وجدة – جامعة محمد الاول – وجدة
مساء الخميس 14 ماي 2026، نظم مختبر العلوم الهندسية والأنظمة الذكية – المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بوجدة، ندوة علمية تحت عنوان “النصب والاحتيال عبر الذكاء الاصطناعي: التحديات القانونية وآليات المواجهة”، أطرها كل من السيد خالد بنكيران الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بوجدة، والسيد مصطفى يرتاوي الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بوجدة و السيد: ياسين زغلول – رئيس جامعة محمد الأول / وجدة، و السيد: فريد الهيل – مدير المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية / وجدة، السيد: تيزاوي فتح الله – مستشار مكلف بالتحقيق بمحكمة الاستئناف /وجدة، و السيد: بروشة حمزة – أستاذ الإعلامات بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية /وجدة.


تأتي هذه الندوة في وقت يشهد فيه العالم ثورة رقمية غير مسبوقة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث يجد الجهاز القضائي والأمني نفسه أمام تحديات معقدة تتجاوز الأساليب التقليدية لمكافحة الجريمة. فبقدر ما تتيحه هذه التقنيات من فرص واعدة في مجالات الإدارة والخدمات، أفرزت ندوة وجهاً مظلماً يتمثل في توظيفها لارتكاب أفعال إجرامية مستحدثة، وعلى رأسها النصب والاحتيال الإلكتروني “فائق الدقة”.
واقع مخيف: جرائم بـ “نقرات” عابرة للحدود
لم يعد المجرم اليوم بحاجة إلى التواجد المادي أو تزوير الوثائق الورقية؛ فببضع نقرات ومن خلف الشاشات، أصبح من الممكن توليد صور وفيديوهات وأصوات شديدة الإقناع لانتحال صفة مسؤولين أو مؤسسات مالية. وتشير الأرقام التي استعرضها الخبراء في الندوة العلمية بوجدة إلى أن الخسائر العالمية الناجمة عن الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي قاربت 442 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع توقعات بارتفاع مضطرد.
في المغرب، لم يعد هذا الخطر نظرياً؛ فقد كشفت الممارسة الميدانية عن حالات واقعية، مثل موجة الرسائل النصية التي انتحلت صفة مؤسسات رسمية لإيهام المواطنين بوجود مخالفات سير بغرض الاستيلاء على بياناتهم البنكية. كما تم تسجيل قضايا تتعلق بقرصنة البطاقات البنكية باستخدام أجهزة متطورة مثل “Flipper Zero” وتطبيقات ملغمة بالفيروسات تُحمل من خارج المتاجر الرسمية للتحكم الكامل في هواتف الضحايا.


المأزق القانوني: نصوص كلاسيكية في مواجهة جرائم ذكية
يواجه القضاء المغربي تحدياً تشريعياً يتمثل في غياب تعريف قانوني محدد للذكاء الاصطناعي في المنظومة الجنائية الحالية. حالياً، يتم الركون إلى المادة 540 من القانون الجنائي كـ “وعاء قانوني” لمتابعة قضايا النصب، بالإضافة إلى القانون رقم 03-07 المتعلق بالجرائم المعلوماتية.
إلا أن حدة النقاش القانوني تتركز حول “المسؤولية الجنائية للآلة”؛ فمن يحاسب عندما يتخذ الذكاء الاصطناعي قراراً مستقلاً يسبب ضرراً؟ هل هو المبرمج، أم المستخدم، أم يجب ابتكار مفهوم “الشخصية الافتراضية” لمساءلة هذه الكيانات؟. ويرى قضاة ممارسون أن الاجتهاد القضائي يظل هو الملاذ لسد الثغرات القانونية، استناداً إلى الفصل 117 من الدستور الذي ينيط بالقاضي حماية حقوق الأفراد وأمنهم القضائي.
تحديات الإثبات و”توازي الأسلحة”
أحد أخطر التحديات التي نوقشت هو صعوبة التمييز بين الدليل الحقيقي والمزيف. فتقنيات “التزييف العميق” (Deepfake) وصلت إلى مستوى من الدقة يصعب معه حتى على المتخصصين أحياناً كشف الزيف. وهذا ما أثار تساؤلات حول “مبدأ توازي الاسلحة”؛ فبينما يمتلك الجناة أدوات تكنولوجية متطورة وسريعة، قد تجد أجهزة البحث والتحقيق نفسها في سباق محموم لتطوير آلياتها الرقمية.
ومع ذلك، أكد المسؤولون القضائيون أن المختبرات الرقمية التابعة للأمن الوطني والدرك الملكي تتوفر على كفاءات عالية، وأن الاعتماد على الخبرة التقنية أصبح ركيزة أساسية في بناء الملفات القضائية الحديثة.
خارطة طريق نحو المستقبل
خلصت المداخلات إلى أن مواجهة هذا النوع من الإجرام تتطلب مقاربة شاملة تقوم على ثلاث ركائز:
- التطوير التشريعي: صياغة قانون خاص بالذكاء الاصطناعي يحدد المفاهيم والمسؤوليات، ويرفع من الحجية الثبوتية للتقارير المخبرية الرقمية.
- بناء القدرات: تكوين مستمر ومعمق للقضاة وضباط الشرطة القضائية لفهم شفرات الإجرام التكنولوجي.
- المقاربة الوقائية: إدراج ثقافة الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية لحماية الأطفال والشباب، وتوعية المواطنين بمخاطر الروابط المشبوهة.
إن الذكاء الاصطناعي، كما وُصف في اللقاء، هو “سلاح ذو حدين”؛ فإذا لم يتم تأطيره بضوابط قانونية وأخلاقية صارمة، قد يتحول من أداة لتعزيز العدالة إلى وسيلة لتقويض الثقة في المعاملات الرقمية وتهديد الأمن القانوني للمجتمع.

قم بكتابة اول تعليق