تُشكل مسطرة الإكراه البدني إحدى أكثر المساطر القضائية حساسية لمساسها المباشر بالحرية الفردية للمواطنين وبحقوق الخزينة العامة على حد سواء. وفي هذا السياق، كشف وزير العدل خلال الجلسة العمومية للأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين عن خطة متكاملة للتحول الرقمي والتشريعي في تدبير هذه المسطرة، تتصدرها إحداث منصة رقمية مخصصة لتدبير وتتبع الإكراه البدني عبر بوابة “محاكم”، بالتزامن مع إقرار تعديلات جوهرية في قانون المسطرة الجنائية تُنهي عقوداً من التعقيد الإداري والتوقيفات التعسفية الناتجة عن ديون مالية بسيطة.
1. اختناق المساطر التقليدية وسياق دواعي الإصلاح
ظلت المسطرة التقليدية لتنفيذ الإكراه البدني تتسبب في إشكالات عملية معقدة للمواطنين والأجهزة الأمنية والقضائية على السواء. ففي النظام السابق، كان ضبط أي مواطن صادر في حقه قرار بالإكراه البدني—سواء في المعابر الحدودية من مطارات وموانئ أو في نقاط التفتيش الاعتيادية—يتطلب منه القيام بمسلسل مسطري طويل، يستوجب التنقل المباشر إلى المحكمة التي أصدرت القرار أو النيابة العامة المختصة لسداد المبالغ واستخراج شهادات رفع الإكراه ونسخ الملفات.
وقد أدى هذا النمط التقليدي إلى توقيف مسافرين وتفويض رحلاتهم وتعطيل مصالحهم بسبب ديون زهيدة أو إجراءات تبليغ قديمة. وأكد وزير العدل أمام أعضاء مجلس المستشارين أن هذا الواقع فرض الانتقال الفوري نحو حلول رقمية تتيح المعالجة اللحظية وتضمن في الوقت نفسه صون كرامة المرتفقين وحماية حرية الحركة والتنقل.
2. الهندسة التقنية للمنصة الرقمية وآلية التنسيق الميداني
تعتمد المبادرة الجديدة على إطلاق منصة إلكترونية مخصصة لتدبير مسطرة التحصيل والإكراه البدني مدمجة ضمن بوابة “محاكم” الإلكترونية، حيث أُنشئت قاعدة بيانات رقمية موازية ومحدثة لحظياً تُتيح الربط المباشر بين مصالح وزارة العدل والنيابات العامة وبين الأجهزة الميدانية المكلفة بالتنفيذ.
| الجهة الشريكة | دورها في المنصة الرقمية | الأثر الميداني على المرتفق |
| المديرية العامة للأمن الوطني | الولوج اللحظي لملفات الإكراه البدني عبر مراكز الشرطة والمنافذ الحدودية | تسوية الوضعية المالية فوراً دون الحاجة للاقتياد إلى المحاكم |
| القيادة العليا للدرك الملكي | الاطلاع الفوري على القرارات الرقمية في المراكز والحيّز القروي والطرقي | إنهاء التوقيفات الطرقية فور الأداء وسداد المستحقات |
| إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة | استخلاص الديون الجمركية والمبالغ المستحقة في النقط الحدودية | تفادي تعطيل مسافرين أو توقيف حركتهم في الموانئ والمطارات |
| النيابة العامة والمحاكم | التحديث الفوري لإلغاء برقيات البحث وإسقاط الإكراه إلكترونياً | إغلاق الملف إلكترونياً وسحب برقية البحث في الحين |
تضمن المنصة تحميل الملف الإلكتروني الكامل للإكراه البدني، مما يسمح لأجهزة الأمن أو الدرك أو الجمارك، بمجرد ضبط المواطن، بفتح الملف ومعرفة المبالغ الدقيقة المستحقة عليه، وتمكينه من السداد الفوري والمباشر داخل مقر الكوميسارية أو نقطة التفتيش أو المركز الجمركي، ليُسقط الإكراه البدني عنه في الحين ودون حاجة لتنفيذه أو نقله إلى المحكمة.
