الجابري عبر قناة شمال افريقيا: بالنسبة لجيل «زد» الصندوق محطة دورية، لا أداة تغيير

مع اقتراب موعد 23 سبتمبر، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة مألوفة ومتجددة في آن: جيل خرج إلى الشارع والمنصات الرقمية مطالباً بمدرسة تعمل ومستشفى يستقبل وتشغيل فوري، ونظام حزبي يعرض عليه برامج تمتد خمس أو عشر سنوات، وتحفيزات مالية لا تمنحه بالضرورة مقعداً.

في نقاش بثّته قناة شمال أفريقيا، قدّم عبد العالي الجابري، الصحافي والفاعل السياسي من وجدة، قراءة نقدية تتجاوز الشكوى المعتادة من «عزوف الشباب» إلى تفكيك بنية الثقة نفسها.

ليست المشكلة، في نظره، نقص الحوافز. الدولة فتحت الباب أمام مرشحين دون الخامسة والثلاثين، ويسّرت شروط الترشح المستقل، ووعدت بتمويل الحملات. لكن الجابري يصف هذه الإجراءات بعبارة موجزة: «الشباب: تمويل بلا مقعد، وجيل بلا لائحة». قبل 2021 كانت هناك لائحة وطنية مشتركة تخصص 90 مقعداً (60 للنساء و30 للشباب). أما اليوم فالحافز مادي صرف. المال يسهّل الترشح؛ لكنه لا يخلق تمثيلاً، ولا يعالج أسباب القطيعة. النتيجة المحتملة ليست تجديداً للنخب بقدر ما هي إعادة إنتاج للريع السياسي بوجوه أحدث سناً.

يحدد الجابري بداية «جيل زد» المغربي حوالي 1997، لا لأسباب سوسيولوجية مجردة، بل لأنها تزامنت مع دخول الإنترنت إلى البلاد بعد ظهوره عالمياً بنحو عامين. النشأة الرقمية أنتجت تنشئة أفقية: الشباب يتحاورون فيما بينهم على ديسكورد وتيك توك أكثر مما يتلقون عن الأجيال الأكبر. القطيعة ليست أخلاقية؛ إنها تنظيمية. الأحزاب ما زالت تفكر عمودياً، من القمة إلى القاعدة، ومن المكتب السياسي إلى الشبيبة الموازية. أما الجيل الذي تربى على المنصات فيرفض أن يُدرَّج في تنظيمات شبابية بلا سلطة حقيقية داخل الهيكل الحزبي.

ولا يرى الجابري في خروج الشباب إلى الشارع بدعة. التاريخ المغربي حافل بمحطات 1965 و1984 وتسعينيات القرن الماضي. غير أن الكتلة ليست متجانسة. الانخراط الرقمي الكثيف ظاهرة حضرية في المدن الكبرى. شباب البادية لهم مطالب أقرب إلى الماء والطرق والخدمات الأساسية، وأبعد عن إيقاع الحركة التي انطلقت من خوادم ديسكورد.

اختزال «جيل زد» في صورة واحدة يُخطئ الهدف مرتين: يبالغ في حجم التعبئة الرقمية، ويتجاهل المغرب الآخر.

الخطأ الأعمق، بحسب الجابري، منهجي. الشاب يريد حلاً آنياً في دائرته: مستشفى، قسم دراسي، فرصة شغل هذا العام. الانتخابات التشريعية تنتج سياسات زمنية طويلة. هذا التباين يكرّس ما يسميه «مغرب السرعتين»: برامج مركزية تصل إلى مجالات وفئات معينة، وتغيب عن أخرى. حين يسمع الشاب خطاباً عن آفاق 2030 بينما يعيش ضغطاً يومياً، ينصرف عن الصندوق لا عن السياسة بالضرورة. ويلاحظ الجابري أن خطاب بعض أحزاب المعارضة، ومنها العدالة والتنمية، قد يبدو في لحظات أقرب إلى هذا الإلحاح من خطاب أحزاب الأغلبية.

أما تفسير عزوف الناشطين الرقميين عن العمل الحزبي فيختصره بعبارة «الموضة الرقمية». المنصة متاحة على مدار الساعة، رخيصة، فورية، ولا تتطلب صبراً تنظيمياً. العمل الحزبي ميداني، بطيء، ويتطلب تدرجاً. الأزمة ليست مغربية خالصة؛ الأحزاب في ديمقراطيات أقدم تواجه الصعوبة ذاتها.

لكن الجابري يعيب على التنظيمات المغربية اكتفاءها بتأطير الشباب في هياكل موازية بدل إدماجهم منذ البداية في مواقع القرار، حتى يتدرجوا قيادياً بدل أن يُستدعوا عند كل استحقاق كزينة انتخابية.

المفارقة أن الانتخابات تجري بعد أقل من سنة على احتجاجات «جيل زد 212» التي جعلت الصحة والتعليم والفساد والكرامة لغة مشتركة لجيل لم يكن يُحسب على السياسة التقليدية. انخفاض تسجيل الفئة 18-24 إلى نحو 3% من الهيئة الناخبة، مقابل 8% في 2021، ليس تفصيلاً إحصائياً. إنه مؤشر على أن الثقة لم تُبنَ بعد، وأن الحوافز المالية وحدها لا تشتريها.

السؤال الذي يطرحه تحليل الجابري ليس ما إذا كان الشباب «سيشاركون» أم لا. السؤال أصعب: هل تستطيع المؤسسات الحزبية أن تنتقل من شراء الحضور إلى تقاسم السلطة؟

إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الصندوق بالنسبة لكثيرين من أبناء هذا الجيل محطة دورية، لا أداة تغيير. والغضب الذي وُلد على المنصات قد يعود إليها، أو إلى الشارع، أسرع مما تعود الأحزاب إلى تجديد نفسها.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*