بين خطاب الحصيلة وواقع الدولة: من يملك تعريف الإنجاز العمومي في المغرب؟

بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
باحث في الحكامة والسياسات العمومية والشباب.

ربط المسؤولية بالمحاسبة ليس مجرد شعار، بل هو جوهر الحكامة الجيدة.”

خطاب العرش لسنة 2017
الملك محمد السادس، نصره الله

مقدمة: حين يتحول تقييم الحصيلة إلى سؤال حول الدولة

في التجارب الديمقراطية المعاصرة، لم يعد تقييم الحصيلة الحكومية مجرد تمرين تقني يرتبط بعرض الأرقام والمؤشرات، بل أصبح لحظة تحليلية مركبة، تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والمؤسساتية والتواصلية، بما يجعل من هذا التمرين مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الفعل العمومي، وحدود المسؤولية السياسية، وكيفية تشكل الخطاب المؤطر لها داخل الفضاء العام.

ففي السياق المغربي الراهن، لم يعد النقاش حول الحصيلة الحكومية مجرد لحظة مؤسساتية لتقديم الأرقام، بل أصبح مجالاً لإعادة إنتاج المعنى السياسي للفعل العمومي، وفضاءً تتقاطع فيه رهانات التقييم مع رهانات التموقع، وتختلط فيه حدود المسؤولية بحدود الخطاب، حيث لم تعد الحصيلة تُقدَّم فقط باعتبارها ما تحقق، بل باعتبارها أيضاً ما يُقال عنه، وكيف يُقال، ومن يمتلك سلطة تأويله داخل الفضاء العمومي.

وفي هذا السياق، يطرح السؤال الجوهري نفسه بإلحاح:
هل نحن بصدد تقييم حصيلة حكومية؟
أم بصدد إعادة تشكيل معنى الإنجاز العمومي في حد ذاته؟

وإذا كان هذا النقاش يُطرح في مستواه النظري، فإن الواقع الرقمي يفرض حضوره بقوة، حيث تشير المعطيات الحديثة إلى أن معدل البطالة يناهز 13.5%، فيما تتجاوز بطالة الشباب 35%، وهو ما يعكس فجوة بنيوية بين النمو الاقتصادي وقدرته على خلق فرص الشغل. كما أن تراجع معدل التضخم إلى حدود 3% لا يعكس بالضرورة تحسناً فعلياً في القدرة الشرائية، بالنظر إلى استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية.
وهذه المؤشرات لا تطرح فقط سؤال الحصيلة، بل تفتح نقاشاً أعمق حول طبيعة النموذج التنموي، ومدى قدرته على تحقيق أثر اجتماعي ملموس.

أولاً: من الإنجاز إلى السردية – تحولات المعنى

إن أحد أبرز التحولات التي يعرفها النقاش العمومي اليوم يتمثل في انتقال مركز الثقل من الإنجاز كفعل مؤسساتي إلى الإنجاز كسردية سياسية.

فالسياسات العمومية، في أصلها، ليست مجرد قرارات ظرفية، بل هي نتاج لتفاعل معقد بين مؤسسات متعددة، وتعبير عن اختيارات استراتيجية طويلة الأمد. غير أن تقديم هذه السياسات داخل الفضاء العمومي يتم، في كثير من الأحيان، وفق منطق إعادة البناء الخطابي، حيث يتم ترتيب الوقائع وتأويلها بما يخدم موقعاً سياسياً معيناً.

وهنا يكمن التحول الحاسم:
لم يعد التنافس يدور حول من ينجز، بل حول من ينجح في فرض روايته للإنجاز.

وبذلك، لم يعد الإنجاز يُقاس فقط بمدى تحققه، بل أيضاً بمدى قدرته على التحول إلى خطاب مقنع، وهو ما يجعل من النقاش حول الحصيلة مجالاً للصراع الرمزي بقدر ما هو مجال للتقييم الموضوعي.

ثانياً: منطق الدولة وحدود الاختزال الحكومي

تقوم الدولة المغربية، في بنيتها العميقة، على منطق الاستمرارية، حيث تتجاوز السياسات العمومية حدود الزمن الحكومي، وتُبنى وفق رؤية استراتيجية ممتدة، تضمن تماسك الاختيارات الكبرى رغم تغير الفاعلين.

وفي هذا الإطار، يبرز تمييز تحليلي أساسي بين مستويين متكاملين:
منطق الدولة، باعتباره الإطار الذي تُصاغ داخله الاختيارات الاستراتيجية الكبرى؛
ومنطق التدبير الحكومي، باعتباره آلية تنفيذية مرحلية تشتغل ضمن هذا الإطار.

غير أن هذا التمييز، على وضوحه النظري، لا يحظى دائماً بنفس الحضور داخل النقاش العمومي، حيث يُلاحظ ميل إلى تقديم عدد من البرامج ذات الطابع الاستراتيجي باعتبارها حصيلة مباشرة للتدبير الحكومي، دون استحضار كافٍ لطابعها التراكمي أو لسياقها المؤسساتي الممتد.

