قبل خمسة أيام من الاقتراع التشريعي، يحوّل الاتحاد الاشتراكي خطابه من نقد الحصيلة إلى عقد برامج مرقّم: قوانين بلا كلفة في المئة يوم الأولى، و415 مليار درهم للاستثمار الهيكلي، والتشغيل مؤشراً وحيداً للحكم على الحكومة.
من جرادة، المدينة التي صارت رمزاً لاختلال التوزيع أكثر مما هي مجرد دائرة انتخابية، قدّم الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، عرضاً اقتصادياً لا يشبه البيانات الحزبية المعتادة في نهاية الموسم الانتخابي.
الفكرة المركزية بسيطة، وإن كانت مكلفة سياسياً: محاربة الفساد ليست مادة تلفزيونية، والأسعار ليست قدراً سوقياً، والسيادة ليست شعاراً إذا بقي التصنيع المحلي هامشياً. البرنامج، كما صيغ في ما يسميه الحزب «مخطط جرادة»، يقوم على تحويل الوعود إلى نصوص ملزمة وأهداف رقمية قابلة للتدقيق.
السؤال الذي يهم قارئ الاقتصاد ليس أخلاق الخطاب، بل قابلية التنفيذ في ولاية واحدة، وعلى مالية عمومية مثقلة أصلاً.



القانون قبل الشيك
يعكس القسم الأول من العرض قراءة سياسية أكثر منها محاسباتية. يرفض لشكر اختزال مكافحة الرشوة في مشاهد «تبليغ بطولي» أمام الكاميرا، ويدعو إلى نقل الفعل من الشجاعة الفردية إلى الواجب القانوني. الحزمة المقترحة تُدرج ضمن «مخطط المئة يوم الأولى»، ويُقدَّم بأنها قوانين تنظيمية لا تمس ميزانية الدولة: تجريم عدم التبليغ، تفعيل الإثراء غير المشروع بمقارنة الذمة بالمداخيل المصرح بها، ونصوص صريحة ضد استغلال النفوذ داخل الجهات والجماعات والوزارات، خصوصاً في رخص الصيد بأعالي البحار ومقالع الرخام والحجر.
في لغة الحزب، انتهى زمن «ألف ليلة وليلة» في توزيع الامتيازات. وفي لغة السوق، الرهان أضيق: رقمنة مسار الصفقات من الإعلان إلى الأمر بالصرف، حتى يدخل المهني الفعلي — البنّاء والحداد والخياط — بدل الوسيط. النشر العلني للوثائق يُقدَّم هنا لا كترفٍ شفاف، بل كآلية منافسة. الملاحظة العملية أن المغرب راكم نصوصاً ومؤسسات رقابية دون أن ينهار اقتصاد الريع. القانون بلا إنفاذ متساوٍ يبقى تكلفة سياسية مؤجلة.
الطماطم كمؤشر ماكرو
أضعف حلقات المعيشية ليست دائماً في الحقل. يقترح الاتحاد «مرصداً وطنياً للأسعار» يتتبع المواد الأساسية — الطماطم والبصل والبطاطس والجزر — من تكلفة الإنتاج إلى ثمن الرف. المنطق معلن: إذا كانت الكلفة في الحقل درهمين ووصل الثمن إلى عشرين، فالمشكلة ليست في الفلاح وحده ولا في «حرية الأسعار» كما تُستعمل أحياناً ذريعةً للامتناع عن الضبط.
الآلية المقترحة ثلاثية: رصد الكلفة الحقيقية عند المنتج، كشف هامش كل حلقة توزيع، ثم سقف ربح يُفترض أنه يحمي المستهلك دون إفلاس المنتج. اقتصادياً، الفكرة مألوفة في سياسات ضبط الأسواق الزراعية. صعوبتها مغربية بامتياز: تعدد الوسطاء، ضعف اللوجستيك البارد، وسهولة تسريب الضبط إلى سوق موازية. المرصد قد يكشف «عورات التوزيع» كما يقول الحزب. أما تحويل الكشف إلى سعر أكثر عدلاً فيتطلب سلطة تنفيذ لا تتوقف عند البيان الإحصائي.



