حميد بحكاك
مقدمة
تحل الذكرى السنوية الثالثة لـــ”عملية طوفان الأقصى”، التي أطلقتها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” مع مجموعة من الفصائل الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023 ، ردا على سياسة الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من سبعين سنة في فلسطين عامة وغزة خاصة (17 سنة من حصار غزة منذ 2006)، وتأتي هذه الذكرى في ظرف فلسطيني وإقليمي ودولي بالغ التعقيد، هذا الحدث الذي شكّل نقطة تحول كبرى في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكانت له تداعيات وآثار دراماتيكية على المستوى الداخل الفلسطيني و على المستوى الإقليمي والدولي وأعاد القضية الفلسطينية إلى قلب الاهتمام الدولي بعد مرحلة بدا فيها أن القضية الفلسطينية تتجه نحو مزيد من التهميش، ومما جعل محطة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر لحظة فاصلة أعادت طرح الأسئلة الجوهرية حول الاحتلال الاسرائيلي، وحق الشعب الفلسطيني في التحرر وتقرير المصير، وحماية المدنيين، وحدود استخدام القوة، ومدى قدرة القانون الدولي الإنساني على حماية المدنيين في زمن الحرب، كما كشفت تداعياته اللاحقة عن فجوة عميقة بين القواعد القانونية والأخلاقية التي يفترض أن تحكم النظام الدولي وبين قدرة المجتمع الدولي على ضمان احترامها وإنفاذها.
ومن هنا، فإن ذكرى 7 أكتوبر فرصة لقراءة حصيلة ثلاث سنوات من التحولات، واستخلاص دروسها بالنسبة للفلسطينيين، ولحقوق الإنسان وللنظام الدولي الذي وجد نفسه أمام أحد أصعب اختباراته المعاصرة.
1 الكلفة البشرية الباهظة وأزمة الضمير الإنساني العالمي
ارتفع عدد ضحايا حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 حسب وزارة الصحة الفلسطينية إلى 74,237 قتيلاً، و175,206 جريحاً. وكان هدف هذا الانتقام والإبادة الجماعية هو دفع الفلسطينيين إلى مغادرة غزة (التهجير) وتحقيق الحلم الصهيوني بإنشاء إسرائيل الكبرى التي تمتد من الفرات إلى النيل (أرض الميعاد)، كما أن هذه الإبادة الجماعية شملت كل مقومات الحياة من طرقات ومدارس ومستشفيات ومساجد وكنائس وبنيات تحتية صحية وتعليمية وتلويث مياه صالحة للشرب وانقطاع الكهرباء وكارثة إنسانية ودمار، واستهداف بنايات تابعة للأمم المتحدة تقدم الدعم للشعب الفلسطيني وموظفيها الذين قتل منهم ما يقرب من 300 من عمال الإغاثة أكثر من ثلثيهم من موظفي الأمم المتحدة وكوادر طبية، وامتد القتل الوحشي إلى الصحفيين الذين ينقلون الحقيقة إلى العالم والذين بلغ عدد الذين استشهدوا منهم إلى 263 صحفي كل هذا جرى ويجري أمام مسمع ومرأى من العالم وعلى الهواء مباشرة.
ومازال القتل والإبادة والتجويع مستمرا حتى بعد وقف إطلاق النار وإطلاق الرهائن وتأسيس ما سمي بــــ”مجلس السلام” من طرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي حول المأساة الإنسانية في غزة إلى مضاربة عقارية.
2 انتقال القضية الفلسطينية إلى مركز الأجندة الدولية
أعادت حرب غزة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، بعد أن كان النقاش الدولي والإقليمي قد انصرف إلى ملفات أخرى وإلى مسارات التطبيع الإقليمي. وأصبح النقاش يتناول بصورة أكثر مباشرة الاحتلال، وتقرير المصير، والاستيطان، وحماية المدنيين، وأعيد طرح حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية، والقانون الدولي والمساءلة، وبدأت عملية الاصطفاف الدولي انطلاقا من الموقف من القضية الفسلطينة، وحدثت اختراقات، كما حدث داخل الاتحاد الأوروبي من خلال الموقف الإسباني المتقدم مقارنة مع باقي دول الاتحاد. وبالتالي، القضية الفلسطينية التي كان يراد دفنها من خلال “اتفاقيات أبراهام” و”صفقة القرن” و”موجة التطبيع”، وشطبها من الأجندة الدولية، انبعثت من جديد وتصدرت واجهة الأحداث الدولية وغطَّت على حرب أوكرانيا والحرب الأهلية في السودان.