وهذا الاختزال لا يُنتج فقط قراءة غير دقيقة للحصيلة، بل يُعيد أيضاً تشكيل الوعي العام بطريقة قد تُضعف فهم طبيعة الفعل العمومي، وتُربك تحديد المسؤوليات داخل المنظومة المؤسساتية.

ثالثاً: الانتقائية في المسؤولية وإعادة توزيع الأدوار

من بين الظواهر اللافتة في النقاش المواكب للحصيلة، بروز نمط من القراءة يقوم على إعادة توزيع المسؤوليات وفق منطق انتقائي:
تُنسب النجاحات إلى الحاضر،
وتُعاد الاختلالات إلى الماضي أو إلى الخارج.

ورغم أن هذا المنطق قد يبدو مفهوماً في سياق التنافس السياسي، إلا أنه يطرح إشكالاً بنيوياً عميقاً، لأنه يُعيد تعريف العلاقة بين الفعل والنتيجة وفق منطق غير مستقر.

فالمسؤولية السياسية، في معناها الحقيقي، لا تُبنى على الانتقاء، بل على الاتساق، ولا على التفسير الظرفي، بل على التحليل الموضوعي.

غير أن ما يثير الانتباه في هذا السياق، ليس فقط حضور هذا المنطق، بل تحوله في بعض الأحيان إلى آلية لإعادة بناء الخطاب السياسي، بما يسمح بتقديم صورة جزئية للواقع، تبرز ما يخدم التموقع، وتغيب ما يطرح الإشكال.

وهو ما يحد من قدرة النقاش العمومي على إنتاج فهم حقيقي، ويُبقيه رهيناً بمنطق التبرير بدل منطق المساءلة.

رابعاً: بين التفسير والفهم – حدود الخطاب التبريري

لقد أفرزت دينامية النقاش العمومي نمطاً من الخطاب يمكن وصفه بـ”التفسير المستمر“، حيث يتم تقديم قراءات سريعة للظواهر المعقدة، تُرجعها إلى عوامل ظرفية، دون تفكيك أبعادها البنيوية.

ورغم أن هذا الخطاب قد يوفر نوعاً من الطمأنينة المؤقتة، إلا أنه يُضعف على المدى المتوسط قدرة المجتمع على الفهم، لأنه يستبدل التحليل بالتبرير، ويؤجل طرح الأسئلة الجوهرية.

وفي مقابل هذا المنحى، يلاحظ في النقاش العمومي بروز نوع من الخطاب التبريري، الذي يميل إلى تقديم السياسات العمومية في صورة مكتملة ومنسجمة، وكأنها بمنأى عن النقد أو التقييم الموضوعي، ولا يقتصر هذا الخطاب على الفاعلين السياسيين، بل يمتد في بعض الأحيان إلى بعض الأصوات الأكاديمية، التي تتحول من موقع التحليل إلى موقع التبرير، بما يُضعف وظيفة المعرفة النقدية، ويُفرغ النقاش العمومي من بعده التفسيري.

والحال أن دور الباحث لا يتمثل في تأكيد الخطاب الرسمي، بل في مساءلته، وتفكيك حدوده، والكشف عن تناقضاته، بما يساهم في بناء فهم أعمق للفعل العمومي.

خامساً: نحو إعادة تأسيس التعاقد – من الحصيلة إلى الأفق

وأمام هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى تجاوز منطق الحصيلة كأداة للتقييم الظرفي، نحو بناء تصور أوسع يقوم على إعادة تأسيس التعاقد بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا الإطار، تكتسي فكرة التعاقد المجتمعي أهمية خاصة، باعتبارها محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين:
الإنجاز ومعناه،
المسؤولية وحدودها،
الخطاب وأثره.

إن هذا الطرح لا يُختزل في كونه بديلاً خطابياً، بل يعكس تحوّلاً في الوعي السياسي، يسعى إلى الانتقال من منطق الإنجاز المعزول إلى منطق الأثر المتراكم، ومن منطق الدفاع إلى منطق البناء.

وهو ما يفتح المجال أمام دور متجدد للأحزاب السياسية، ليس فقط كفاعل انتخابي، بل كمنتج للأفكار، وقادر على تأطير النقاش العمومي وفق رؤية متكاملة، تُعيد الاعتبار للثقة، وتُرسخ مبدأ المسؤولية المشتركة.

الخاتمة: من الخطاب إلى الثقة       

إن الرهان اليوم لم يعد في الدفاع عن حصيلة أو الطعن فيها، بل في إعادة الاعتبار للمعنى الحقيقي للإنجاز العمومي، باعتباره التقاءً بين النجاعة المؤسساتية، والأثر الاجتماعي، والثقة المجتمعية.

فالمجتمعات لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما يشعر به مواطنوها، ولا تُبنى بسرديات مغلقة، بل بنقاش عمومي مفتوح، قادر على استيعاب التعقيد، وعلى مساءلة الواقع دون تبرير.

وبين خطاب يُقنع مؤقتاً، وواقع يفرض منطقه، يظل التحدي الحقيقي هو الانتقال من تبرير الحصيلة إلى مساءلة أثرها، ومن إنتاج الخطاب إلى إنتاج الثقة.

لأن الخطاب قد يُقنعلكن الواقع هو الذي يحكم.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*