رحل الدكتور جمال حدادي، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول بوجدة، بعد مسيرة أكاديمية وثقافية حافلة بالعطاء، تاركًا وراءه صورة مشرقة لرجل جمع بين العلم والأخلاق، وبين الرصانة الأكاديمية والحضور الإنساني الدافئ.
كان الفقيد رحمه الله مثالاً حيًا على طيبة الأخلاق ودماثتها. عُرف بتواضعه الجم، وبقربه من طلبته وزملائه، وبحرصه على نشر قيم الاحترام والإنصات والتواصل الإنساني. لم يكن يرى في العلم مجرد معرفة نظرية، بل رسالة أخلاقية تتجسد في سلوكه اليومي وتعامله مع الآخرين. كان يجمع بين الجدية العلمية واللين الإنساني، فكان محبوبًا من الجميع، يُستقبل بحفاوة أينما حلّ، ويترك أثرًا طيبًا في كل من عرفه.
أما في مجال التنشيط والتقديم، فقد كان الدكتور جمال حدادي من أبرز الأسماء في الساحة الأكاديمية والثقافية بالجهة الشرقية. تميز بأسلوب راقٍ في إدارة الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية، حيث كان يجمع بين الدقة والسلاسة، وبين القدرة على جذب انتباه الحضور وتوجيه النقاش بذكاء ولباقة. كان حضوره على المنصة يضفي على اللقاءات جوًا من الرقي والجمال، سواء في تسييره للمنتديات الوطنية أو في ورشاته التكوينية. وقد أشرف على العديد من الورشات المتخصصة في فن التحدث أمام الجمهور ومهارات تنشيط اللقاءات الثقافية والعلمية، وكان من أبرز من أطر ورشة نادي TED بوجدة في هذا المجال.
شارك الدكتور حدادي في العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية، سواء كمنشط أو كمتدخل. ومن أبرز مساهماته الفكرية مشاركته بورقة بحثية في مؤتمر دولي حول موضوع “الوفادة العلمية ثقافة وحياة: الطالب الإفريقي نموذجًا”، حيث أبرز البعد الثقافي والإنساني للهجرة العلمية، وربط بين المعرفة والانفتاح على الآخر. كما كان حاضرًا بقوة في الفعاليات الثقافية التي تنظمها الجامعة، وفي اللقاءات التي تجمع بين الأكاديميين والمثقفين والشباب.
أما على المستوى الفكري والإبداعي والأدبي، فقد كان الدكتور جمال حدادي ينتمي إلى جيل من الأكاديميين الذين يرون في اللغة العربية كائنًا حيًا يستحق العناية والتطوير. كان يجمع بين التخصص الأكاديمي في الإعلام والاتصال، وبين شغف حقيقي باللغة والأدب والتواصل الثقافي. كان يؤمن بأهمية تطوير مهارات التعبير والتواصل كأداة أساسية لبناء الإنسان وخدمة المجتمع. ومن خلال ورشاته ومداخلاته، كان يدعو إلى الجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الدقة العلمية والجمال الأدبي في الخطاب. كان يرى في التنشيط الثقافي والعلمي رسالة تربوية وجمالية في آن واحد، تهدف إلى إحياء الذوق الرفيع وتعزيز الحوار البناء.
رحل الدكتور جمال حدادي، لكنه ترك إرثًا من الرقي الأخلاقي والكفاءة المهنية والحب الصادق للعلم والثقافة. كان أستاذًا ومنشطًا وإنسانًا بمعنى الكلمة، وسيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة من تتلمذوا على يديه أو استمعوا إلى كلماته.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وطلبته ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
عبدالعالي الجابري
قم بكتابة اول تعليق