شهدت الجلسة العمومية للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين نقاشاً دستورياً وسياسياً حاداً تركز حصرياً حول استراتيجية الحكومة في التعاطي مع ملفات “محاربة الفساد، الإثراء غير المشروع، وتضارب المصالح”. ويأتي هذا النقاش في سياق مساجلة برلمانية تناولت حدود السياسة الجنائية الوطنية، والموازنة الدقيقة بين تجريم السلوكيات الفاسدة وحماية الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين وفقاً للضوابط التشريعية المتعارف عليها.
1. التساؤلات البرلمانية: البحث عن استراتيجية واضحة لمكافحة الفساد
استهلت مجموعة العدالة الاجتماعية بمجلس المستشارين مسألة وزير العدل بطرح أسئلة مباشرة تتصل بالرؤية الحكومية لمواجهة مظاهر الفساد المالي والإداري. وتركزت الاستفسارات حول التوجهات المرتقبة للمخطط التشريعي الحكومي بخصوص مجالات حيوية ذات أثر مباشر على الاستقرار الاقتصادي والنزاهة المؤسساتية:
- مصير مقتضيات تجريم الإثراء غير المشروع: الاستفسار عن الآليات القانونية والتشريعية التي تعتزم الحكومة إقرارها لمعالجة تضخم الثروات غير المبرر لدى المكلفين بالشأن العام.
- ضبط حالات تضارب المصالح: البحث في الأطر الوقائية والتنفيذية التي تميز بين المصلحة الخاصة للمسؤول والمصلحة العامة، لمنع استغلال النفوذ والانحراف بالسلطة.
- استراتيجية المتابعة والرقابة: الوقوف على خطة الوزارة في تنزيل مقتضيات الحكامة الجيدة وضمان التنزيل العملي للتعهدات الواردة في التصريح الحكومي أمام البرلمان.
وشدد المكتفون بالمساءلة على أن هذه الظواهر لا تمس فقط بأخلاقيات المرفق العام، بل تمتد آثارها السلبية لتعرقل مسار التنمية الاقتصادية، وتضعف الجاذبية الاستثمارية، وتؤثر على كفاءة المؤسسات الوطنية.
2. الفلسفة التشريعية لوزارة العدل: صرامة القانون ورفض “الشعبوية”
في معرض إجابته، حدد وزير العدل الفلسفة التشريعية التي تؤطر التوجه الحكومي في مواجهة الفساد، مؤكداً أن الاستراتيجية الوطنية تقوم على الامتثال التام لسادة القانون والمسطرة الجنائية المضبوطة، مع الرفض المبدئي لما وصفه بالحلول “الشعبوية” التي قد تعصف بالضمانات القانونية.
وأوضح الوزير أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتجاوز الشروط القانونية أو المساس بحريات الأفراد. واعتبر أن الخروج عن دائرة المشروعية بحجة الرقابة يؤدي إلى نتائج عكسية تفضي إلى إشاعة عدم الاستقرار المنظومي.
توضح المقارنة التالية الفروق المنهجية التي رسمها وزير العدل بين المقاربة القانونية الرشيدة والمقاربات الانفعالية في تعقب الفساد:
| محور المقاربة | المقاربة القائمة على المشروعية القانونية | المقاربة الشعبوية المحذَّر منها |
| المرجعية الإجرائية | التقيُّد الصارم بالمسطرة الجنائية وقواعد الإثبات | الاستجابة للضغط الجماهيري والشعارات العامة |
| معاملة المواطن | احترام قرينة البراءة وصون الكرامة والضمانات | تجريد المتهم من الضمانات وافتراض الإدانة |
| عبء الإثبات | التزام الجهات القضائية بدليل الإثبات الشرعي | إجبار الفرد على إثبات براءته خارج أطر القانون |
| الأثر المؤسساتي | تعزيز الثقة في القضاء ودولة المؤسسات | إحداث مفسدة مطلقة وتقويض الاستقرار التشريعي |
وترسيخاً لهذه المقاربة، شدد الوزير في مداخلته على التمييز بين حزم الدولة في تطبيق القانون وبين الانزلاق نحو قرارات انفعالية، مؤكداً:
“نحارب الفساد ولكن في إطار القانون وبمنطق قانوني مضبوط… إذا كنا نريد محاربة الفساد عن طريق الخروج على القانون، فإننا نقع في الفساد الأكثر خطورة والمفسدة المطلقة.”
