دعاني الدكتور عبد الله هامل دعوة شخصية. وكيل لائحة المصباح بوجدة، بلا بروتوكول ثقيل وبلا «تعالَ لتصفق». قال ما يشبه: اسمع، ثم اكتب إن قدرت أن تخرج من القاعة دون أن يغسل الخطاب رأسك.
قبلت. ليس حبًّا جاهزًا في المصباح ولا بغضًا معلّبًا للحكومة الثلاثية، بل لأن وجدة في شتنبر 2026 مختبر مكشوف: حدود، غبار، شباب يحدّقون نحو فنيدق، وجدران ملطخة بوعود كأنها إعلانات دواء زائف.
دخلت اللقاء وأنا أحمل الشك كعادة. خرجت وأنا أحمل شيئًا أسوأ: الشعور. وهذا ما أكتبه. لا محضر حياد — فالحياد في تلك القاعة كان سيبدو جبنًا أنيقًا — بل ما انتابني وأنا أجلس بين وجوه تتذكر «حالة الاستثناء» سنة 1994 كأنها أمس، فيما عبد العزيز أفتاتي يتقدم ليفعل ما يجيده منذ تحوّل الكيميائي إلى نائب والنائب إلى نذير: أن يحوّل القاعة إلى محكمة، والحكومة إلى متهم، والانتخابات إلى مطالبة باسترداد أمانة قيل إنها ضاعت سنة 2021.
الباب، الصفوف، والهواء الذي كان يتنفّس غضبًا قديمًا
في مواسم كهذه التصفيق أرخص من الشاي. القاعة مكتظة بوجوه قديمة بما يكفي لتعرف أن «السنين العجاف» بعد 2021 ليست استعارة، بل طعم فم في الصباح. المقرئ الإدريسي أبو زيد على المنبر. أفتاتي يخطو خطوة الرجل الذي لا يأتي ليشرح برنامجًا، بل ليطرد او يحضر أرواحًا. الأرواح اسمها الثقة، والناتج الداخلي الخام، والمدرسة العمومية، والمستشفى، وعيد الأضحى الذي انقلب سوقًا للوسطاء، والسيارة «المغربية» التي وُلدت كاختراع وزاري ثم اكتُشف — حسب ما سُكب فوق رؤوسنا — أن جيناتها صينية-تونسية تتنكر في علم وطني.
ما انتابني أولًا لم يكن الاقتناع. كان الثقل. ثقل مدينة حدودية تُطلب منها الحماسة بينما شبابها يحسبون المسافة إلى سياج. وجدة في شتنبر ليست مدينة. وجدة حالة طقس.
وبين الصفوف، أقرب إلى الهامش من إلى الرئاسة، كان فنان قادم من مراكش. لم يكن اسمه على اللافتة. لم يكن يحتاج لافتة. بعض الجمل لا تخرج من فم السياسي لأنها أوسخ من أن تصلح لملصق، فتحتاج حنجرة أخرى.
المهزلة التي لم تغادر القاعة منذ 2021
السرد بدأ من الجرح نفسه. نكسة 2021. مهندسو المهزلة. الحكومة الثلاثية بوصفها مشروعًا افتراسيًا لا مجرد أغلبية فازت بصناديق قيل عنها كل شيء إلا أنها كانت بريئة. أفتاتي لا يناقش الخصم كما يُناقش برنامج. هو يشرّحه كما تُشرَّح جثة في مختبر، ثم يرفع الأحشاء: تنازع المصالح، سحب قوانين مكافحة الفساد ليلة التنصيب، التعليم وقد تُرك للمدرسة الخاصة كمن يسلم المريض لمشغل الجنازة.
جلست أستمع وأشعر بانقسام لئيم. جزء منّي يقول: هذا صوت ناسٍ تعبوا من أن يُعامل عيشهم كحاشية في بلاغ النمو. وجزء آخر يقول: هذه مانوية انتخابية كاملة الدسم، نحن القديسون وهم الوحش، وكل تاريخ التدبير يُغسل حتى يصير أبيض كقميص الجمعة.
علما ان المانوية أصلًا عقيدة قديمة (نسبة إلى ماني) تقسم الوجود قسمين لا ثالث لهما: نور/ظلام، خير مطلق/شر مطلق. لا منطقة رمادية، ولا خلط، ولا أن يكون الطرفان معيبين معًا بدرجات. استعملها هنا في سياق : مانوية انتخابية تعني إسقاط هذا التقسيم على الحملة: نحن = المشروع النظيف، الدولة الوطنية، القداسة السياسية، هم = الافتراس، المافيا، الذئاب، الانحراف…
لكن القاعة لم تكن تتبنى تدقيقي النظري. القاعة كانت تريد دمًا رمزيًا. أفتاتي يقدمه ساخنًا. حين قال إن الشباب لم يعودوا يحلمون بوظيفة بل بفنيدق، أحسست أن الجملة أصابت العظم.
