مؤسسة محمد الزرقطوني تكرم رائد الصحافة المغربية محمد عبد الرحمن برادة في ليلة الوفاء والذاكرة

عبدالعالي الجابري – الدار البيضاء – 25 يونيو 2026

بين سحر الشرق في مدينة وجدة وعنفوان الدار البيضاء، لم تكن المسافة مجرد كيلومترات، بل كانت رحلة في الذاكرة والتقدير. قطعتُ الطريق من وجدة مُلبياً دعوة خاصة واستثنائية من الصديق، (Le Maître)، والملهم محمد عبد الرحمن برادة شخصياً، لأكون شاهداً على تكريم لم يكن كغيره. في رحاب مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، وتحت ظلال “مؤسسة الشهيد محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث” الوارفة، اجتمعت “لا كريم” (La Crème) النخبة المغربية حسب تعبير مسير اللقاء لحسن العبسي. لم يكن الحفل مجرد تكريم مهني، بل كان “ماستر كلاس” في الأناقة الإنسانية، حيث تداخل عبق التاريخ الوطني مع رقيّ الحاضر الإعلامي، لنحتفي برجل لم يصنع فقط إمبراطورية “سبريس”، بل صاغ بتواضعه الشامخ كجبال توبقال هوية الصحافة المغربية الحديثة. وذلك بمناسبة اليوم الوطني للمقاومة الذي يخلد ذكرى استشهاد البطل محمد الزرقطوني 18 يونيو.

مؤسسة محمد الزرقطوني تكرم رائد الصحافة المغربية محمد عبد الرحمن برادة في ليلة الوفاء والذاكرة插图


شهد اللقاء حضوراً وازناً من شخصيات سياسية، إعلامية، وثقافية، أجمعت في شهاداتها على أن تكريم برادة هو تكريم لجيل من الرواد الذين بصموا تاريخ المغرب الحديث بمداد من النضال المهني والوطني،.

اولا الافتتاحية: الرمزية والقيم

افتتح لحسن العبسي اللقاء بالتأكيد على رمزية الاجتماع في “خيمة الشهيد محمد الزرقطوني”، معتبراً أن اختيار برادة لهذا العام هو محاولة لإعادة التصالح مع منظومة الصحافة الوطنية البناءة التي تصنع الرأي العام،. وحلل المتدخل دور برادة من خلال شركة “سبريس” التي حققت شعار “جريدة لكل مواطن”، كاسرةً بذلك حصار منظومات التوزيع الأجنبية التي كانت تتحكم في وصول المعلومة للمغاربة.

محمد الفران : الوطنية مواقف لا شعارات: شهادة وفاء في مسار رائد التوزيع والنشر المغربي”.

من جانبه، قدم محمد الفران، مدير مؤسسة الملك عبد العزيز، شهادة إنسانية عميقة، واصفاً المحتفى به بأنه “درس في التواضع” وشغف لا ينطفئ بالكلمة المطبوعة. وحلل الفران مسار برادة منذ تأسيس “بريد” ثم “سبريس” عام 1977، معتبراً إياها علامة فارقة في تاريخ الإعلام العربي والإفريقي، حيث نجحت في إيصال الجريدة إلى أبعد القرى النائية، مما جعلها سنداً حقيقياً للصحف المستقلة والوطنية. ويمكن التعمق في مضامين كلمته من خلال النقاط التالية:

أوضح الفران أنه لا يتحدث عن برادة من خلال ما يُشاع عنه أو عبر مؤسساته فحسب، بل من خلال معرفة شخصية مباشرة تعود لنحو عشر سنوات. وحلل شخصية المحتفى به من خلال ميزتين أساسيتين: التواضع الجم، وصفه بأنه “درس في التواضع” رغم قامته وتاريخه الكبير. و الشغف المتجدد، أشار إلى أن برادة يتحدث عن الصحافة والكلمة المطبوعة بـ “شغب لا يخبو”، وكأنه لا يزال في بداياته المهنية الأولى، مما يعكس حيوية فكرية واستمرارية في العطاء.

كما قدم الفران تحليلاً لمفهوم الوطنية عند برادة، معتبراً إياها ليست مجرد “شعارات ترفع”، بل هي “مواقف تتخذ في الوقت الصعب”. وأكد أن وفاء برادة لمهنته ولوطنه يُقاس بما تركه خلفه من أثر وتاريخ، وليس بما جمعه من مكاسب.

الى ذلك استعرض الفران المحطات التأسيسية في حياة برادة، مشيراً إلى: أصوله من مدينة وجدة وانطلاقه في رحلة تعليمية وتكوينية في معاهد عليا بفرنسا خلال منتصف السبعينيات. ثم انتقل للحديث عن إصداره لنشرة “مراسلات الصحافة”، والتي كانت النواة الأولى لمشاريعه الكبرى. وبعد ذلك تأسيس شركة “بريد” للتوزيع والنشر والصحافة عام 1977 في ظل ظروف سياسية وتاريخية صعبة.

