إعداد: المصطفى العياش
في الوقت الذي يتغير فيه شكل القطاع الصحي عالمياً، لم يعد دور المهنيين محصوراً داخل العيادات والمختبرات، بل أصبح يمتد إلى فضاءات أوسع، حيث تُصنع السياسات، وتُبنى الشراكات، وتُرسم ملامح المستقبل. داخل هذا التحول، يبرز اسم الدكتور عماد بنجلون كفاعل اختار أن يعيد تعريف موقعه داخل المنظومة الصحية، من الطبيب الممارس إلى صانع منصات مهنية كبرى.
من الفكرة البسيطة إلى مشروع رؤية
لم ينطلق المسار من مخطط جاهز، بل من قناعة تراكمت مع التجربة: أن الصحة ليست ممارسة فردية معزولة، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى فضاءات تجمع بين التكوين، التبادل، والابتكار.
هذا الوعي كان نقطة التحول الأولى، حيث بدأ التفكير في الانتقال من العمل المهني المباشر إلى خلق منصات تجمع الفاعلين في القطاع الصحي، وتعيد تنظيم العلاقة بين المعرفة الطبية والاقتصاد الصحي.
من هنا وُلدت تجربة Atelier Vita، ليس فقط كشركة تنظيم، بل كبداية لتصور جديد يعتبر المعرض الصحي أداة للتنمية وليس مجرد حدث عابر.
Morocco Medical Expo… حين يتحول التنظيم إلى صناعة تأثير
مع مرور السنوات، برز معرض Morocco Medical Expo 2025 كأحد أبرز المحطات في هذا المسار، حيث لم يعد مجرد موعد مهني، بل أصبح منصة تجمع فاعلين من مجالات متعددة: الطب، الصناعة، البحث العلمي، والتكنولوجيا.
التطور التدريجي لهذا المعرض جعله يتحول إلى مساحة لقاء قارية، تتجاوز البعد الوطني نحو بناء شبكة تواصل إفريقية ودولية في المجال الصحي.
محطة 15 ماي 2025… لحظة إعادة تثبيت الموقع
شكلت دورة 15 ماي 2025 منعطفاً مهماً في هذا المسار، ليس فقط من حيث الحجم أو المشاركة، ولكن من حيث الرمزية التي حملتها.
فقد انعقدت هذه الدورة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ما منحها بعداً مؤسساتياً واضحاً، ورسّخ موقعها ضمن التظاهرات الصحية الكبرى بالمملكة.
عرفت الدورة حضور أكثر من 11.000 مهني صحي، ومشاركة وفود من حوالي 20 دولة، إلى جانب حضور شخصيات وازنة، في مقدمتها مستشار جلالة الملك السيد أندري أزولاي، الذي أكد على أهمية البعد الإفريقي في التعاون الصحي، وعلى دور المغرب كحلقة وصل بين المعرفة والابتكار والتنمية.
كما أبرز وزير الصحة والحماية الاجتماعية أهمية هذه المبادرات في دعم المنظومة الصحية الوطنية، خاصة في ما يتعلق بالابتكار والتكوين وربط الشراكات الدولية.
وقد تميزت هذه الدورة كذلك بتوقيع اتفاقيات تعاون في مجالات متعددة، من بينها الذكاء الاصطناعي الطبي، التصنيع المحلي، وتطوير الكفاءات الصحية الإفريقية، ما أعطى للحدث بعداً عملياً يتجاوز الطابع النظري.
طب الأسنان… الجذر الذي لم ينفصل عن المشروع
رغم التوسع الكبير في المعارض الصحية، ظل مجال طب الأسنان يحتفظ بمكانة مركزية في هذا المشروع، من خلال تنظيم معارض متخصصة أصبحت اليوم مرجعاً مهنياً على المستوى الوطني والقاري.
هذه التظاهرات ساهمت في إدخال تقنيات جديدة إلى السوق المغربية، مثل الزرع الرقمي، الطباعة ثلاثية الأبعاد، وتقنيات التقويم الحديثة، إضافة إلى خلق فضاء دائم لتبادل الخبرات بين المهنيين.
منطق جديد للمعرض الصحي
ما يميز التجربة ليس فقط حجم التظاهرات، بل الفلسفة التي تحكمها. فالمعرض لم يعد يُنظر إليه كفضاء عرض تجاري، بل كمنصة متعددة الوظائف:
فضاء للتكوين المستمر
مجال لتبادل الخبرات
منصة لجذب الاستثمار
أداة لربط الشراكات الدولية
هذا التحول جعل المعرض جزءاً من منظومة أكبر، تتقاطع فيها الصحة مع الاقتصاد والابتكار.
2026… امتداد لمسار بدأ يتبلور
مع الدخول إلى سنة 2026، يتواصل هذا المسار من خلال تنظيم الدورة السابعة من معرض طب الأسنان Dental Expo 2026، المرتقب بالدار البيضاء من 07 إلى 10 ماي 2026.
هذا الموعد أصبح اليوم أكبر تظاهرة إفريقية في مجال صحة الفم والأسنان، ويستقطب مهنيين وخبراء من إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، في إطار يزاوج بين الجانب العلمي والمهني.
وبالتوازي مع ذلك، ستنظم الدورة العاشرة من “Dental Tribune”، التي تشكل فضاءً أكاديمياً للنقاش العلمي حول أحدث التطورات في طب الأسنان، عبر ندوات وورشات يؤطرها خبراء دوليون.
نحو مفهوم أوسع: السيادة الصحية
في العمق، يتجه هذا المسار نحو فكرة أكبر: السيادة الصحية، أي جعل القطاع الصحي قادراً على إنتاج جزء من حاجياته، وتطوير كفاءاته، واستيعاب تحولات التكنولوجيا الحديثة.
هذا التوجه لا ينفصل عن الدينامية الوطنية الكبرى التي تجعل من الصحة رافعة للتنمية، وعن موقع المغرب المتقدم في القارة الإفريقية في مجالات التكوين والابتكار الصحي.
كما ينسجم مع التحولات العالمية التي تجعل من المعارض الطبية فضاءات استراتيجية، وليس فقط مناسبات مهنية.
يمكن النظر إلى تجربة الدكتور عماد بنجلون باعتبارها مساراً هادئاً في الظاهر، لكنه عميق في أثره، انتقل من الممارسة الطبية إلى صناعة الفضاءات المهنية الكبرى.
وبين Morocco Medical Expo وDental Expo 2026، تتبلور ملامح مشروع متكامل يعيد تعريف دور المغرب داخل الخريطة الصحية الدولية، ليس فقط كبلد مشارك، بل كمنصة إنتاج وتوجيه للتظاهرات الصحية على المستوى القاري.
قم بكتابة اول تعليق