الدجاج والبيض في تغذية الناس؟

الدجاج والبيض من أكثر مصادر البروتين انتشارًا وسهولة في الوصول، خصوصًا عند الأسر المتوسطة والفقيرة. والبروتين ليس تفصيلًا غذائيًا؛ هو ضروري لبناء العضلات، ترميم الأنسجة، صنع الإنزيمات والهرمونات، دعم المناعة، الحفاظ على الشبع، وحماية الجسم من فقدان الكتلة العضلية مع العمر أو المرض. لذلك، عندما نمنع الدجاج والبيض عن الناس، فنحن لا نحذف طعامين فقط، بل نحذف مصدرين رخيصين ومهمين للبروتين عالي الجودة.

هذا لا يعني أن الدواجن الحديثة بلا مشاكل. نعم، توجد أسئلة مشروعة حول التربية المكثفة، جودة العلف، استعمال المضادات الحيوية، النظافة، والتخزين. لكن النقد العلمي يجب أن يفرق بين المشكلة الحقيقية والأسطورة.

أول أسطورة هي “الدجاج المهرمن”. نمو الدجاج الحديث لا يحتاج إلى حقن هرمونات. السبب الرئيسي في سرعة نموه هو الانتخاب الوراثي، تحسين الأعلاف، التحكم في الحرارة والإضاءة، وإدارة التربية. استعمال الهرمونات في الدجاج غير عملي اقتصاديًا ولا تقنيًا: الدجاج يُربى بأعداد ضخمة، ودورة حياته قصيرة، وإعطاء هرمونات لكل طائر سيكون مكلفًا ومعقدًا وغير منطقي تجاريًا حيث يمكنكم التخيل ان الهرمون سيزيد علو الأقل بين 10 إلى 15 درهما في الكلفة الاجمالية كما أنه مستحيل اعطاء الهرمون عبر العلف لانه يتفكك بل يجب حقنه مباشرة لكل دجاجة (الامر شبه مستحيل). لذلك، اختزال كل مشكلة الدواجن في الهرمونات يبعدنا عن النقاش الحقيقي.

النقاش الحقيقي هو المضادات الحيوية.

قد تُستعمل المضادات في مزارع الدواجن لعلاج المرض أو أحيانًا بشكل وقائي، وهنا يظهر الخطر إذا استُعملت عشوائيًا أو دون إشراف بيطري، أو إذا لم تُحترم مدة السحب؛ أي الفترة التي يجب أن تمر بين آخر جرعة دواء وذبح الدجاج أو تسويق المنتج، حتى تنخفض بقايا الدواء إلى مستويات آمنة. المشكلة إذن ليست في العلاج البيطري المنظم، بل في العشوائية التي يمكن أن تطبع بعض المربين.

أما البيض، فتصويره كغذاء “نتن” أو كأنه “جنين دجاج” تبسيط غير علمي. البيضة الفاسدة فقط هي التي تكون نتنة، أما البيضة الطازجة المحفوظة جيدًا فهي غذاء طبيعي معروف. كما أن أغلب البيض التجاري غير مخصب أصلًا، أي لا يحتوي على جنين دجاج يتطور داخله. الدجاجة تبيض حتى دون وجود ديك، وما نأكله عادة هو بيضة غير مخصبة، لا كتكوتًا في طور النمو.

من الناحية الغذائية، البيض من أكثر الأغذية كثافة بالمغذيات: يحتوي على بروتين عالي الجودة، أحماض أمينية أساسية، فيتامينات، معادن، كولين مهم للدماغ والكبد، ومركبات مثل اللوتين والزياكسانثين المفيدة للعين. لذلك لا يصح أن نختزل البيض في صورة منفرة أو حكم عاطفي.

هل البيض يناسب الجميع؟ لا. هناك من لديه حساسية من البيض، وهناك من يحتاج إلى ضبط استهلاكه بسبب حالة صحية خاصة أو توصية طبية. كما يجب تجنب البيض النيئ أو غير المطبوخ جيدًا بسبب خطر السالمونيلا. لكن هذه حالات وشروط سلامة، لا دليل على منع البيض عن كل الناس.

الخلاصة: لا نقدس الدجاج والبيض، ولا نشيطنهما. ننتقد الإنتاج الرديء، نطالب بالمراقبة، نشتري من مصادر موثوقة، نطبخ الدجاج جيدًا، نحفظ البيض بطريقة سليمة، ونراعي الحالة الصحية للفرد.

أما تحويل الدجاج والبيض إلى “أطعمة خبيثة” بإطلاق، فهذا ليس على أسس علمية، بل تعميم يحرم الناس من مصدرين مهمين ورخيصين للبروتين.

الغذاء لا يُحكم عليه بالأسطورة، بل بالمصدر، والكمية، وطريقة التحضير، وحالة الشخص، والدليل.

يتبع…..

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*