3. قدسية حقوق المواطن ومبدأ قرينة البراءة
اعتبر وزير العدل أن المواطن حائز على صفة القدسية التي تقتضي توفير الحماية التشريعية الكاملة ضد أي شطط أو تعسف. وأكد أن المنظومة الجنائية المعتمدة ترتكز على مبادئ دستورية وأخلاقية لا قابلة للتجزئة:
- حماية البريء أولوية قصوى: أشار الوزير إلى أن المبدأ الأصولي في العدالة يفيد بأن إفلات جاني من العقاب ينطوي على تقصير إجرائي، غير أن إدانة شخص بريء تعد خللاً جسيماً يضرب جوهر العدالة.
- عدم نقل عبء الإثبات: رفض المنطق الذي يطالب المواطنين بإثبات براءتهم بمجرد توجيه الاتهامات أو الشبهات، موضحاً أن السلطة القضائية هي المكلفة قانوناً بإقامة الدلائل وتقديم البراهين.
- الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة: تأكيد الامتثال للمواثيق الدولية والدستور الوطني الذي يقر بأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به.
ومثَّل الوزير لهذا التوجه بالتأكيد على أنه لو وُجد مئة متهم بشبهة معينة وكان بينهم شخص واحد بريء تعذر تمييزه، فإن مقتضيات العدالة توجب حماية ذلك البريء وعدم التضحية به تحت أي شعار رقابي.
4. الالتزامات التشريعية والترسانة القانونية المرتقبة
رداً على مطالب المستشارين بوضع جدول زمني لتجسيد المقتضيات الرقابية، أكد وزير العدل أن الحكومة ملتزمة صراحة بما ورد في التصريح الحكومي المقدم أمام البرلمان. وأعلن عن تحضير حزمة تشريعية متكاملة ستعرض على المؤسسة التشريعية في الآونة القريبة.
وتتضمن معالم الترسانة القانونية المرتقبة المبادئ التالية:
- مشروع قانون خاص بالإثراء غير المشروع: صياغة نص قانوني يحدد مفهوم التضخم المالي غير المبرر وضوابط زجره ضمن قواعد مسطرية دقيقة تجنب التعسف.
- مشروع قانون تضارب المصالح: إرساء قواعد تنظيمية تمنع تقاطع المصالح الشخصية مع مهام الإدارة والمرفق العام.
- تطوير آليات التقصي المالي: اعتماد أدوات تنظيمية متطورة للتحري المالي بالتنسيق مع المؤسسات المالية والرقابية المعنية.
وعبر الوزير عن يقينه بأن المقتضيات المرتقبة ستشكل مفاجأة تشريعية تعزز نزاهة الحياة العامة وتصون في الوقت ذاته دولة الحق والقانون، موجهاً حديثه للمستشارين بالقول:
“ستفاجئكم الحكومة بترسانة قانونية في المستقبل القريب لمحاربة الفساد وفقاً للقانون ووفقاً لاحترام قرينة البراءة.”
5. المنظور البرلماني: الشفافية المؤسساتية والتصريح بالممتلكات
في التعقيب على إيضاحات الحكومة، اتفق البرلمانيون مع ضرورة تجنب المساس بحقوق الأفراد وقرينة البراءة، مشددين في الوقت ذاته على أن محاربة الفساد تقتضي حلولاً هيكلية وتدابير وقائية تتجاوز مجرد البعد الزجري.
ودعا المستشارون إلى تفعيل آليات الرقابة البعدية والقبلية على الموظفين والمسؤولين المنتشرين في مختلف مناصب المسؤولية، عبر المقتضيات التالية:
- إجراء الفحص المالي للمسؤولين (“سكانير الممتلكات”): المطالبة بفرض تدقيق شفاف وشامل لممتلكات أي مسؤول عند توليه المهام العامة وعند مغادرتها، للمقارنة بين الكسب المشروع الناتج عن المجهود الذاتي والتراكمات الناتجة عن استغلال المنصب.
- التأسيس التربوي والمؤسساتي للنزاهة: إبراز دور الأسرة والجامعة والإعلام في ترسيخ القيم الأخلاقية، والحد من ثقافة تحبيذ المصلحة الخاصة على حساب المبادئ الوطنية.
- إعادة بناء الثقة في المرفق العام: التأكيد على أن الشفافية التشريعية والصرامة الإجرائية هما الكفيلان بضمان التنمية المستدامة، وحماية الاقتصاد الوطني من التشوهات الناجمة عن الممارسات غير المشروعة.

قم بكتابة اول تعليق