بقلم: ساخر يُفضل عدم ذكر اسمه حتى لا يُستدعى هو الآخر
في لحظة تاريخية نادرة، اكتشف البرلمانيون المغاربة فجأة، وفي شهر يونيو 2026 بالضبط، أن هناك شيئاً اسمه “دعم استيراد المواشي”.
ليس أي دعم، بل دعم بـ13.3 مليار درهم. نعم، 13.3. الرقم الذي كان نائماً بهدوء في أدراج وزارة المالية منذ 2023، استيقظ فجأة كأنه سمع صوت الحملة الانتخابية قادمة من بعيد.
المعارضة، التي كانت تتابع الملف “باهتمام كبير” طوال السنوات الثلاث الماضية (أي من بعيد جداً)، قررت أخيراً أن “الوقت قد حان لتقصي الحقيقة”. وكأن الحقيقة كانت تنتظر في محطة الحافلات حتى يأتي أحدهم ويوقظها قبل 23 شتنبر.
“نريد لجنة تقصي الحقائق!” صاحوا بصوت واحد.
“لكن بشرط أن تكون قوية، ومستقلة، و… وتنتهي تقاريرها قبل الانتخابات بأسبوعين على الأكثر.”
أما الأغلبية، فكانت في موقف لا تحسد عليه. بعضها قال: “نحن مع الشفافية… لكن ليس بهذه الطريقة الفجائية”. والبعض الآخر (خاصة من يملكون مفاتيح الدعم) اكتفى بالتريث “للتشاور مع الهيئات الحزبية”، وهي عبارة سياسية مهذبة تعني: “خلينا نشوفو واش غادي يطلع علينا شي حاجة قبل ما نوافقو”.
النتيجة؟
أصبح ملف “الفراقشية” فجأة أهم ملف سياسي في البلاد. أهم من الجفاف، وأهم من كأس العالم 2030، وأهم حتى من ارتفاع أسعار الطماطم. لأن الطماطم لا تصوت.
المعارضة تقول: “نريد أن نعرف أين ذهبت الأموال”.
والمواطن يرد في سره: “أنا أيضاً أريد أن أعرف أين ذهبت الأموال… لكنني أريد أيضاً أن أعرف لماذا اكتشفتم ذلك الآن بالضبط؟ هل كانت الأموال مختفية في خزانة سرية لم تفتحوها إلا عندما اقتربت صناديق الاقتراع؟”
الحقيقة المرة (والمضحكة في آن واحد) هي أن الملف حقيقي.
نعم، هناك دعم.
نعم، هناك مبالغ كبيرة.
نعم، هناك أسعار لحوم لم تنخفض رغم كل هذا “الدعم السخي”.
لكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أن هذا الملف أصبح الآن أداة انتخابية ممتازة، تماماً كالخروف الذي يُسمن قبل العيد.المعارضة تريد أن تظهر كـ”المدافع عن جيوب المواطنين”.
والأغلبية تريد أن تظهر كـ”الضحية التي تُستهدف سياسياً”.
والمواطن؟ يريد فقط أن يشتري كبشاً بثمن معقول دون أن يُجبر على الانضمام إلى لجنة تقصي الحقائق.
في النهاية، سنحصل على واحدة من الاحتمالين التاليين:
- إما لجنة تقصي حقائق حقيقية تنتهي بعد الانتخابات بستة أشهر، وتخرج بتقرير يُقرأ في الجرائد ثم يُنسى.
- أو لجنة تقصي حقائق “خفيفة” تنتهي قبل الانتخابات بأسبوع، وتُستخدم في الحملات الانتخابية كدليل على “فساد الآخرين” أو “نزاهة الذات”.
أما الحقيقة الكاملة عن 13.3 مليار درهم؟
فهي لا تزال تنتظر… ربما تنتظر الولاية التشريعية المقبلة. أو الولاية التي بعدها. أو ربما تنتظر حتى يصبح عدم التقصي نفسه موضوع لجنة تقصي حقائق جديدة في 2031.
في السياسة، كما في تربية المواشي:
المهم ليس أن تعرف الحقيقة،
المهم أن تعرف متى تكتشفها.
قم بكتابة اول تعليق