“تفاصيل الحلم الأخير”: حين يُطوع عبد الوهاب الرامي “علوم التواصل” في مختبر الرواية

في أروقة المعرض الدولي للنشر والكتاب، حيث تمتزج رائحة الورق بضجيج الأفكار، يبرز حدث توقيع الإصدارات الجديدة كأحد أهم الأنشطة التي تتيح للكاتب لقاءً مباشراً مع قرائه. ومن بين هذه اللحظات الإنسانية الفارقة، أطل علينا الكاتب والأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، عبد الوهاب الرامي، ليوقع روايته الجديدة “تفاصيل الحلم الأخير”؛ وهي لحظة يصفها الرامي بأنها “لحظة إنسانية مشتركة” تُسائل وجودنا الأنطولوجي وتبحث عن “نسخ أفضل” من ذواتنا.

مختبر سردي بمرجعية تواصلية

لا تعد “تفاصيل الحلم الأخير” مجرد سرد خطي تقليدي، بل هي عمل يشتغل على “المحكيات الجانبية”، مما يجعلها رواية متعددة المداخل يمكن قراءة أجزائها كمجموعات قصصية مستقلة. المثير في هذا الإصدار هو استحضار الرامي لخلفيته الأكاديمية والخبير في مجال التواصل والإعلام، حيث حاول تطبيق الخطاطات والترسيمات المرتبطة بهذا الحقل، والتي كانت مهملة في السرد الروائي، ليوظف تقنيات التواصل الإنساني بشكل إبداعي جديد.

وقد ذهب بعض النقاد إلى اعتبار هذا العمل “تأسيساً لجنس أدبي جديد”؛ فهو “جنس الأجناس” الذي يمزج بين “البورتريه”، والاستطلاع، والسرد الوظيفي الصحفي، لكنه ينصهر في نهاية المطاف داخل “بوتقة السرد الأدبي” بعيداً عن الجفاف الإعلامي.

تعدد الأصوات وسؤال الحقيقة

تتمحور الرواية حول شخصية “وسيلة” وسعيها لتغيير حياتها في ظل علاقات إنسانية معقدة. ولتجسيد هذا التعقيد، اعتمد الرامي تقنية “تعدد الأصوات” (البوليفونية)؛ فلا يوجد سارد واحد يمتلك الحقيقة، بل لكل شخصية زاوية نظرها وحقيقتها الخاصة. هذا التعدد نابع من قناعة الكاتب بأن “الحقيقة دائماً جزئية”، وهو مفهوم يستلفه من “زوايا النظر” التي يُدرسها في مادة الإعلام.

وبسلاسة سردية، تتدفق المحكيات الجانبية لتعطي أبعاداً أنثروبولوجية، واجتماعية، ونفسية، تجعل من الرواية “تحقيقاً ذهنياً” مرتبطاً بجوهر حياة الإنسان.

مواجهة “ما بعد الحقيقة” وتفكيك الطابوهات

تغوص الرواية في عالم مشبع بتصورات “ما بعد الحقيقة” (Post-truth) و”ما بعد الإنسانية“، مستحضرة تأثير الواقع الافتراضي على نسج العلاقات الإنسانية. وفيما يخص تناولها لمواضيع حساسة أو ما يوصف بـ”الطابوهات” في المجتمع المغربي، يوضح الرامي أن منهجه ليس “تكسير الطابوهات” بحد ذاته، بل هو “إعمال النسبية”. هو ينظر إلى المحظورات الاجتماعية والدينية من زوايا مختلفة، مستلهماً في ذلك روح “الفيزياء الكمية” لتنسيب الحقيقة، معتبراً أن جرأته هي “جرأة روائية” محضة تخدم الفن قبل كل شيء.

الرواية المرآة

في ختام حديثه عن مساره الأدبي، يضع عبد الوهاب الرامي “تفاصيل الحلم الأخير” في مرتبة خاصة؛ إذ يعتبر كل رواياته السابقة مجرد “مسودات” لهذا العمل. فهذه الرواية هي التي تمثله فعلياً، وتعكس رؤيته العميقة للعالم، وللأدب، ولذائقته الخاصة في السرد والتخييل.

إنها دعوة للقارئ ليدخل مختبر الرامي، حيث يتحول التواصل من مادة أكاديمية إلى نبض إبداعي يبحث عن الحقيقة الضائعة بين تفاصيل الأحلام.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*