3. السياج التشريعي الجديد: تعديل العتبات المالية والسنية
لم تقتصر مبادرة وزارة العدل على الرقمنة التقنية فقط، بل رافقتها مراجعة تشريعية عميقة لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية الصادر حديثاً، حيث جرى وضع قيود وضوابط صارمة تمنع اللجوء إلى سلب الحرية بسبب الالتزامات المالية إلا في حدود ضيقة، اتساقاً مع المادة السادسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تحظر اعتقال الأشخاص لمجرد العجز عن وفاء بالتزام تعاقدي أو مالي.
وتتمثل أبرز المقتضيات التشريعية الجديدة في الضوابط التالية:
- تحديد سقف أدنى لتطبيق الإكراه البدني: حظر تطبيق الإكراه البدني حظراً مطلقاً في المبالغ التي تساوي أو تقل عن 8,000 درهم، إذ اعتبرت التشريعات الجديدة أن من ينشغل بدين يقل عن هذا المبلغ يوجد في وضعية مالية صعبة لا تبرر عقوبة سلب الحرية.
- رفع السن الأدنى للمتابعة: رفع سن الخضوع للإكراه البدني من 18 سنة إلى 20 سنة، حماية لفئة الشباب وحرصاً على عدم الزج بهم في مسارات الاعتقال بسبب ديون مالية.
- حظر الإكراه البدني على كبار السن: إقرار منع قانوني حاسم لتطبيق الإكراه البدني على كل شخص تجاوز سن 60 سنة، بالنظر لظروفهم الصحية والاجتماعية ولمقتضيات المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
4. الحصيلة الرقمية والأثر الإنساني لإصلاح مسطرة الإكراه البدني
أسفرت عملية المراجعة الشاملة لملفات الإكراه البدني وتطبيق المعايير التشريعية والتقنية الجديدة عن حصيلة رقمية وإنسانية غير مسبوقة، صرح بها وزير العدل أمام مجلس المستشارين، حيث نجحت السلطات القضائية بالتنسيق مع النيابة العامة في تحقيق النتائج الميدانية التالية:
- إلغاء 22,315 برقية بحث: نتيجة لتطبيق العتبة المالية الجديدة (أكثر من 8,000 درهم) والاستثناءات السنية (دون 20 سنة أو فوق 60 سنة).
- إلغاء 3,991 قرار تنفيذ إكراه بدني: مراجعة وتصفية قرارات الاعتقال والتنفيذ بموجب المعايير التشريعية المحينة.
- إخلاء سبيل ونزع متابعة نحو 26,000 شخص: الإفراج عن الموقوفين في السجون وإلغاء المتابعات بحقهم على المستوى الوطني.
وسلط الوزير الضوء على حالات إنسانية صارخة كشفتها عمليات الافتحاص السابقة، من بينها ضبط أشخاص معتقلين بالسجون لمبالغ زهيدة للغاية لا تتجاوز 80 درهماً، مما جعل من التعديلات الجديدة خطوة حاسمة لإيقاف هذه الاختلالات وتخليص المنظومة القضائية من تراكمات غير مبررة.
5. أبعاد التحول المؤسساتي وتأمين المعطيات ذات الطابع الشخصي
أكدت النقاشات البرلمانية بمجلس المستشارين أن نجاح المنصة الرقمية للإكراه البدني يظل مرهوناً بتوفير ضمانات قانونية وتقنية متكاملة، تراعي السرعة في الاستخلاص وحماية حقوق الخزينة، مع الالتزام الصارم بقوانين حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي للمواطنين.
وتشكل المنصة نموذجاً للتقاطع الإيجابي بين التحديث التكنولوجي والإصلاح التشريعي، إذ تُسهم في تخفيف الضغط المالي والإداري عن المؤسسات السجنية والمحاكم، وتُتيح للأجهزة الأمنية التركيز على المهام الاستراتيجية لمحاربة الجريمة بدلاً من استهلاك مواردها في إجراءات الخفارات والتنقلات القضائية للديون البسيطة.


قم بكتابة اول تعليق