كما حلل الفران الدور المحوري الذي لعبه برادة في كسر احتكار شركة فرنسية كانت تسيطر على توزيع الصحف والكتب في المغرب وتهمش الصحافة الوطنية. واعتبر أن مشروع برادة كان يهدف إلى: اولا – فك الحصار: إيصال الجريدة الوطنية إلى أبعد المناطق والقرى النائية والأحياء الشعبية، وعدم حصرها في مراكز المدن الكبرى. ثانيا – خلق مؤسسة رائدة: تحويل “سبريس” إلى أكبر مؤسسة من نوعها في العالم العربي وإفريقيا، بشبكة توزيع ضخمة تجاوزت آلاف نقط البيع.

ولم يفت الفران الاشارة إلى أن نجاح برادة لم يكن تقنياً فحسب، بل كان نتاج “روح طيبة” وقدرة فذة على التشاور والتوافق مع الزعماء السياسيين من مختلف المشارب. وحلل هذا النجاح بأنه جعل من مؤسسته سنداً حقيقياً للصحف المستقلة، حيث مكنتها التسهيلات والتسبيقات التي كان يمنحها من الولادة والاستمرار في وجه الصعوبات.

ختم الفران كلمته بالإشارة إلى التقدير الرسمي والمهني الذي حظي به برادة، ومن ذلك: نيله الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة سنة 2003. رئاسته لاتحاد الموزعين العرب (2006-2009). و إصداره لسيرته الذاتية بعنوان “شغف وإرادة”، وهو العنوان الذي اعتبره الفران ملخصاً لحياة برادة بأكملها.

ثانيا شهادات الفاعلين: برادة “المقاول المواطن”

عبد الكريم الزرقطوني: شهادة تقديرية واعترافية تربط بين ذكرى استشهاد محمد الزرقطوني وبين المسار المهني والوطني للأستاذ برادة

في كلمة مفعمة بالعواطف، تحدث عبد الكريم الزرقطوني، رئيس مؤسسة محمد الزرقطوني، عن برادة كنموذج لـ “المقاولة المواطنة”. وحلل الزرقطوني تدخلات برادة باعتبارها استمراراً لـ “الجهاد الأكبر” في معركة البناء، مشيداً بقدرته على بناء شبكة هائلة من العلاقات الإنسانية العميقة، ومؤكداً أن برادة ظل دائماً “الحضن الدافئ” ورفيق الدرب للمؤسسة في مبادراتها الوطنية.

يمكن القول ان كلمة عبد الكريم الزرقطوني، رئيس مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث، لم تكن مجرد إطراء عابر، بل حملت أبعاداً تحليلية عميقة تربط بين التاريخ النضالي للمغرب وبين الدور المهني للأستاذ محمد عبد الرحمن برادة، ويمكن تفصيل هذه الكلمة من خلال المحاور التالية:

ربط الزرقطوني بين تكريم برادة وبين ذكرى اليوم الوطني للمقاومة (18 يونيو)، معتبراً أن الاجتماع في “خيمة الشهيد محمد الزرقطوني” يحمل رمزية هائلة تستحضر منظومة قيم الوطنية، الفداء، والقرب من أجل بناء الوطن. وحلل هذا الاختيار كونه يجسد الوفاء لجيل “معركة الكرامة والحرية” واستمراراً لـ “معركة الجهاد الأكبر” لتثبيت قوة المغرب المعاصر.

ثم قدم الزرقطوني تحليلاً مهماً لبرادة كنموذج لـ “المقاولة المواطنة”، حيث اعتبره: مدرسة قائمة الأركان: ساهمت في وضع معالم المقاولة التي تخدم المشروع التنموي للمغرب الجديد. كما وصفه برائد الاستثمار الوطني: رأى فيه الزرقطوني تجسيداً لمدرسة الحركة الوطنية التي انخرطت في تحصين استقلال البلاد عبر مشاريع استثمارية واقتصادية وتنموية وازنة. ليثق عند مسار برادة كفعل وطني سعى لبلورة العمل الوطني في مشاريع اقتصادية تتجاوز الربح الضيق إلى المساهمة في تنمية البلاد.

ولم يفوت الزرقطوني الفرصة ليعتبر تكريم برادة كصرخة لإعادة “التصالح مع منظومة الصحافة الوطنية البناءة”. وأشار إلى نقاط جوهرية في هذا السياق:صناعة الرأي العام: اعتبر أن برادة يمثل مرحلة “الألق والعطاء” التي كانت فيها الصحافة (وخاصة الحزبية) هي المحرك الحقيقي للرأي العام الوطني، بخلاف نماذج أخرى في المشرق العربي. كما قدم نقدا للواقع الحالي مستخدما نموذج برادة لطرح تساؤلات حول “الواقع المأساوي” الذي تعيشه الصحافة اليوم، مؤكداً أن الاحتفاء به هو احتفاء بحماية الهوية الوطنية المغربية.

