وجدة — 17 سبتمبر 2026
في قاعة «دار فيكيك»، حيث اعتادت المدينة أن تحتضن نقاشات أقل صخباً من موسم الانتخابات، وقف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أمام صحافيين وأساتذة جامعيين وحقوقيين وطلبة ليقدّم ما قال إنه ليس عرضاً انتخابياً تقليدياً، بل «ميثاقاً تعاقدياً» و«عقد عمل» مع ساكنة عمالة وجدة أنكاد، قبيل استحقاقات 23 ديسمبر.
كان المشهد مدروساً بعناية: حضور متنوع، خطاب يبتعد عن الشعارات الفضفاضة، ولوائح أراد منظموها أن تبدو أقرب إلى مختبر للكفاءات منها إلى قائمة ولاءات. غير أن الرهان كان أوضح من الديكور. ففي جهة طالما وُصفت بأنها تنتظر «دفعة» تنموية، يسعى حزب «الوردة» إلى استعادة موقع القطب الاجتماعي والفكري، لا الاكتفاء بمقعد في سباق المقاعد.
قال المسؤولون الحزبيون إن الندوة تؤسس لقطيعة مع «لغة الخشب»، وتعرض بدائل يستندون فيها إلى مسارات أكاديمية ونضالية. وفي مدينة حدودية تُقاس آمالها غالباً بفتح المعابر أو تعثرها، بدا الخطاب محاولة لإقناع الناخب بأن التنمية يمكن أن تبدأ من الداخل، لا أن تُعلَّق على قرار يأتي من خارج الأسوار.
لائحة تبحث عن توازن الأجيال
في صدارة اللائحة المحلية يقف الدكتور عمر أعنان، أستاذ الرياضيات منذ أربعة عقود، وعضو المكتب السياسي للحزب. يقدّمه رفاقه بوصفه شخصية «عصامية»: باحث يُشار إليه في تخصصه، وفاعل جمعوي من خلال جمعية أصدقاء فيكيك التي يقول أنصارها إنها حققت نسبة نجاح عالية في توجيه الطلبة وتكوينهم. ويتحدث الحزب أيضاً عن تتويجه «رجل سنة 2007» من معهد أمريكي للبيوغرافيا، في إشارة يريد بها ترسيخ صورة الأكاديمي قبل صورة المرشح.
إلى جانبه يظهر نور الدين بنباشير، مقاول شاب يدير شركة تواصل ويبحث في الثقافة الرقمية؛ والحبيب السهلي، نقابي مؤسس في قطاع الاتصالات ومستشار جماعي متقاعد يُراد منه أن يذكّر بجذور الحزب العمالية. أما التمثيلية النسائية والشابة فتتجسد في الدكتورة سارة أعنان، طبيبة أطفال وعضوة المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية، وفي سناء الرحموني، طالبة بكلية الطب ووكيلة اللائحة الجهوية، وهي وفق ما أعلنه الحزب أصغر وكيلة لائحة جهوية في المغرب.
هذه التركيبة ليست بريئة سياسياً. فهي تقول للناخب إن الحزب يريد الجمع بين الذاكرة النضالية والخبرة التقنية، وبين المستشفى والجامعة والمقاولة. لكنها تقول أيضاً إن الاتحاد الاشتراكي، في دائرة تعرف تنافساً حاداً، يراهن على الرمز أكثر مما يراهن على الآلة الانتخابية وحدها: الأستاذ، الطبيبة، الطالبة، النقابي.
حصيلة تُعرض قبل الوعود
قبل أن يبسط البرنامج المحلي، اختار أعنان أن يضع أمام الحضور أرقام ولايته البرلمانية (2021-2026)، معتبراً المحاسبة مقدّمة على الوعد. قال إنه لم يتغيب عن أي جلسة طيلة الولاية، وإن نسبة التغيب بلغت صفراً. وأحصى 168 سؤالاً كتابياً، و68 سؤالاً شفوياً لم يُجَب إلا على 11 منها، و24 مقترح قانون، و28 مداخلة في اللجان الدائمة، و13 مداخلة في الجلسات التشريعية.
في قراءة الحزب، تكشف الأرقام «صرامة رقابية» في مواجهة جهاز تنفيذي لم يواكب الأسئلة الجوهرية. أما في قراءة أكثر هدوءاً، فإن الرقم الأبرز ليس عدد الأسئلة بل عدد الإجابات: أحد عشر رداً فقط من أصل ثمانية وستين سؤالاً شفوياً. وهو معطى يستخدمه أعنان للدلالة على ما يسميه فشل المواكبة الحكومية، ويستخدمه في الوقت نفسه لتسويق نفسه كنائب لا يغيب.
ولم يغفل الإشارة إلى أدوار أخرى: رئاسة مجموعة الصداقة المغربية الفرنسية، والمشاركة في مجموعات موضوعاتية حول الذكاء الاصطناعي ورقمنة الإدارة. الرسالة الضمنية واضحة: البرلماني هنا لا يكتفي بالاحتجاج المحلي، بل يسعى إلى موقع في نقاش الدولة الحديثة.
