تشريعيات 2026

في وجدة، عاصمة جهة الشرق وواجهتها الحدودية، توقّف قطار الحملة الانتخابية التشريعية لعام 2026 عند لقاء تواصلي نظمه الحزب الاشتراكي الموحد في إطار تحالف اليسار. لم يكن الخطاب هناك مجرّد جولة جهوية عابرة. حوّل جمال العسري، الأمين العام للحزب، المدينة إلى مختبر سياسي لمفارقة أوسع: كيف تتعايش استثمارات هيكلية ضخمة مع بطالة مرتفعة وخدمات يومية متآكلة، عشية اقتراع 23 شتنبر.
تظهر المؤشرات التي استُحضرت في الكلمة فجوة ناطقة بين طموح الاستثمارات الماكرو-اقتصادية والواقع المعيشي للساكنة. قدّم اللقاء جهة الشرق بوصفها مجالاً يتقاطع فيه غياب القيمة المضافة لفرص الشغل مع تراجع جودة الخدمات العمومية الأساسية. ليست هذه صياغة تقنية محايدة؛ إنها إطار حملة يسعى إلى جعل الهشاشة الاجتماعية حجة انتخابية، لا مجرد شكوى محلية.
معضلة التشغيل احتلت قلب التشخيص. وُضعت الجهة في صدارة المجالات الأكثر تضرراً من أزمة الشغل، بمعدل بطالة قُدّم في حدود 21%، أي أعلى من المعدلات الوطنية. وإلى جانب البطالة الصريحة، استُحضرت مؤشرات المعيشة اليومية: هشاشة تطال نحو 12% من الساكنة الواقعة على أطراف الفقر، وفقر صريح يلامس 4.2% ممن يعيشون بأقل من 20 درهماً يومياً. في منطق الكلمة، هذه الأرقام ليست خلفية إحصائية، بل تفسير لسلوك اجتماعي متكرر: شباب يهاجر أو يعتصم أمام المؤسسات مطالباً بالشغل.
ثم تأتي المفارقة التي يقوم عليها البناء الخطابي كله. ذُكرت بنيات تحتية استراتيجية—ميناء الناظور غرب المتوسط، القطب الفلاحي، التكنوبول، والمركز الاستشفائي الجامعي بوجدة—لا لإنكار وجود الدولة، بل للتساؤل عن أثرها المباشر. الرسالة الانتخابية واضحة: الاستثمار الكبير لا يُترجم آلياً إلى منصب مستدام. وما دام الأثر المباشر غائباً، يضيق أفق الشباب بين الهجرة والاحتجاج. هكذا تُحوَّل المشاريع الكبرى من رصيد حكومي إلى سؤال محاسبي في أسبوع الحملة.
لم يقف التشخيص عند سوق الشغل. امتد إلى المرفق اليومي الذي يمس كرامة المواطن في مدينة حدودية يُفترض أن تمثّل واجهة تنموية. النقل الحضري وُصف بأزمة حافلات مهترئة ومخاطر سلامة، بعد حوادث احتراق وتدهور ظروف عمل السائقين. والصحة، رغم وجود بنيات استشفائية، رُبطت بعبء التنقل نحو الدار البيضاء والرباط من أجل العلاج والمواعيد، أي كلفة إضافية على أسر هشة. في هذا السرد، لا تُقاس التنمية بعدد المنشآت فقط، بل بقدرة المدينة على الاحتفاظ بسكانها ومعالجة مرضاها وتشغيل شبابها.
الخطوة السياسية في كلمة وجدة جاءت بعد هذا العرض الاجتماعي. رفع تحالف اليسار—الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي—شعار «الكرامة أولاً»، وربط تجاوز الانسداد التنموي بإصلاحات سياسية ودستورية أعمق: صلاحيات تنفيذية حقيقية للمؤسسات المنتخبة، محاربة الفساد، وإفساح المجال للكفاءات الشابة من أجل توزيع أعدل للثروة والخدمات. الانتخابات، في هذا التصور، ليست نهاية التحالف بل محطة داخل مشروع أوسع.
غير أن وزن هذا الخطاب يظل رهين قدرة اليسار على تحويل تشخيص جهوي حاد إلى تمثيل مؤسسي في اقتراع معروف بضعف المشاركة وبتفوق الآلات الحزبية التقليدية.
قراءة الحدث لا تحتاج إلى تبنّي الكلمة أو تفنيدها سطراً بسطر. أهميتها في التوقيت والمكان. قبل أيام من التشريعيات، اختار تحالف صغير نسبياً أن يخوض الحملة من مدينة طرفية بأرقام قاسية وبمفردات الكرامة والحكامة، لا بوعود قطاعية مجزأة. جهة الشرق تبقى، في هذه القراءة، أكثر من دائرة انتخابية: إنها مرآة لمأزق تنموي مغربي أوسع، حيث يُبنى الكثير فوق الأرض بينما يبقى الشغل والصحة والنقل أسئلة يومية معلّقة.
ما إذا كان الناخب في وجدة سيرى في ذلك بديلاً سياسياً أم مجرد خطاب صادق في حملة مزدحمة، هو ما سيُحسم بعد 23 شتنبر.
أما المفارقة نفسها—بين حجم الاستثمار وحجم الهشاشة—فلن تُحسم بصندوق الاقتراع وحده.

قم بكتابة اول تعليق