وفي ايطار ما يمكن اعتباره معركة السيادة على المعلومة توقف الزرقطوني عند التحدي الذي رفعه برادة من خلال شركة “سبريس”، وحلل هذا الدور كفعل نضالي بامتياز: تحرير حق المواطن: نجح برادة في تحقيق شعار “جريدة لكل مواطن”، وهو ما اعتبره الزرقطوني تحدياً لمنظومة توزيع أجنبية كانت تهدف إلى “تقزيم” وصول الخبر والمعلومة للمغاربة. و الدور التأسيسي: وصف برادة بأنه “حارس الكلمة” الذي أدرك أهمية استقلال قطاع التوزيع لضمان مصداقية الصحافة الوطنية.

ختم الزرقطوني كلمته بتأكيد أن برادة هو “فخر للمغاربة”، ومن خلاله تُقرأ مبادئ الانتماء الوطني، معتبراً أن التكريم هو اعتراف بمسيرته التي ظلت وفية لمبادئ جيل البناء والاستمرار.

حسن عبد الخالق: محمد عبد الرحمن برادة… معركة استقلال التوزيع وتحقيق السيادة الإعلامية للمغرب

أما السفير والكاتب حسن عبد الخالق، فقد غاص في التاريخ ليحلل نجاح برادة في استعادة السيادة الوطنية على قطاع التوزيع. وأشار إلى أن برادة، الذي بدأ مدرساً للغة العربية، استطاع إقناع زعماء وطنيين كبار بمشروعه الطموح، لينطلق بـ “سبريس” من دراجة ووجه صغير إلى مؤسسة كبرى تسيطر على توزيع الصحف الوطنية والعربية والأجنبية، واصفاً إياه بـ “رجل الخير بامتياز” الذي كانت يده بيضاء على العديد من الصحفيين في أزماتهم،.

يمكن القول ان كلمة تميزت السفير والكاتب الصحفي حسن عبد الخالق بكونها شهادة “مهنية وتاريخية” عميقة، حيث لم يكتفِ بسرد الخصال الإنسانية للمحتفى به، بل حلل الدور الاستراتيجي الذي لعبه محمد عبد الرحمن برادة في تحقيق السيادة الإعلامية للمغرب.

حيث استهل كلمته بالاشارة الى ان أصل نجاح برادة إلى نشأته في بيت مفعم بـ “النفحة الوطنية” بمدينة وجدة. وحلل كيف أثرت أحداث “ثورة الملك والشعب” (1953) التي عاصرها برادة وهو طفل على تشكيل وجدانه، معتبراً أن انطلاقته كمدرس للغة العربية قبل الانتقال لعالم الصحافة أعطته خلفية ثقافية متينة ميزت مساره اللاحق.

ثم توقف عبد الخالق عند “قصة النجاح” التي مثلتها شركة “سبريس”، وحللها كعملية تحرير وطني لقطاع كان يخضع لهيمنة شركة فرنسية موروثة عن عهد الحماية. وأشار إلى نقاط مفصلية في هذا المسار: إقناع الرواد: نجاح برادة في عقد اجتماعات مع قادة وطنيين كبار (مثل محمد اليازيدي، عبد الخالق الطريس، وعبد الرحيم بوعبيد) لإقناعهم بضرورة استعادة السيادة على قطاع التوزيع. و البداية المتواضعة: أشار إلى أن الانطلاقة في يونيو 1977 لم تكن مفروشة بالورود، بل بدأت بـ “دراجة وواجهة محل صغير”، لتتحول في ظرف ثلاث سنوات إلى مؤسسة كبرى تسيطر على توزيع الصحف الوطنية والعربية والأجنبية.

الى ذلك حلل عبد الخالق ذكاء برادة في تدبير المشهد الإعلامي، مؤكداً أنه لم يحصر “سبريس” في خدمة الصحف الحزبية فقط، بل شجع المبادرات لتأسيس منابر شعبية ومستقلة. كما قارن بين “العصر الذهبي” للصحافة في الثمانينات والتسعينات، حيث كان التوزيع يتجاوز 500 ألف نسخة يومياً، وبين الواقع الحالي الذي لا يتجاوز بضعة آلاف، معتبراً تجربة برادة سداً منيعاً ضد ما وصفه بـ “التفاهة” ولصالح الرأي العام ذي البعد الوطني.

بعد ذلك كشف عبد الخالق عن جوانب قد لا يعرفها الكثيرون في شخصية برادة: العمل الخيري الصامت: وصفه بـ “رجل خير بامتياز”، مؤكداً بشهادة للتاريخ أن برادة كانت له “أيادٍ بيضاء” على العديد من الصحفيين الذين مروا بأزمات مادية أو صحية أو مهنية. وبالخصوص الشخصية الرياضية: أشار إلى أن برادة كان رياضياً يمارس كرة القدم واليد والسلة، بل وتولى رئاسة الجامعة الملكية لكرة السلة في السبعينات، مما يعكس حيوية شخصيته وتعدد اهتماماته.