3 اتساع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية والمطالبة بإقامتها
شهد عام 2024 اعتراف دول أوروبية، من بينها إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا، بدولة فلسطين. كما اتسعت قاعدة الاعتراف الدولي لاحقاً، وهو ما يمثل مكسباً دبلوماسياً مهماً، مع ضرورة التمييز بين الاعتراف السياسي وبين قيام دولة فلسطينية ذات سيادة فعلية على الأرض، كما طالبت بذلك وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ، المجتمع الدولي بإقامة دولة فلسطين على وجه السرعة، مشددة على أن “العالم لا يمكنه أن ينتظر أكثر” جاء ذلك في كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ79 (شتنبر 2024).
كما أعطى رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في يوليوز 2024 دفعة مهمة للإطار القانوني للقضية الفلسطينية. فقد تناول الرأي بصورة مباشرة مسألة الاحتلال والاستيطان وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وربط استمرار بعض السياسات والممارسات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالتزامات قانونية دولية. ووصل عدد المعترفين بالدولة الفلسطينية إلى 147 دولة وهو مؤشر على بداية تفكك الموقف الغربي والأوروبي المؤيد والداعم لإسرائيل، وأصبحت هذه الأخيرة في مواجهة العالم حكومات وشعوب وليس الفلسطينيين وحدهم.
4 تعزيز مسار المساءلة الدولية لجرائم إسرائيل
رفعت دولة جنوب إفريقيا، دعوى قضائية ضد إسرائيل لدى محكمة العدل الدولية في إطار “اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها” الصادرة بتاريخ 9 ديسمبر 1948 عن الأمم المتحدة ووقعتها كل من “إسرائيل” وجنوب إفريقيا.وقد التحقت مجموعة من الدول تباعا بهذه الدعوى، مما فتح جبهة قضائية في وجه الاحتلال الإسرائيلي، يضاف إلى ذلك قيام محكمة الجنايات الدولية بإصدار مذكرة اعتقال في حق رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعه، وهذه المحاكمة و المعركة القضائية تعد سابقة في وجه الاحتلال الإسرائيلي الذي تعوَّد على سياسة النسيان أو التناسي و اللاعقاب والحماية الأمريكية، وأصبح القانون الدولي الجنائي والقضائي أكثر حضورا في إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كما اكتسبت إجراءات محكمة العدل الدولية وآليات الأمم المتحدة ولجان التحقيق أهمية أكبر في توثيق الانتهاكات والنظر في المسؤوليات القانونية المترتبة عنها، ويظل أثر هذه التطورات مرتبطا بقدرة المجتمع الدولي على تنفيذ هذه القرارات والالتزامات.
5 تحول القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام عالمي وجزء من الأجندة الانتخابية
بعد ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية والتجويع والحصار لم تعد القضية الفلسطينية قضية عربية أو إسلامية فقط، وإنما أصبحت جزءا من اهتمام العالم وبالتحديد الدول الغربية وشعوبها، وذلك لفظاعة الجرائم الوحشية في حق الفلسطينيين العزل من النساء والأطفال والشيوخ منذ أكثر من سبعين عاما، وازدادت ضراوة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، إذ تابع الرأي العام العالمي على الهواء مباشرة وعلى مدى ثلاث سنوات، مشاهد الإبادة الجماعية وقصف البيوت والمستشفيات والرضع من طرف الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة ثم الضفة الغربية، ويرجع الفضل لأكثر من 260 شهيد صحفي أغلبهم فلسطينيين، الذين نقلوا صور هذه المجازر إلى العالم، مما هز الضمير الإنساني العالمي وتحركت الشعوب في كثير من دول العالم حسب الهامش الديمقراطي المتاح لها، منددة بهذه المجازر وصمت المجتمع الدولي وتقاعس الهيئات الدولية، وانطلقت هذه التظاهرات الشعبية والطلابية في الجامعات الأمريكية والنقابات العمالية من داخل الدول الغربية الداعمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها، وانتقل التضامن الإنساني العالمي كذلك من البر إلى البحر من خلال اسطول الحرية ثم أسطول التضامن شاركت فيه منظمات ومتوطعين من عدة دول، وأصبحت القضية الفلسطينية جزءا من أجندات الانتخابات والحملات الانتخابية، والنقاشات الإعلامية في القنوات التلفزية والإخبارية وشكلت ورقة ضغط على المنتخبين والمرشحين، ولعل الحالة الأكثر وضوحا هو ما يجري داخل الولايات المتحدة الأمريكية في الآونة الأخيرة حيث الانتخابات النصفية داخل الكونغريس الأمريكي.
