في 15 أكتوبر 2026، أعلن التجاري وفا بنك، أكبر بنك في المغرب، انضمامه إلى نظام المدفوعات العابرة للحدود بين البنوك الصيني (CIPS).
الخبر، في ظاهره، تقني: قناة أسرع وأقل تعقيداً لتسوية المعاملات بالرنمينبي بين الشركات المغربية ونظيراتها الصينية.
أما في سياقه الأوسع، فهو خطوة أخرى في مسار بات مألوفاً عبر القارة: بناء بنية تحتية مالية تتيح للدول الأفريقية التعامل مع الصين دون المرور بالضرورة عبر الدولار وسلاسل البنوك المراسلة الغربية.
التجارة الثنائية بلغت نحو 11 مليار دولار في 2025، مع فائض صيني كبير. العجز المغربي مع الصين وحده تجاوز 110 مليار درهم، أي أكثر من نصف تدهور الميزان التجاري الإجمالي للمملكة في ذلك العام. الصين أصبحت أكبر مورد للمغرب، تتفوق على إسبانيا في بعض التقديرات، وتزود السوق بكل شيء من السيارات وقطع الغيار إلى المعدات الصناعية والإلكترونيات ومكونات الطاقة المتجددة.
في ظل هذا الحجم، يصبح وجود خيار تسوية مباشر باليوان منطقياً من الناحية التجارية البحتة: يقلل من الوسطاء، يختصر المهل، ويتيح للشركات مقارنة تكاليف الصرف بين الدولار واليورو واليوان.
لكن الانضمام ليس كاملاً ولا فورياً. البنك لم يوضح ما إذا كان مشاركاً مباشراً أم غير مباشر في CIPS، ولم ينشر تقديراً للوفورات المتوقعة أو جدول زمني لفتح الخدمة فعلياً. هذا الغموض مألوف. جنوب أفريقيا كانت السباقة: أصبح Standard Bank أول بنك أفريقي يتمتع بوصول مباشر في 2025، وعالج أكثر من 8 مليارات يوان بحلول منتصف 2026. Ecobank وقّع مذكرة تفاهم في أكتوبر، وبنوك أخرى في رواندا وأنغولا وغانا تسير في الاتجاه نفسه.
الشبكة الصينية تتوسع، لكن وتيرة تفعيلها الفعلي تبقى أبطأ من الإعلانات.
السياق الجيوسياسي أكثر دلالة. المغرب، منذ توقيع مذكرة الحزام والطريق عام 2017، يتبع سياسة تحوط واضحة: يعمق علاقاته مع بكين (مدينة طنجة للتكنولوجيا، استثمارات في البطاريات والسيارات الكهربائية، مشاريع بنية تحتية) دون أن يقطع أوتاره مع واشنطن وبروكسل.
المملكة تحافظ على اتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتستضيف استثمارات صينية قد تستفيد منها كـ«منصة» لتجاوز بعض الرسوم الجمركية الغربية على المنتجات الصينية. في الوقت نفسه، تبقى أوروبا الشريك التجاري الأول بفارق كبير.
انضمام أكبر بنك مغربي إلى CIPS يندرج في هذا المنطق: تنويع الأدوات المالية دون إعادة اصطفاف استراتيجي.
بالنسبة للشركات، الفائدة المحتملة حقيقية لكنها مشروطة. المصدرون الصينيون قد يجدون في اليوان خياراً إضافياً للتسعير والاستلام، والموردون المغاربة قد يستفيدون من تسويات أسرع في بعض العقود. غ
ير أن ذلك لا يلغي مخاطر الصرف، ولا يضمن رسوماً أقل، ويخضع لقواعد الصرف المغربية ومتطلبات الوثائق التجارية. كما أن معظم التجارة الثنائية ستظل، على الأرجح، تسوى بالدولار أو اليورو لسنوات قادمة، خاصة في ظل عمق الاندماج المغربي في سلاسل القيمة الأوروبية.
ما يُلاحظ على نطاق أوسع هو أن أفريقيا أصبحت ساحة تنافس هادئ على البنية التحتية المالية. واشنطن تستخدم نظام الدولار وأدوات مثل SWIFT كأداة ضغط جيوسياسية، فترد بكين بعرض بدائل عملية. البنوك الأفريقية، التي تواجه طلباً متزايداً من عملائها على التعامل مع الصين، تتخذ قرارات تجارية أكثر منها إيديولوجية.
المغرب، بشبكة التجاري وفا الواسعة في القارة (27 دولة، منها 15 أفريقية)، قد يصبح يوماً نقطة عبور إضافية لهذه التدفقات، تماماً كما يسعى ليكون نقطة عبور لوجستية وصناعية بين أوروبا وأفريقيا وآسيا.
الخطوة صغيرة، تقنية، وغير مكتملة. لكنها تضيف إلى تراكم بطيء: كلما زادت حصة اليوان في التسويات الأفريقية، تقلصت، ولو بشكل هامشي، قدرة أي طرف واحد على التحكم في أنابيب المال.
في عالم تتزايد فيه الحواجز والعقوبات، تفضل الدول الوسطى أن تمتلك أكثر من أنبوب واحد. المغرب، كعادته، يضيف واحداً دون أن يعلن ذلك ثورة.
تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق