رابطة الأساتذة الجامعيين الاستقلاليين بجهة الشرق: خطوة إيجابية في طريق استعادة النخب للفعل السياسي

وجدة – في زمن يتحدث فيه الجميع عن تراجع النخب وانسحابها من المشهد السياسي والتنموي، تبرز مبادرة “رابطة الأساتذة الجامعيين الاستقلاليين” بجهة الشرق كاستثناء مشجع. الرابطة التي أعلنت مؤخراً عن تشكيل مكتبها المحلي، ضمّت 43 أستاذاً وأستاذة من مختلف مؤسسات التعليم العالي بالجهة، في خطوة تعيد الاعتبار لدور الأكاديميين في الحياة العامة.

ففي ظل أزمة ثقة متنامية بين المواطن والمؤسسات، وإحجام العديد من الكفاءات عن الانخراط في العمل السياسي والمدني، فإن خروج هذه النخبة الأكاديمية من “برجها العاجي” نحو تنظيم صفوفها ومناقشة قضايا الجهة، يستحق التشجيع والتفاؤل.

من داخل اللائحة: نخبة متنوعة تعكس ثراء الجامعة الجهوية

تضم القائمة أساتذة من تخصصات متعددة تمتد من العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية (أكثر من 20 عضواً)، إلى الآداب والعلوم الإنسانية، فالطب والصيدلة، والعلوم الدقيقة، فضلاً عن مدرسين من المدارس العليا كالتجارة والتسيير، والعلوم التطبيقية، والتكنولوجيا، ومؤسسات التكوين المهني كالتمريض والتربية.

هذا التنوع المؤسساتي – رغم تفاوت الأعداد بين كلية وأخرى – يعكس إرادة حقيقية لتوسيع قاعدة التمثيل، والانفتاح على مختلف التخصصات، وهو مؤشر إيجابي على أن الرابطة تسعى لأن تكون جامعةٌ للشتات الأكاديمي بالجهة، وليس مجرد نادٍ ضيق لقلة من المختصين.

حضور نسائي في تطور مقبول

بلغ عدد النساء في اللائحة 13 عضوة، بنسبة تقارب 30%، وهي نسبة يمكن اعتبارها بداية جيدة في سياق لا تزال فيه المبادرات السياسية والمدنية تهيمن عليها الطاقات الذكورية. وجود أسماء نسائية من كليات الطب والعلوم والتمريض والآداب يعكس خطوة أولية نحو إشراك الكفاءات النسائية، مع أمل أن تتسع هذه النسبة في المراحل المقبلة لتشمل مواقع القيادة داخل الرابطة.

تنوع مؤسساتي يعزز فرص التأثير

اللافت أن القائمة لم تكتف بأساتذة كلية الحقوق – رغم ثقلهم العددي 21– بل حرصت على ضم ممثلين عن:

  • كلية الطب (6 أعضاء)
  • المدرسة العليا للتكنولوجيا (4 أعضاء)
  • المعهد العالي لمهن التمريض (3 أعضاء)
  • المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير (2)
  • المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية (2)
  • المركز الجهوي لمهن التربية (1)

هذا التوزيع يمنح الرابطة قدرة على مخاطبة ملفات متعددة: إصلاح التعليم الطبي، تطوير التكوين المهني، النهوض بالبحث العلمي في التكنولوجيا، وغيرها من القضايا التي تهم الجهة الشرقية.

رهان التفاؤل: من نادي أكاديمي إلى قوة اقتراح تنموي

في سياق سياسي يعرف إحباطاً واسعاً وتراجعاً في نسب المشاركة، فإن أي مبادرة لعودة النخب إلى التنظيم والعمل الجماعي تستحق التحية. لكن التفاؤل الحقيقي لن يكتمل إلا إذا تمكنت الرابطة من تحويل تنوعها الأكاديمي إلى قوة اقتراح ملموسة تخدم قضايا الجهة، مثل:

  • دعم البحث العلمي الموجه لحل مشاكل الشرق الاقتصادية والاجتماعية.
  • المساهمة في تقييم السياسات العمومية في مجالات التعليم والتشغيل والاستثمار.
  • خلق جسور بين الجامعة والمحيط الاقتصادي والاجتماعي بالجهة.
  • الدفاع عن استقلالية الجامعة وحقوق الأساتذة والطلبة في إطار مهني موضوعي.

كما أن الانتماء الحزبي المعلن (الاستقلال) قد يشكل ميزة نسبية تتيح للرابطة الوصول إلى صناع القرار، شريطة أن لا يتحول إلى عائق أمام نقد سياسات الحزب نفسه أو تبني مواقف تتجاوز الولاءات الضيقة.

الخلاصة: عودة النخب إلى الميدان تستحق الاحتفاء

قد تكون لائحة الأعضاء غير مكتملة من حيث التمثيل الجغرافي (غياب أساتذة من خارج وجدة) أو التوزيع التخصصي، وقد يكون الثقل الأكبر لكلية الحقوق، وقد تبقى النسبة النسائية قابلة للزيادة – لكن كل البدايات تحمل نقائص.

المهم أن رابطة الأساتذة الجامعيين الاستقلاليين تحاول كسر منطق العزلة الأكاديمية، وتقديم نموذج للنخبة التي لا تكتفي بالتدريس والبحث فقط، بل تنزل إلى الميدان لتنظم نفسها، وتطالب، وتقترح، وتنتقد.

في زمن تراجعت فيه ثقة كثير من المغاربة في السياسة والأحزاب، فإن تحرك نخبة أكاديمية بهذا الحجم يحمل رسالة أمل: لا زالت هناك كفاءات مستعدة للالتزام، ولعب دور في بناء وطنهم من الأسفل، بدءاً من جهة تعاني مثل الشرق. وهو ما يستحق الدعم والتشجيع، وليس النقد المتعجل.

الجهة بحاجة إلى كل طاقتها الفكرية.. وهذه الرابطة قد تكون النواة لنهضة أكاديمية مطلوبة منذ زمن.

2لائحة-أعضاء-مكتب-رابطة-الأساتذة-الجامعيين-الاست_260423_144257

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*