وختم عبد الخالق كلمته بالإشارة إلى أن مسار برادة حظي بتقدير رفيع، سواء من خلال تكليفه من طرف الملك الراحل الحسن الثاني بمهام إعلامية وطنية (الإشراف على الوفد الإعلامي)، أو نيله الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة، معتبراً أن الحديث عن برادة هو حديث عن “ذاكرة مهنية حافلة تمتد لأكثر من 40 سنة”

ثالثا المهنة والأخلاق: برادة “جامع القبيلة”

محتات الرقاص : محمد عبد الرحمن برادة… ‘جامع قبيلة’ الصحفيين وتكريمه صرخة من أجل الإنقاذ واستعادة قيم ‘حلم التأسيس’

في تحليل مهني دقيق، أكد محتات الرقاص (رئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف) أن برادة لم يكن مجرد مسير إداري، بل كان “مركزية لكل من يريد التعرف على أهل المهنة”. وحلل قدرته الفريدة على تدبير الحساسيات واستيعاب التمايزات بين الصحفيين بمرونة وسخاء خلقي، معتبراً أن التكريم هو صرخة لاستعادة قيم الصحافة الوطنية كصوت لقضايا المغرب،.

وقدم محتات الرقاص، شهادة مهنية وأخلاقية بليغة في حق الأستاذ محمد عبد الرحمن برادة، تجاوزت حدود الإطراء التقليدي لتلامس جوهر الأزمة التي تعيشها الصحافة اليوم، معتبراً أن تكريم برادة هو اعتراف بالعطاء الإنساني والمهني الذي قدمه للمغرب.

واكد الرقاص ان دور برادة لم يكن مجرد مدير إداري أو مسير لشركة توزيع (سبريس)، بل كان “مركزية لكل من يريد التعرف على أهل المهنة”. حيث : خلق الشعور بالانتماء: نجح برادة في جعل كل الصحفيين المغاربة يشعرون بأن “سبريس” هي ملك لهم ومنهم، وهو ما وصفه الرقاص بـ “نجاحه في جمع قبيلة الصحفيين حوله”. اضافة الى إدارة الحساسيات: أشاد الرقاص بقدرة برادة الفذة على تدبير الحساسيات واستيعاب التمايزات والتباينات بين الصحفيين بروح مرنة وسخاء خلقي ورقي سلوكي، مما جعل منه نقطة التقاء وتوازن في مشهد يتسم غالباً بالصراعات.

من جهة اخرى، يرى الرقاص أن برادة يمثل نموذجاً للقيادة التي تنتصر للقيم على حساب “الحسابات الصغيرة”، وحلل ذلك من خلال: الإيمان بالطاقات: كان برادة ينتصر دائماً للثقة والإيمان بالطاقات، ويرعى الموارد البشرية بناءً على القناعات والوعي وليس فقط المردودية التجارية. والتواضع والزهد في السلطة: أكد الرقاص أن برادة لم يكن يفكر بـ “عقلية الكرسي المنصوب”، بل كان مهووساً بـ “حلم التأسيس” والتمسك به، وهو ما يفسر استمرار تأثيره حتى بعد تركه للمسؤوليات التدبيرية.

واغتنم الرقاص الفرصة لتقديم تحليلي نقدي للواقع الحالي للصحافة الوطنية، مستخدماً تجربة برادة كمرجع للإصلاح: الصرخة من أجل الإنقاذ: اعتبر التكريم “صرخة من أجل الإنقاذ” واستعادة المهمة النبيلة للصحافة في ظل ما تعيشه اليوم من “تدني واختلالات” في السلوك المهني والتدبير العمومي. وانتقاد التهميش: وجه الرقاص عتاباً ضمنياً للمسؤولين الحكوميين لعدم إنصاتهم لآراء وخبرات برادة في مواجهة المآزق الحالية للمهنة، معتبراً إياه شخصاً مرجعياً يجب التعلم منه.

الى ذلك، كشف الرقاص عن الدور الحيوي الذي ما زال يلعبه برادة داخل “الفيدرالية المغربية لناشري الصحف” (FMEJ): محاربة الأنانية: يصف الرقاص برادة بأنه الشخص الذي يعلم أعضاء الفيدرالية يومياً كيف يتخلصون من “الأنا والحسابات الصغيرة”، ويحثهم دائماً على اللقاء ونبذ التشرذم. صيانة الوحدة: كان لبرادة دور حاسم في “صيانة وجود الفيدرالية ووحدتها” في لحظات الانشقاق الصعبة، حيث أن وجوده في المنصة يعطي شعوراً بالتواجد في “الضفة الصحيحة” إقليمياً ومهنياً وأخلاقياً. الخيط الأبيض: وصفه بـ “الرجل الساحر” الذي يمتلك صنعة “سد الصدع والتجميع”، مستخدماً “خيطه الأبيض” لتدليل العقبات التنظيمية وحل الخلافات، كما حدث في حل أزمة فرع وجدة للفيدرالية.

