الرباط – متابعة خاصة
في قراءة سوسيولوجية عميقة تتجاوز الأبعاد التقنية للمهنة، دعا الدكتور سعيد بنيس، أستاذ العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى إعادة الاعتبار لشخصية المحامي كفئة غنية للدراسة السوسيولوجية والأنثروبولوجية. واعتبر بنيس في مداخلة حديثة له أن المحامي ليس مجرد “تقني في القانون”، بل هو فاعل مجتمعي مركزي يساهم في صياغة الوعي القانوني وتنظيم العلاقات داخل المجتمع.
المحامي: أدوار متعددة وزوايا نظر متجددة
أوضح الدكتور بنيس أن مقاربة العلوم الاجتماعية للمحامي تنطلق من زوايا متعددة؛ تبدأ بتوصيف دوره في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية، وتصل إلى تحليل مكانه في دينامية السلطة والعدالة. فالمحامي، حسب تعبيره، يتمتع بـ “دور مزدوج”: كخبير قانوني متمكن، وكفاعل مجتمعي يساهم في منظومة الضبط الاجتماعي.
وتتعدد الأبعاد التي يمكن من خلالها دراسة هذه المهنة، بدءاً من البعد الإثنوغرافي الذي يراقب الحياة اليومية للمحامي، وصولاً إلى البعد السوسيولوجي الذي يحلل “التمثلات والحظوة والهوية”. كما أشار إلى البعد الأدبي المرتبط ببلاغة المحامي وقدرته الإقناعية، والبعد السياسي المتجلي في دور الوساطة المجتمعية.
التحول نحو “المواطنة الافتراضية”
من أبرز النقاط التي ركز عليها بنيس هي انتقال المجتمع المغربي نحو “المواطنة الافتراضية”. هذا التحول غيّر من طبيعة “الزبون” الذي أصبح يُعرف بـ “المرتفق”، واعتبر أن المحاماة أصبحت “مرفقاً” يتطلب أدوات جديدة.
وشدد بنيس على ضرورة انغماس المحامي في البيئة الرقمية لفهم الجرائم الإلكترونية والتعامل مع “العنف الرقمي”. كما دعا الباحثين في الجامعة إلى استبدال أدوات البحث التقليدية بأدوات “العلوم الاجتماعية الرقمية”، مثل الأنثروبولوجيا الديجيتالية والإثنوغرافيا الرقمية، لمواكبة القضايا التي تفرضها المنصات والتطبيقات الحديثة.
الواقع المغربي: بين “المحامي العفريت” والدراسات الميدانية
عرج الدكتور بنيس على التمثلات الشعبية للمحامي في المغرب، مشيراً إلى مصطلح “المحامي العفريت” كدلالة على “الرأسمال المهني” المرتبط بالسمعة والخبرة. وفي هذا السياق، استعرض دراسات مغربية رائدة حاولت ملامسة هذا الواقع، منها:
- دراسة الحجلي (2024) التي حللت المهنة تاريخياً وسوسيولوجياً كفاعل في بناء الدولة.
- عمل خالفي محمد حول المحامين المتطوعين مع المهاجرين، وهو ما يبرز البعد التضامني للمهنة.
- كتاب جبري وحنوشي (2025) حول شخصية المحامي محمد الصديقي، والذي اعتبره لبنة أساسية لبناء علوم اجتماعية “متجذرة” في التجربة المغربية.
تحديات الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات
لم يخلُ عرض بنيس من استشراف للمستقبل، حيث حذر من مخاطر “الأتمتة” وتأثير الذكاء الاصطناعي على “ذاتية المحامي” وبلاغته. وتطرق إلى ظهور “الخدمات القانونية البديلة” وتأثير الرقمنة على استقلالية المهنة وأخلاقياتها، مؤكداً أننا ننتقل من “المحامي المحلي” إلى “المحامي المعولم” المنخرط في شبكات دولية.
خلاصة: نحو مقاربة عابرة للتخصصات
ختم الدكتور سعيد بنيس مداخلته بطرح سؤال جوهري على الجامعة المغربية: هل ستظل الدراسات حبيسة التخصصات الضيقة (قانون، سياسة)، أم ستتجه نحو منهجية ميدانية متجذرة تجمع بين مختلف العلوم الاجتماعية لفهم التحولات العميقة التي تعيشها مهنة المحاماة؟.
إن المحامي اليوم، في نظر العلوم الاجتماعية، هو “ظاهرة اجتماعية” بامتياز، تعيد صياغة نفسها باستمرار بين مطرقة التكنولوجيا وسندان القيم المجتمعية.
قم بكتابة اول تعليق