يمكن للاقتصاديين أن يتجادلوا حول نسب النمو حتى الصباح. المُنهَك على السياج لا يقرأ النشرات. هذه ليست فكرة حزب. هذه رائحة مدينة، وكنت أشمّها وأنا جالس بينهم.
المؤشر، ثم الجملة التي لم يقلها أفتاتي
أفتاتي حوّل «المؤشر» إلى مرض اجتماعي يلاحق المواطن حتى في نومه. المغربي — في كلامه — يخشى تحسن حاله أو فتح نشاط صغير، لا حبًّا في البؤس، بل خوفًا من أن يُشطَب من وهم الدعم.
الفجوة جاءت كلكمة: عشرة في المائة يبتلعون ستين في المائة من الثروة، والباقي يتغذى على بيانات الناتج كما يتغذى المدمن على بيان صحفي. تضخم «مفتعل»، مديونية، وتآكل الدخل الحقيقي رغم ابتسامات النمو.
هذا كان أفتاتي: تشخيص، اتهام، أرقام، وغضب يلبس لغة المحاسبة.
أما الجملة التي علقت في حلقي طول الليل فلم تخرج من فمه.
قالها الفنان المراكشي، بجفاف من اعتاد أن يرى الدولة لا كمؤسسة بل ككائن. قال ما معناه أن الدولة ليست مؤسسة، بل حيوانًا كبيرًا يحلب مواطنيه ثم يعيد إليهم الكأس ممزوجًا بسيروب أخضر كي يظلوا مبتهجين بوهم الدعم. البقرة هي الشعب. السطول في مكان آخر. الكأس يُعاد إلينا بلون تفاؤلي رخيص، بينما الفوسفات والمعادن والمقدرات تُحمَّل في الغرفة المجاورة.
ما انتابني لم يكن إعجابًا خطابيًا بأفتاتي في تلك اللحظة. كان اصطدام حنجرتين في قاعة واحدة: السياسي يريد محكمة، والفنان يريد صورة. المحكمة تحتاج أدلة. الصورة تحتاج أن تؤلم فورًا. والصورة آلمت. غثيان من يعرف أن الاستعارة مبالغ فيها… وأن المبالغة تلامس عصبًا حقيقيًا. الخوف من الصعود الاجتماعي كي لا تسقط من اللائحة أبشع من رقم تضخم. إنه إعلان وفاة الطبقة الوسطى وهي ما تزال تتنفّس.
ضحكت القاعة ضحكة مرة. أفتاتي كان قد مهّد للأرض. الفنان دفن فيها السكين. وأنا، بين هامل الذي دعاني وبين المنبر الذي كان يغلي، شعرت أن أصدق ما قيل تلك الليلة لم يكن بالضرورة أكثره قابلية للبرنامج الانتخابي.
جدول الإسكوبارات: حين يصير المنبر نشرة جرائم
أفتاتي يحب الأرقام لأنها تُسمع كطلقات. سبعة عشر مليارًا في المحروقات بين 2016 و2017. غرامات 1.83 مليار «لم توقف الجشع». أربعمائة طن ممنوعات تُلصق بـ«إسكوبار الصحراء» وبشبكات قيل إنها موّلت 2021 واخترقت الجهات والبرلمان. وزير — من المنبر، بلا ارتجاف — يملك عشرة ملايين درهم كاش في البيت. ثلاثة عشر مليارًا لـ273 فراقشيًا. تزكية المقعد بين خمسمائة وسبعمائة مليون.
أكتب هذا الآن وأنا أسمع بعدُ وقع الأرقام في الصدر، لا في الدفتر. القاعة كانت تهمس «أخيرًا يقولها». أنا كنت أهمس لنفسي شيئًا أقل بطولة: هذه إما وثائق تنتظر قاضيًا، وإما وقود حملة ينتظر صناديق. المسافة بين الهمستين هي المسافة بين المحكمة والكرنفال.
«حزب الإسكوبارات». «سوق النخاسة». «تجار الانتخابات». اللغة سلاح أبيض. أحسست بلذة خطرة، لذة الاستماع إلى رجل يقرر أن البلاد قاعة محكمة شعبية وأنه المدعي العام والجلاد الرمزي معًا.