ختم الرقاص مداخلته بتأكيد أن تكريم برادة ليس تكريماً لشخص واحد، بل هو تكريم لرؤية وأفق يربط بين الصحافة والتطوع الوطني، مشدداً على أن الصحافة يجب أن تظل كما أرادها برادة: صوتاً صادقاً لقضايا المغرب والمغاربة.

مؤسسة محمد الزرقطوني تكرم رائد الصحافة المغربية محمد عبد الرحمن برادة في ليلة الوفاء والذاكرة插图1

محمد بوخزار : سبريس… من معركة التوزيع إلى ‘أهم إنجاز في المجال الثقافي الإعلامي في المغرب الحديث

بدوره، ركز محمد بوخزار على الجانب “المسالم” في شخصية برادة، معتبراً “سبريس” أهم إنجاز ثقافي إعلامي في المغرب الحديث،. وحلل بوخزار ذكاء برادة في اختيار شركائه من قادة الأحزاب الوطنية، وكيف استطاع تحويل مقاولته إلى “منصة تنويرية فكرية” واجهت احتكار التوزيع في سياق سياسي معقد،.

يمكن القول ان مداخلة الكاتب والصحفي محمد بوخزار تميزت بكونها شهادة مهنية عميقة تجمع بين التحليل التاريخي لواقع الصحافة المغربية وبين تقدير العبقرية التدبيرية للأستاذ محمد عبد الرحمن برادة. وقد وصف المسيرُ بوخزارَ بأنه رمز لـ “الرصانة والوفاء لقيم المدينة”.

نسجل ان بوخزار أطلق حكماً تاريخياً وازناً حين اعتبر أن تأسيس مقاولة “سبريس” هو “أهم إنجاز في المجال الثقافي الإعلامي في المغرب الحديث”. وحلل هذا المنجز كونه جاء في سياق وطني صعب ومعقد، مشبهاً صعوبة الظروف التي واجهت برادة بتلك التي عاصرها الشهيد محمد الزرقطوني.

وحلل بوخزار الدور الاستراتيجي لبرادة في مواجهة ما أسماه “احتكار التوزيع”، مستحضراً ذاكرته في جريدة “العالم” بداية السبعينيات، حيث كانت الصحف الوطنية تتعرض للمضايقات ولا تصل إلى القراء إلا متأخرة أو في المساء. وأوضح كيف استطاع برادة إقناع الأحزاب الوطنية بمشروعه رغم التحديات والمضايقات التي كانت تواجهها من طرف الدولة آنذاك. و تحويل “سبريس” من مجرد مقاولة توزيع إلى “منصة تنويرية فكرية” تدعم القراءة وتواجه “إمبراطوريات” التوزيع التي كانت تهدف لخنق الخبر.

كما اعتبر بوخزار أن برادة هو “أول داعم للصحفي المغربي في العصر الحديث”. وحلل هذا الدعم من خلال: عدم تفكير برادة بمنطق الربح والخسارة فقط، بل كان يساند أي مشروع صحفي يرى فيه نكهة جادة أو تجربة طموحة. وكذا تقديم تسهيلات وتطبيقات مالية (كما حدث مع تجربة محمد بن يحيى) لضمان استمرار المنابر الصحفية.

توقف بوخزار عند ذكاء برادة في اختيار شركائه الأوائل، حيث راهن على أسماء وازنة من الصحافة الوطنية (محمد اليازيدي، عبد الخالق الطريس، وعمر بنجلون) لانتزاع “الشرعية الشعبية والسياسية” لمشروعه. وحلل شخصية برادة بكونها تمزج بين “صرامة ووفاء أهل الشرق المغربي” وبين “كياسته الخاصة” ونزعته السلمية التي جعلته يتجنب الخصومات رغم الصعوبات.

وختم بوخزار كلمته بتوجيه عتاب رقيق لبرادة لأنه لم يوفِ منجزه الكبير حقه من التعريف، مفضلاً التواضع واعتبار ما فات مرحلة وانتهت. كما انتقد غياب البحوث الجامعية (المونوغرافيات) التي تؤرخ لمسيرة “سبريس” وتحدياتها، مؤكداً أن هذه التجربة تستحق أن تُدرس كنموذج لكيفية تأثير التوزيع في صناعة الرأي العام وحماية الصحافة الوطنية.

رابعا “القرض الحسن” والوفاء الإنساني

نورالدين مفتاح: محمد عبد الرحمن برادة… حكيم ‘الخيط الأبيض’ والقرض الحسن الذي صان وحدة الجسم الصحفي

جاءت شهادة نور الدين مفتاح لتكشف جوانب حميمية، حيث لقب برادة بـ “القرض الحسن”، ليس فقط مادياً بل كخبير في “ترويض الأرواح المتمردة” وإصلاح ذات البين بين الزملاء،. وحلل مفتاح دور برادة الحاسم في حماية “الفيدرالية المغربية لناشري الصحف” من الانشقاق، مؤكداً أن وجوده كان دائماً يعطي إحساساً بالوجود في “الضفة الصحيحة” مهنياً وأخلاقياً.