سيادة بأرقام… وعقود مشروطة
ينتقل العرض من الأسعار إلى النموذج الإنتاجي. الدولة، في تصور الاتحاد، لا توزع تحفيزات مفتوحة. توقع «عقود برامج»: عقار وبنية تحتية وتكوين وتسريع للمساطر مقابل استثمار منتج، نقل للتكنولوجيا، اندماج محلي، ومناصب قارة. الخطوط الحمراء ماكرو-اقتصادية معلنة: سقف للدين العمومي عند 60% من الناتج، عجز تجاري عند 15%، واستثمار خاص يعادل 25% من الناتج.
على صعيد السيادة، الأرقام أعلى من الخطاب الحكومي المعتاد:
- تصنيع محلي لـ70% من الإنتاج الفلاحي، مع ربط استيراد النسبة المتبقية بشرط التحويل داخل المغرب؛
- تصنيع 80% من الأدوية محلياً؛
- نسبة اندماج صناعي محلي بـ60% في مشاريع الطاقات المتجددة، ومخزون استراتيجي للمحروقات يتجاوز شهرين.
هذه أهداف سياسة صناعية أكثر مما هي توصيف للواقع الحالي. العجز التجاري المغربي يتحرك في مدار أعلى من عتبة 15% التي يضعها الحزب، ومديونية الخزينة أعلى من سقف 60%. بمعنى آخر، الوردة لا تعد بتحسين هامشي للمسار القائم، بل بانكسار في بنية الإنتاج والاستيراد. ذلك ممكن تقنياً في بعض الشعب — الدواء والسيارات نموذجاً — وأصعب بكثير في المواد الغذائية المحوَّلة والطاقة، حيث رأس المال والتكنولوجيا والزمن ليست تحت إشارة الحكومة وحدها.
التشغيل كحكم وحيد
هنا يصبح البرنامج أقرب إلى هندسة إدارية منه إلى بيان أيديولوجي. التشغيل، يقول الحزب، هو «المؤشر الوحيد والأساسي» لتقييم الحكومة في أفق الولاية. المقترح الجذري إلغاء وزارة التشغيل وإحداث «مجلس وطني للتشغيل والكفاءات» ملحق برئاسة الحكومة، ملزَم بتقرير سنوي علني أمام البرلمان. الرسالة سياسية: الملف أكبر من قطاع، والفشل فيه لم يعد يقبل التقاسم بين وزارات.
في التفاصيل، تعرض الدولة تحمّل الاشتراكات الاجتماعية عن المقاولة في تجربة الشغل الأولى، مقابل أجر كامل للشاب. وفي الصناعة، الهدف 250 ألف منصب، ورفع الاندماج في السيارات والطيران إلى 70%. الرقم الصناعي ليس جديداً في أدبيات الحزب هذه السنة، وهو يلتقي مع رهانات 2030. الفارق الذي يصرّ عليه الاتحاد هو الشرط: لا إعفاء بلا شغل، ولا عقد بلا نتيجة.
المقاولة الصغيرة تحظى بجدول زمني أشبه بدفتر تحملات ضد البيروقراطية: جواب بنكي في 30 يوماً، لجنة مستقلة لإعادة تقييم المشاريع المرفوضة تمويلياً، تسجيل المقاولة في 24 ساعة بعد حذف عوائق من قبيل شهادة الضرائب في طور التأسيس، وسقف 90 يوماً لأداء مستحقات المقاولات لدى الإدارات. إذا نُفذت حرفياً، فهذه أقل البنود رومانسية في البرنامج… وأكثرها أثراً على الخزينة النقدية للمقاولات.



الصحة على طريقة «الفرق فقط»
في الحماية الاجتماعية، العرض يترجم إلى آلية أداء: بطاقة رقمية ونظام للطرف الثالث المؤدي، بحيث يؤدي المواطن الفرق لا الفاتورة كاملة، مع سقف للتحمل الذاتي لا يتجاوز 20%. الهدف المعلن حماية الأسر من الصدمة المالية عند المرض. الكلفة غير مفصلة بنداً بنداً داخل النص الجرادي، لكنها تندرج ضمن الغلاف الاستثماري للولاية.
هندسة الميزانية نفسها ثنائية عمداً. المجموعة الأولى — الشفافية، الرقمنة، تجريم استغلال النفوذ — تُقدَّم بصفر درهم. المجموعة الثانية — الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية — بـ415 مليار درهم على مدى الولاية. الرقم كبير بما يكفي ليُسأل عن مصادر التمويل: إعادة توجيه نفقات قائمة، توسيع الوعاء، مراجعة الإعفاءات، أم دين إضافي يناقض سقف الـ60%؟
الحساب السياسي خلف الحساب الاقتصادي
يذكّر الاتحاد بأن كثيراً من هذه المقترحات مرّت عبر تعديلاته البرلمانية في 2022 و2023 و2024 و2025، وأن الأغلبية الحالية رفضتها. لذلك يُقدَّم تكرار الخصوم لبعض العناوين نفسها عشية 23 شتنبر بوصفه «تضليلاً».
النداء الختامي صريح: المعاقبة في الصندوق واجب وطني، والتصويت لبرنامج يربط المسؤولية بالمحاسبة والأرقام بالواقع.
من زاوية التحليل الاقتصادي، القيمة المضافة لمخطط جرادة ليست في اكتشاف أن الريع يفسد المنافسة أو أن هامش التوزيع يبتلع ثمن البصل. القيمة في محاولة مَأسسة هذه التشخيصات: واجب التبليغ، مقارنة الذمم، عقود مشروطة، آجال ملزمة، وتشغيل يُرفع إلى مرتبة مؤشر سيادي. الضعف المحتمل هو المألوف أيضاً: أهداف سيادية أعلى من الطاقة الإنتاجية الراهنة، وغلاف مالي ضخم دون مسار واضح لتمويله، ومراهنة على أن القانون يكفي حيث فشلت الممارسة.
في 23 شتنبر، لن يصوّت الناخب على جداول هوامش الطماطم. سيصوّت على ما إذا كان لا يزال يصدق أن حزباً يعد بالانتقال من الفلكلور الرقابي إلى المؤسسة القانونية قادر على فرض ذلك داخل جهاز الدولة.
الأرقام، على الأقل، وُضعت هذه المرة على الطاولة. المتبقي هو الاختبار الأصعب في الاقتصاد السياسي المغربي: تحويل الرقم إلى أثر، والأثر إلى سعر وفرصة شغل يمكن قياسها خارج الموسم الانتخابي.
تحياتي – عبدالعالي الجابري






قم بكتابة اول تعليق