
د. بنعبود جمال.
حاصل على الدكتوراه فالبيولوجيا تخصص البيئة و علم السموم
حاصل على شهادة تدريب في التغذية و الصحة
المقال 3 من سلسلة : الغذاء بين الطيب والخبيث: قراءة علمية هادئة
عندما يقرأ الإنسان نظام الطيبات لأول مرة، يلاحظ بسرعة أنه لا يقدّم مجرد نصائح عامة، بل يقسم الطعام إلى قائمتين واضحتين: أطعمة مسموحة، وأطعمة ممنوعة.
في المسموحات نجد أطعمة مثل الأرز، البطاطا، البطاطا الحلوة، التمر، العسل، السمن، الزبدة، زيت الزيتون، بعض أنواع اللحوم، بعض الأسماك، بعض الفواكه، وبعض المشروبات والأعشاب.
وفي المقابل، نجد ضمن الممنوعات فئات واسعة مثل الدواجن والبيض، الألبان ومشتقاتها، بعض الأجبان، الدقيق والمخبوزات، البقوليات والورقيات، بعض الفواكه والخضروات، المشروبات الصناعية، والأدوية والمواد الكيميائية.
إلى هنا، قد يبدو الأمر بسيطًا: هناك ما ينفع الجسم، وهناك ما يضره.
لكن السؤال العلمي لا يقبل هذه البساطة.
فليس كل مسموح صحيًا لمجرد أنه وُضع في قائمة المسموحات، وليس كل ممنوع مضرًا لمجرد أنه وُضع في قائمة الممنوعات. الأرز والبطاطا والتمر والعسل أطعمة طبيعية، نعم، لكنها تبقى مصادر مهمة للنشويات أو السكريات، وقد تحتاج إلى ضبط عند مريض السكري أو مقاومة الإنسولين. وزيت الزيتون غذاء نافع، لكن نفعه لا يعني أن كل الدهون أو السعرات تصبح بلا حدود. والعسل طبيعي، لكنه لا يفقد صفته كسكر حر عندما نكثر منه.
وفي الجهة المقابلة، البيض ليس غذاءً خبيثًا في ذاته. والبقوليات ليست خطرًا عامًا على البشر. والورقيات والخضر ليست أطعمة يجب أن تُمنع عن الناس كقاعدة. نعم، قد توجد حالات خاصة: حساسية من البيض، عدم تحمل للاكتوز، قولون عصبي يتأثر ببعض البقوليات، أو مرض كلوي يحتاج ضبط بعض الخضر. لكن الحالة الخاصة لا تتحول إلى قاعدة عامة للجميع.
المشكلة إذن ليست في وجود قائمة تنظيمية للطعام، فكل نظام غذائي يحتاج نوعًا من الاختيار. المشكلة في معيار الاختيار: لماذا يصبح السكر أو العسل أو الأرز من الأساسيات، بينما تُمنع أطعمة غنية بالألياف والبروتين والمعادن مثل البقوليات والورقيات؟ ولماذا يُنظر إلى الدجاج والبيض كخطر عام، بينما يُسمح بأغذية سكرية أو نشوية قد لا تناسب كثيرًا من المرضى؟
الغذاء لا يُحكم عليه بالاسم فقط، ولا بكونه طبيعيًا أو صناعيًا فقط، بل بالسياق: من يأكله؟ بأي كمية؟ كم مرة؟ وفي أي حالة صحية؟ وما الدليل على منعه أو السماح به؟
لهذا سنناقش في المقالات القادمة المسموح والممنوع واحدًا واحدًا: السكر، العصائر، الماء، النشويات، الخضر، البقوليات، البيض، الدجاج، الألبان، والأدوية.
فالطعام لا يصبح “طيبًا” بمجرد وضعه في قائمة، ولا يصبح “خبيثًا” بمجرد منعه.
يتبع في المقال القادم: السكر والعصائر… هل “الطبيعي” يبرر السكر الحر.
قم بكتابة اول تعليق