يمكن القول ان كلمة الإعلامي نور الدين مفتاح (رئيس مجموعة جريدة الأيام والرئيس السابق للفيدرالية المغربية لناشري الصحف) تميزت بكونها شهادة “حميمية وشخصية جداً” غاصت في الجوانب الخفية لشخصية الأستاذ محمد عبد الرحمن برادة، متجاوزةً الدور المهني إلى الدور الإنساني والتحكيمي الذي لعبه في أصعب اللحظات التي مر بها الجسم الصحفي. حيث يستشف من كلمة نورالدين مفتاح ان برادة لم يكن مجرد موزع للصحف، بل كان شريكاً في البناء وصانعاً للهوية البصرية والاسمية لواحد من أهم المنابر الإعلامية في المغرب “اسبوعية الايام”.

في بداية تدخله أطلق مفتاح على برادة لقب “القرض الحسن”، وحلل هذا الوصف بكونه يتجاوز الدعم المادي الصرف إلى الدعم المعنوي والمهني. وكشف عن واقعة ملموسة حين كان برادة “العراب” والممول الأول لجريدة “الأيام” عند تأسيسها، حيث وصف مفتاح الأستاذ برادة بأنه كان “عراب هذا المولود” (يقصد جريدة الأيام) منذ اللحظة التي قررت فيها هيئة التحرير التأسيس، مشيراً إلى أنه لم يكن مجرد داعم، بل كان المحرك والراعي لهذه الانطلاقة.

كما كشف مفتاح صراحةً أن محمد برادة هو “الذي اختار اسم” الصحيفة، مما يعكس حجم الثقة الكبيرة التي وضعها الطاقم التأسيسي في رؤيته وتقديره المهني. ولم يقتصر دور برادة على التوجيه والاسم، بل قدم دعماً مالياً حاسماً وصفه مفتاح بـ “القرض الحسن”، وكان عبارة عن 20 مليون سنتيم قدمها للمشروع دون ضمانات سوى الثقة في كفاءة الفريق، وقد تم استرداد هذا المبلغ لاحقاً بعد نجاح المبيعات… مشيرا إلى أن برادة ظل السند الحقيقي للمهنية في الجريدة، وكان يتدخل في أحلك الظروف (مثل فترات الحجز أو النزاعات القانونية والمهنية) بصفته خبيراً في “الخيط الأبيض” وقادراً على حل أعقد المشاكل بروح إنسانية ومهنية عالية.

من جهة أخرى حلل مفتاح قدرة برادة الفريدة على حل النزاعات المعقدة، واصفاً إياه بـ “الخبير في ترويض الأرواح المتمردة والقلوب الملتهبة”. وأشار إلى أن برادة كان يتدخل دائماً بـ “خيطه الأبيض” لفض الاشتباكات بين الزملاء أو مع السلطة، ومنها: مذكرا بتدخلاته في حلحلة نزاعات قانونية بين زملاء صحفيين عجز المحامون عن حلها. وكذا وساطته لدى الدولة والجنرالات (مثل الجنرال حميدو لعنيكري) عند حجز الجرائد أو وقوع أزمات مع “الزوايا”… مركزا على قدرته على إخراج الخصوم من “قاعة الأزمة” بروح من التفاؤل والضحك قبل البدء في حل المشكل تقنياً.

بخصوص الفيدرالية المغربية لناشري الصحف ركز مفتاح على الدور التاريخي لبرادة في الحفاظ علىوحدتها، خاصة خلال أزمة جائحة كورونا التي شهدت محاولة لـ “انقلاب” وانشقاق داخل التنظيم. وحلل مفتاح هذا الدور عبر: إصرار برادة على الحضور ودعم الشرعية، مما أحبط مخططات “قتل الفيدرالية”، ليستنتج أن جلوس برادة في المنصة كان يعطي للصحفيين شعوراً بالطمأنينة بأنهم يسيرون في الطريق الصحيح مهنياً وأخلاقياً…. كما اشار الى تدخل برادة الشخصي والمحوري لتفادي انشقاق فرع الفيدرالية بوجدة، نظراً لمكانة هذه المدينة الخاصة في وجدانه.

وقبل ان يختم استرجع مفتاح بداياته عندما كان برادة يحضر اجتماعات التحرير في جريدة “الاتحاد الاشتراكي” ليقدم نقداً لاذعاً ومهنياً للمواد والإخراج، مما عكس اهتمام الموزع بجودة المحتوى… ليخلص الى ان تدهور الصحافة حالياً يرجع اساسا الى “تبخر الكيمياء” التي كان برادة يبثها في هذا القطاع، معتبراً أن غيابه ترك فراغاً ملأته “التفاهة” و”الغش المهني”.

