حكومة 2026: هل يرهن “الأصالة والمعاصرة” مستقبل المغرب، و يثقل كاهله بـ 350 مليار درهم؟

وجدة/29 سبتمبر 2026 – هيئة التحرير

انتصر الفصل 47 من الدستور المغربي لروحه ومعناه؛ إذ تعزز الخيار الديمقراطي بتعيين جلالة الملك محمد السادس لعضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة رئيساً للحكومة المنبثقة عن انتخابات 23 شتنبر 2026.

ولم يكن تعيين المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية، فاطمة الزهراء المنصوري، سوى تجسيد لمركزها المتقدم داخل التنظيم؛ فالمنسق الوطني يحمل نفس الدرجة والوزن السياسي للأمين العام أو الرئيس أو الكاتب الوطني.

ويُكرس هذا القرار الدستوري قناعة مفادها أن المؤسسة الملكية تظل حريصة على الاحترام التام للتعهدات الدستورية والإرادة الشعبية عبر صناديق الاقتراع، دون أي انقلاب على روح الفصول المُنظمة للعملية السياسية.

غير أن هذا التعيين التاريخي لم يكن معزولاً عن هندسة تنظيمية متأنية؛ فقرار انتخاب قيادة جماعية للحزب ليلة 10 فبراير 2024 خلال المؤتمر الخامس ببوزنيقة — في أعقاب المرحلة العصيبة التي ترأس فيها عبد اللطيف وهبي الحزب — لم يكن مجرد اجتهاد هيكلي عابر، بقدر ما كان ترتيباً لتأهيل حزب عانى سابقاً من الفشل في التموقع القيادي لأسباب ذاتية وموضوعية.

لقد شكل خيار “القيادة الجماعية” تكتيكاً سياسياً محبوكاً لإفراز هذا المظهر الجديد، حتى إن استبعاد صلاح الدين أبو الغالي لاحقاً وتعويضه بعنصر نسوي، فاطمة السعيدي، صَبَّ في اتجاه تهيئة المسرح السياسي لوصول امرأة عبر صناديق الاقتراع لمنصب رئيسة حكومة يُعينها أمير المؤمنين.

لكن الوصول إلى هذا المجد السياسي لم يتحقق بسهولة؛ بل جاء بعد جهد تنظيمي وجماهيري كبير، رافقه احتواء واسع لأعيان الانتخابات بشتى الوسائل، واستدراج أعيان آخرين من أحزاب منافسة بالنظر إلى وزنهم الانتخابي، فضلاً عن انفتاح الحزب على رجال الأعمال ورؤوس الأموال التي تدور حول بعضها الشبهات.

كل ذلك جرى لإعادة إنتاجه، لإحياء وتجديد مشروع حزب أسسه مستشار جلالة الملك وغادره “غاضباً” في مراحل سابقة.

واليوم، يصل حزب الأصالة والمعاصرة إلى قمة المنافسة الانتخابية مسلّحاً بمهرجانات خطابية قادها الوافد الجديد فوزي لقجع، والتي شهدت توجيه اتهامات خطيرة للفرقاء السياسيين، ومصحوبة ببرنامج انتخابي ضخم يضع الحزب وقيادته تحت المجهر المباشر والمراقبة المجهرية؛ حيث أصبحت أرقامه ووعده بمثابة اختبار أخلاقي لعقد اجتماعي واجه المغاربة في ظله أزمات متتالية مست قدرتهم الشرائية وأمنهم الاجتماعي منذ جائحة كورونا.

يقوم البرنامج الانتخابي للحزب على تعهد مالي إجمالي يصل إلى 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات (بواقع 70 مليار درهم سنوياً)، مقسمة على خمسة مواثيق كبرى تتضمن عشرين التزاماً.