اثنا عشر محوراً… وشرط واحد
البرنامج المحلي الذي عُرض في الندوة يقوم على فرضية بسيطة، وصاغها أعنان بعبارات مباشرة: وجدة لا ينبغي أن تنتظر «فتح الحدود» كي تنمو. فتح الحدود، في خطابه، «فرصة إضافية» لا شرط وجود. أما الأصل فهو ما سماه «نموذجاً تنموياً ذاتي المنطلق».
تتشعب المحاور الاثنا عشر بين الشغل والاستثمار المنتج، وتشغيل الشباب عبر الانتقال «من الشهادة إلى المهارة»، وتحويل المدينة إلى قطب للذكاء الاصطناعي، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي. ويتحدث البرنامج عن تموقع وجدة كقاعدة لوجيستيكية وتكوينية لمواكبة ميناء الناظور غرب المتوسط، وعن الصحة «والكرامة» بتقليص المواعيد وتعزيز المستعجلات، وعن المقاولة النسائية والاقتصاد الاجتماعي.
ولا يغيب البعد المجالي: فك العزلة عن الأحواز والعالم القروي، رفض «وجدة بسرعتين»، والأمن المائي والطاقي عبر حلول رقمية لكشف التسربات، وإصلاح النقل الحضري، واستعادة الإشعاع الثقافي، ثم الحكامة الرقمية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
هذه العناوين مألوفة في المواسم الانتخابية المغربية. قوتها، إن وُجدت، ليست في جدّتها بل في الإصرار على ترتيبها: الشغل أولاً، والحدود آخراً، والجامعة في قلب المعادلة لا في هامشها. ضعفها المحتمل هو ذاته ضعف كثير من البرامج المحلية: المسافة بين التشخيص الدقيق والقدرة على التنفيذ داخل مؤسسات تعرف أعطاباً أكبر من قدرة لائحة واحدة على إصلاحها.
تحذير من «تسليع السياسة»
لم يكن النقاش تقنياً فقط. فقد حذر بنباشير مما وصفها بالوعود «الهلامية» — ومن بينها حديث عن مليون منصب شغل يفتقر، في رأيه، إلى سند مالي — داعياً إلى واقعية لا تُريح الحملات. أما السهلي فأطلق العبارة الأحدّ في القاعة: ضرورة الفرز بين «أحزاب وطنية» و«أحزاب شركات»، محذراً من تحويل السياسة إلى أصل تجاري.
وفي الخلفية، كانت سارة أعنان وسناء الرحموني تكرران أن الشباب لا ينبغي أن يظلوا مادة خطابية، بل أن يعودوا إلى مراكز القرار لإصلاح المنظومة الاجتماعية من داخل المؤسسات. وهو خطاب يناسب لحظة وطنية مثقلة بأسئلة التشغيل والصحة والتعليم، لكنه يظل، إلى حين صناديق الاقتراع، وعداً جيلياً أكثر مما هو خريطة سلطة.
قطارات «الكاوبوي» وجودة الماء
في الجلسة التفاعلية، خرج النقاش من لغة المحاور إلى لغة الحياة اليومية. انتقد أعنان رحلة الاثنتي عشرة ساعة بين وجدة والدار البيضاء في ما وصفها بقطارات متهالكة «تشبه قطارات الكاوبوي»، معتبراً ذلك إهانة لكرامة المواطن في القرن الحادي والعشرين. وبشأن جودة مياه الشرب، قال إن انتقاده استند إلى مقال ودراسة علمية، لا إلى مزايدة، متحدياً الحكومة أن تثبت العكس.
ثم انتقل، بثقة مرشح يرى ولايته رصيداً لا عبئاً، إلى الحديث عن الطموح الحكومي. أعلن استعداده لتحمل مسؤولية وزارية في التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، أو التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، أو الثقافة والشباب والتواصل، متعهداً بتقديم حصيلة دورية للمواطنين كل ستة أشهر.
تلك الجملة الأخيرة — الحصيلة كل ستة أشهر — كانت أقرب ما في الندوة إلى روح «العقد» الذي تكرر ذكره. فهي تُحوّل البرنامج من قائمة نوايا إلى التزام زمني يمكن، نظرياً، قياسه. ويبقى السؤال الذي لم تُجب عنه أي ندوة حزبية: من يحاسب الوزير إذا تأخّر الموعد، غير الناخب نفسه بعد خمس سنوات؟
ما بعد القاعة
في الختام، قدّم الاتحاد الاشتراكي ندوته بوصفها دليلاً على نضج عرضه: كفاءة علمية ممزوجة بجرأة نضالية، وشعار «الوردة» بوصفه بديلاً ديمقراطياً يقطع الطريق، وفق تعبير المنظمين، أمام المفسدين ويوقف نزيف الكفاءات الشابة في المنطقة.
الدعوة التي وُجهت إلى ساكنة وجدة كانت مزدوجة: التصويت يوم 23 ديسمبر، والمساهمة في بناء جهة شرقية «قوية ومنتجة ومستقلة بقدراتها الذاتية». وهي صياغة أنيقة لحقيقة أقدم من هذا الاستحقاق: أن السياسة، في مدينة مثل وجدة، تُقاس في النهاية لا بجمال العقود المعروضة في القاعات، بل بقطارات تصل في وقتها، وماء يُشرب دون دراسة مضادة، وعمل لا ينتظر معبراً كي يُخلق.

قم بكتابة اول تعليق