6 تصاعد واتساع العزلة الدولية لإسرائيل
صرح جيدي فانس، نائب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب : “أن أمريكا الدولة الوحيدة التي تقف بجانب إسرائيل” وهذا التصريح يعكس تصاعد العزلة الدولية العالمية لإسرائيل بسبب جرائمها الوحشية، ومطاردة الإسرائيليين في العالم والملتقيات وصعود موجة المقاطعة الفنية (فوز الفيلم الوثائقي الفلسطيني “لا أرض أخرى” (No Other Land) بجائزة الأوسكار 2025 لأفضل فيلم وثائقي طويل كمثال) والتجارية والأكاديمية والعداء ضد إسرائيل وارتفاع اللاسامية أو معاداة السامية، مما دفع كثيرا من يهود العالم إلى التبرؤ من إسرائيل وحكومتها، وما حدث مؤخرا في الأمم المتحدة من مغادرة الوفود ومقاطعة كلمة النتن ياهو قبل إلقائها في اجتماع الجمعية العامة الأخيرة للأمم إلا دليل على ما وصلت إليه إسرائيل، و يذكرنا هذا بما حدث لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا الذي أسقطته المقاطعة العالمية والتنديد الدولي.
7 أزمة النظام الدولي والمطالبة بإصلاح الأمم المتحدة
كشفت هذه الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ضعف منظمة الأمم المتحدة وعجزها عن إيقاف المجازر التي ترتكبها إسرائيل، وتحقيق السلم والأمن الدوليين سواء في غزة أو أوكرانيا، بسبب نظام الفيتو المعمول به في مجلس الأمن، وعجزت حتى عن حماية موظفيها الذين قتلوا بنيران إسرائيلية، وقد عبر عن هذا الضعف والشلل، كلمات وخطابات رؤساء الدول أثناء الدورة 81 للأمم المتحدة في شتنبر 2026، وعلى رأسها خطاب الأمين العام للمنظمة أنطونيو كطريس ومعظم خطابات الرؤساء الذين تناوبوا على المحطة في هذه الدورة، كلها تحدثت عن هذا الوضع الذي يتطلب إصلاحا هيكليا وعاجلا للمنظمة، حتى لا تتكرر تجربة “عصبة الأمم” في عشرينات من القرن الماضي الذي أدى فشلها إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
8 نحو إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني كمدخل لحماية القضية
حتى لا تذهب هذه التضحيات الفلسطينية سدى وفي محيط عربي وإسلامي وعالمي متخاذل، وتشتت الصف الفلسطيني، ينبغي العمل على إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس سياسي ومؤسساتي جديد، وذلك عبر إصلاح السلطة وتجديد شرعيتها، وإنهاء الانقسام بين غزة والضفة، وتوحيد المؤسسات والقرار السياسي والأمني، وإعادة بناء منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع لكل الفلسطينيين في الداخل والشتات، مع إدماج مختلف القوى السياسية في مؤسساتها. كما يتطلب الأمر التوافق على استراتيجية وطنية موحدة للتحرير تجمع بين المقاومة السياسية والدبلوماسية والقانونية، والاستعداد لإدارة غزة وإعادة إعمارها ضمن مشروع وطني شامل، والاحتكام إلى انتخابات ديمقراطية تضمن التعددية وقبول النتائج، لتتحول التضحيات والمعاناة الفلسطينية إلى مكاسب سياسية ومؤسساتية ملموسة، تقود إلى إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، عبر قيادة موحدة قادرة على حماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل ومنع فرض مستقبل القضية الفلسطينية ومصيرها من الخارج.

قم بكتابة اول تعليق