محمد شوقي: محمد عبد الرحمن برادة… مهندس السيادة الإعلامية وجسر الوحدة الوطنية بين المركز والصحراء

أما محمد شوقي، فقد ربط بين إرادة الشهيد عمر بنجلون وإرادة برادة في تأسيس نظام توزيع وطني. وحلل كيف ساهمت “سبريس” في تنمية القراءة وتحقيق الوحدة الترابية من خلال إيصال الخبر للصحراء المغربية في زمن قياسي، معتبراً تجربة برادة درساً يجب العودة إليه لإنقاذ الإعلام من “مرحلة التفاهة” الحالية،.

تميزت كلمة الإعلامي والنقابي محمد شوقي (مدير جريدة الاتحاد الاشتراكي سابقاً) بكونها شهادة “تأريخية واستراتيجية” ركزت على ظروف نشأة مؤسسة “سبريس” ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية، معتبراً إياها ثمرة لالتقاء إرادات وطنية كبرى.

كشف شوقي ، في مستهل كلمته، عن معطى تاريخي هام يتعلق بـ “أسباب النزول” لشركة “سبريس”، وحللها كناتج لاندماج رؤيتين: اولا – إرادة الشهيد عمر بنجلون: (مدير جريدة المحرر آنذاك)، الذي كان يعاني من سوء توزيع الصحافة الوطنية وتهميشها من طرف الشركة الفرنسية التي كانت تهتم فقط بالكتّاب الفرنسيين. وثانيا إرادة محمد عبد الرحمن برادة: الذي غادر الشركة الفرنسية “سوشبريس” (سليلة عهد الحماية) برغبة قوية في الدفاع عن الجرائد الوطنية، وهو الذي كان يكتب مقالات رياضية باسم مستعار هو “أبو دريلة”.

شوقي في كلمته يرى في تأسيس “سبريس” ليس مجرد مشروع تجاري، بل “تحول استراتيجي” في مجال النشر والتوزيع بالمغرب. وأبرز قدرة برادة الفريدة على جمع مكونات الأحزاب والجرائد الوطنية بمختلف تلويناتها السياسية (حكومة ومعارضة) حول مشروع توزيع موحد، رغم الاختلافات السياسية الحادة في تلك الفترة.

كما قدم شوقي تحليلاً لافتاً لدور “سبريس” في معركة الوحدة الترابية، موضحاً أنها: حققت وصول الجرائد الوطنية إلى مدينة العيون والمدن الصحراوية الأخرى في زمن قياسي. كما مكنت الساكنة في الأقاليم الجنوبية من متابعة الخبر الوطني والتحولات السياسية في البلاد، مما جعل من “التوزيع” أداة لترسيخ الانتماء والوحدة الوطنية.

الى ذلك، استعرض شوقي الأرقام للدلالة على نجاح تجربة برادة، حيث أشار إلى أن سحب جريدة “المحرر” مثلاً قفز بفضل “سبريس” من حوالي 10 آلاف نسخة إلى 30 ألف نسخة. وحلل هذا النجاح كونه ساهم في: تنمية القراءة وانفتاح الصحافة على المناطق الحضرية والقروية على حد سواء. و دعم صحافة القطاع الخاص مادياً ومعنوياً، مما ساهم في تطوير المشهد الإعلامي الوطني.

وختم شوقي كلمته ببرقية نقدية للواقع الحالي، معتبراً أن الإعلام يعيش اليوم “أسوأ مراحله”. وحلل ضرورة العودة لتجربة برادة، ليس لتكرارها حرفياً، بل لاستلهام “تلك الإرادة وذلك الشغف” اللذين جعلا من الإعلام خدمة حقيقية للمواطن وللوطن.

اخيرا كلمة المحتفى به: في حضرة الشهيد: شهادة مواطن عادي أخلص لرسالة جيل البناء والوفاء الوطني

اختتم اللقاء بكلمة مؤثرة لـ محمد عبد الرحمن برادة، الذي غلب عليه التواضع، معتبراً نفسه “مواطناً عادياً”. وعبر عن فخره الاستثنائي بارتباط اسمه في هذا التكريم باسم الشهيد محمد الزرقطوني، مؤكداً التزامه بالدفاع عن القيم والمبادئ الوطنية التي استشهد من أجلها المقاومون، مجدداً شكره لكل من ساهم في الحفاظ على الذاكرة الوطنية،.

اتسمت كلمة المحتفى به، الأستاذ محمد عبد الرحمن برادة، بنبرة مؤثرة غلب عليها التواضع الجم والاعتزاز بالانتماء الوطني، حيث لم يركز فيها على إنجازاته الشخصية، بل جعل منها مناسبة لتجديد العهد مع قيم المقاومة والذاكرة الوطنية.

حيث بدأ برادة كلمته بالتعبير عن شعور بـ “الخجل” المحمود أمام سيل الشهادات التي قيلت في حقه، واصفاً نفسه بـ “المواطن العادي جداً”. وحلل هذا الموقف برغبته في “تمزيق ما كتبه” لأن المتدخلين قالوا عنه أشياء تفوق ما كان يتوقعه من نفسه، مفضلاً أن يظل في صورة الإنسان البسيط الذي عمل بجد في مهنته.