غير أن القراءة التحليلية لتفاصيل هذه المواثيق تظهر تباعداً واضحاً بين النوايا الاجتماعية المعبر عنها والتوازنات الاقتصادية الكلية:

يعد هدا الميثاق الاضخم ماليا، و يعد باعفاء الفواتير الكهربائية المنزلية التي لا تتجاوز 100 درهم شهريا، مع تخفيض الضريبة على الدخل.

غير أن هذا التدبير يطرح إشكالية تمويلية معقدة؛ إذ إن المكتب الوطني للكهرباء يعاني أصلاً من عجز هيكلي في ميزانيته، مما يعني أن كلفة هذا الدعم ستُحول في النهاية إلى الخزينة العامة، وبالتالي إلى جيب دافع الضرائب.

يضاف إلى ذلك أن تأجيل خفض الضريبة على الأجر إلى غاية عام 2027، يثير علامات استفهام، حول أسباب امتناع الحزب عن اتخاذ هذا الإجراء أثناء وجوده في الأغلبية الحكومية الحالية.

يستهدف هذا الميثاق 2.9 مليون شاب برهان خفض معدل البطالة من 10.8% إلى 7% عبر خلق مليون منصب شغل.

وبحساب بسيط، فإن هذا الغلاف يتطابق مع نحو 17,000 درهم فقط لكل شاب على مدى خمس سنوات، وهو غلاف مالي لا يكفي لإحداث تحول هيكلي في سوق شغل يعاني فيه الشباب من معدلات بطالة تتجاوز 30%. كما أن التعهد بمليون منصب شغل يحيل مباشرة على الوعود المماثلة التي أُطلقت عام 2021 ولم تجد طريقها إلى التحقق.

يتضمن الميثاق رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3,000 درهم، وتثبيت الدعم الاجتماعي المباشر في 1,000 درهم.

إلا أن هذا السخاء يتعارض مع الواقع المالي لصناديق التقاعد المهددة بالإفلاس، فضلاً عن كون تمويل الدعم المباشر الحالي يتطلب تدابير تقشفية أخرى، مثل رفع الدعم التدريجي عن غاز البوتان، مما يفرغ الدعم من أثره الاجتماعي حقيقة.

يغطي هذا الميثاق أربعة مجالات حيوية تتصل بالأمن المائي والطاقي والغذائي والصحي. ويتضح أن تخصيص 50 مليار درهم فقط لهذه القطاعات الاستراتيجية يظل إمكانيات غير متناسبة مع الكلفة العالية للمشاريع الكبرى؛ حيث إن بناء محطة واحدة لتحلية مياه البحر قد يستنزف وحده أكثر من 10 مليارات درهم.

يضم تسعة برامج هيكلية دون كلفة مالية محددة لكل برنامج على حدة، مما يجعل تنفيذه مرتهناً بالقدرة على تدبير 70 مليار درهم سنوياً في ظرفية تتسم بعجز متواصل في الميزانية ومديونية تتجاوز 70% من الناتج الداخلي الخام.

بعيداً عن التدقيق في الأرقام والتوازنات المالية، تظل المسألة الأكثر حرجاً بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، مرتبطة بـالمشروعية الاخلاقية والسياسية.

فالحزب لم يكن وافداً جديداً على المشهد السياسي، بل شكّل عماد التحالف الحكومي القائم منذ عام 2021 وشغل أقطابه وزارات ومراكز قرار سيادي واقتصادي كبرى.

إن طرح هذه الحلول والمواثيق اليوم يضع الحزب أمام مفارقة منطقية:

إذا كانت هذه التدابير قابلة للتطبيق ومكفولة بالنجاعة المقترحة، فما الذي منع الحزب من المبادرة إلى تنزيلها وهو في قلب السلطة التنفيذية؟ إن ترحيل الأهداف الرئيسية إلى أفق سنة 2027 يحمل في جوهره اعترافاً ضمنياً بحدود الحصيلة الحالية، ويطرح تساءلاً جوهرياً لدى الرأي العام حول مدى قدرة الحزب على إنجاز في المستقبل ما تعذر عليه تحقيقه أثناء ممارسة المسؤولية الفعلية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*