أزمة الثقة والشباب في المشهد الحزبي: من استهلاك الشعارات إلى تحدي الإصلاح الحقيقي

قراءة في عوامل العزوف السياسي ورهانات الانتقال من "حزب الأعيان" إلى "نخبة الكفاءات"

عصام مرباح – طالب باحث

تواجه الأحزاب السياسية اليوم أزمة ثقة حادة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي نتاج تراكمات وعوامل موضوعية أدت إلى اتساع الهوة بينها وبين المواطنين، لا سيما فئة الشباب. إن ضعف الديمقراطية الداخلية وعجز الأحزاب عن القيام بأدوارها الأساسية في التأطير والوساطة بين الدولة والمجتمع، جعل من “الربح الانتخابي” وحصد المقاعد الهدف الأسمى، مما أدى إلى تهميش المناضلين الحقيقيين لصالح “أصحاب المال والأعمال“.

وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في بنية الشبيبات الحزبية، التي يُفترض أن تكون نموذجاً للتجديد، لكنها تعاني من غياب التداول على المناصب؛ حيث نجد قيادات “هرمة” تستمر لولايات متعددة، مما يقتل طموح الشباب ويقوض ثقتهم في العمل الحزبي. كما أن الأحزاب تكتفي برفع شعار “الشباب” في المحطات الانتخابية فقط، بينما تُمنح التزكيات في الواقع “للأعيان” وذوي النفوذ المالي، أو تعتمد “الوراثة السياسية” بتزكية أبناء القياديين، فضلاً عن التخلي عن “لائحة الشباب” في القوانين الانتخابية دون مقاومة تذكر. هذا الواقع دفع الشباب للبحث عن فضاءات بديلة للحرية في مواقع التواصل الاجتماعي، هروباً من خطابات خشبية تفتقر للفعل والممارسة الميدانية.

إن المحطات الانتخابية المقبلة تمثل امتحاناً حقيقياً لمدى جدية الأحزاب في القطع مع “عهد الأعيان” والرهان على “بروفيلات مسيسة” من أبناء التنظيمات. فالمغرب مقبل على تحديات كبرى، مثل تنزيل “الحكم الذاتي” وتعديل القوانين التنظيمية للجهات، وهي أوراش تتطلب نخبة كفاءة وقادرة على التشريع والتدبير، وليس مجرد باحثين عن المقاعد.

وفي مقابل مسؤولية الأحزاب، تبرز مسؤولية الدولة في توفير هامش أوسع للممارسة الديمقراطية، وهو ما بدأت تظهر مؤشراته في قوانين وزارة الداخلية الرامية إلى “تخليق الحياة السياسية“. ومع ذلك، يبقى الدور المحوري للمواطن الذي يجب أن يعي بأن مشاركته هي الوسيلة الوحيدة لتغيير موازين القوى، وأن ترك الفراغ لا يخدم المسار الديمقراطي.

ختاماً، إن استعادة الثقة تتطلب إرادة جماعية من كافة الأحزاب للعودة إلى دورها التأطيري والتكويني. إن استمرار تهميش الشباب وتشتيت جهودهم لا يشكل خطراً على مستقبل الأحزاب فحسب، بل يمتد خطره ليشمل استقرار الدولة وقوة مؤسساتها مستقبلاً.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*