كما اعتبر برادة أن مبعث فخره الاستثنائي ليس في التكريم لذاته، بل في اقتران اسمه باسم الشهيد محمد الزرقطوني. وحلل هذه الرمزية من خلال: اولا علو القامة و وصف الزرقطوني بأنه “شهيد استثنائي” ورجل شامخ كالجبال أضاء الذاكرة الجماعية. ثانيا القدوة الأخلاقية و اعتبار أن مؤسسة الزرقطوني بتبنيها لهذا التكريم، منحته شرفاً تاريخياً بربط مساره المهني بسيرة رجل “أدرك عنان السماء”.

الى ذلك استحضر برادة في كلمته قيم الجيل الذي ينتمي إليه، وهو جيل الاستقلال والبناء، وحلل هذا الانتماء عبر: حيث عبر عن اعتزازه بمعاشرة “قامات وطنية مثالية ونظيفة” صنعت بدمها وعرقها وكفاحها الطريق نحو وطن حر. والحفاظ على الأمانة اذ أكد أن الهدف الأسمى من مثل هذه اللقاءات هو “الحفاظ على ذاكرة وطنية” تمثل رصيداً لا محدوداً من الفخر للأجيال الصاعدة.

لم تكن الكلمة مجرد شكر، بل كانت إعلاناً للموقف، حيث أكد برادة التزامه بالبقاء مدافعاً عن القيم والمبادئ التي استشهد من أجلها الزرقطوني ورفاقه. وحلل الحاجة إلى هذه القيم في الوقت الراهن الذي يزداد “تعقيداً وتشابكاً”، معتبراً الذاكرة الوطنية “دليلاً أخلاقياً وروحياً” ينير الدروب. واختتم برادة كلمته باستحضار البعد الديني والوطني العميق، من خلال:

  • الاستشهاد القرآني: قرأ الآية الكريمة: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا وَاعَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ…}، في إشارة إلى وفاء جيل المقاومة لعهدهم مع الله والوطن.
  • الدعاء للوطن والملك: ختم بالدعاء للمغرب “الذي نحبه ونقدسه” وللملك محمد السادس، مؤكداً أن الاستمرار في العطاء هو السبيل الوحيد لخدمة هذا الوطن الخالد.

الخاتمة: هالة التواضع.. الأفخم من كل الألقاب او حين تشرق “وجدة” في قلب الدار البيضاء

انتهى الحفل بتوزيع هدايا رمزية، في أجواء جسدت اعتزاز الأسرة الإعلامية بأحد أعمدتها الذي ظل طوال مساره “حارساً للكلمة” ووفياً لشعار “جريدة لكل مواطن”،.

وبينما كانت أضواء القاعة تخبو، بقيت هالة “المعلم” برادة تملأ المكان دفئاً وإلهاماً.

لقد كانت سعادتي مضاعفة؛ ليس فقط كصديق ومُلهم لبى دعوة خاصة من “Le Maître” شخصياً، بل بصفتي رئيساً لفرع جهة الشرق للفيدرالية المغربية لناشري الصحف، وهو المنصب الذي منحه الاعلامي الكبير نور الدين مفتاح بُعداً عاطفياً ومهنياً حين أشار في كلمته إلى دورنا في “وجدة” – تلك المدينة التي تسكن وجدان برادة.

لقد كان توقف الإعلامي نور الدين مفتاح في مداخلته للاشارة عن “مفاجأته” بتواجدي هناك بدعوة خاصة من برادة نفسه، ومن تلك المنصة، وأمام صفوة النخبة، بمثابة وسام وفاء من “المعلم” نحو تلامذته في مسقط رأسه، وتأكيداً على أن “الخيط الأبيض” الذي ينسجه برادة لجمع شتات المهنة قد آتى أكله في جهة الشرق.

غادرتُ اللقاء وأنا أحمل معي ما هو أثمن من الكلمات؛ حملتُ درساً بليغاً في كيف يكون “التواضع” هو الشكل الأكثر فخامة للسيادة .

لقد كان سفري من وجدة رغبةً في الوقوف إجلالاً أمام رجل لُقب بـ “القرض الحسن”؛ ليس فقط لدعمه المادي لمهنة المتاعب، بل لسخائه الروحي الذي جعل منه “الخيط الأبيض” وصمام أمان وحدة الجسم الصحفي. لكن، أثبت لي المتحدثون ان “الشغف والإرادة” ليسا مجرد عنوان لسيرته الذاتية، بل هما “ستايل style” حياة كامل، وقصة نجاح مغربية كُتبت بمداد من الوفاء للوطن وللكلمة الحرة .

لا اخفي انني عشتُ سعادة الحضور، وعدتُ بذاكرة ممتلئة برقيّ رجل يظل، برغم كل الألقاب، “حارساً أميناً للكلمة” وفخراً لكل من نهل من نبعه.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*