ثم أحسست بالخوف من اللذة نفسها. الغضب غير المسلح بالملفات يتحول بعد 23 شتنبر إلى صداع، ثم إلى عزوف جديد يقتات عليه بالضبط أولئك التجار الذين كان الخطيب يبصق أسماءهم.
هامل كان هادئًا بطريقة الأساتذة الجامعيين. الدعوة جاءت منه، لكن الوجه لم يكن وجه زفة. بدا كمن يدير غرفة عمليات لا مهرجانًا. هذا الهدوء جعل هجوم أفتاتي يبدو أحدّ.
أبو زيد، إلى جوار ذلك الهدوء وتلك الحدّة، كان شيئًا ثالثًا: الأستاذ الذي لا يرفع الملف بل يرفع المعنى. لم يكن يشرّح كأفتاتي ولا ينظّم كهامل؛ كان يُلبِس الليلة ثوبًا. يتكلم عن الدولة الوطنية، ونظافة اليد، وهيئة تزكية ترفض الولاءات، وميزانيات مطارات وطرق وموانئ «دون حالة فساد واحدة»، فيحوّل الغضب من نشرة جرائم إلى قضية أمانة. صوته أقرب إلى درس منه إلى هتاف: فصيح، أخلاقي، يمنح الثنائية صكًّا كأن المعركة لم تعد بين أحزاب بل بين هوية تُصان وافتراس يزحف.
إن كان هامل يضبط الإيقاع وأفتاتي يفتح الجرح، فأبو زيد يضمّد الجرح بالرواية: نحن مشروع، وهم انحراف.
وعلى الهامش، كان المراكشي قد قال جملته ومضى في صمته كمن يرمي عود ثقاب ويتنحّى.
التناقض بين الأربعة — المنظم، والرامبج، وواعظ الدولة، والفنان — هو ما جعل اللقاء قابل للتصديق كعرض حي، لا كبيان واحد مصقول.
السيارة المسروقة، العيد، والمدرسة… وما فعلته بي السخرية
الفلاحة في خطاب أفتاتي إعفاء عمره ستون عامًا لكبار الملاك، وقفة مواطن فارغة، وعيد يذهب خروفه إلى الوسطاء. الصناعة سيارة تُسوَّق كمعجزة ثم تُفضح كتصميم متنكر. الخدمات مستشفى ومدرسة يُدفع الناس منهما إلى مخالب القطاع الخاص.
ضحكت مع القاعة حين سُحقت أسطورة السيارة. ضحكة قصيرة، خائنة، من النوع الذي يعترف أن البروباغندا صارت أحيانًا فوتوشوبًا بموازنة عامة. ثم توقفت. السخرية سهلة على الكرسي. أصعب منها أن تتذكر أن المصنع إن وُجد والوهم إن وُجد كلاهما يُدفع ثمنهما من الجيب نفسه.
ما انتابني في هذا المقطع كان مزيجًا قذرًا من الشماتة والتعب. الشماتة من الانتفاخ الوزاري. والتعب من أن كل إخفاق عندنا يُروى كمؤامرة مكتملة الأركان، حتى حين يكون أيضًا سوء تدبير، وعجزًا، وابتذالًا. أفتاتي لا يحب المنطقة الرمادية. المنطقة الرمادية لا تُصفَّق. وأنا، تلك الليلة، وجدت نفسي أوقع على الاستعارة — استعارة المراكشي أكثر من شعارات المنبر — وأرفض أن أوقّع على الخريطة كاملة.
القديسون والذئاب، أو اللحظة التي شعرت فيها بالخيانة اللطيفة
ثم جاء التقسيم الذي يعشقه كل خطيب يحارب الزمن: نحن مشروع الدولة الوطنية، النزاهة، اليد النظيفة، هيئة تزكية ترفض الولاءات. هم الافتراس الليبرالي، الدولة العميقة، ترشيح الأبناء والزوجات والأصهار، تحالف الذياب والكلاب على الغنيمة، والطريق إلى الحائط.
أبو زيد رفع ميزانيات المطارات والطرق والموانئ «دون حالة فساد واحدة». القاعة صدّقت كما تُصدَّق أسطورة تأسيس في ليلة باردة. أنا شعرت بما يشبه الخيانة اللطيفة: خيانة للقاعة إن قلت إن الجملة أكبر من الحياة، وخيانة لنفسي إن ابتلعتها كما هي.
حزب المصباح حكم، وشارك، وساوم، ودفع أثمانًا، وتلقى صفعة 2021 التي لم تكن مجرد تزوير كوني ولا عقابًا إلهيًا صافيًا؛ كانت أيضًا حاصل إرهاق شعبي من طبقة سياسية كاملة، بما فيها من لبسوا قميص الإصلاح حتى ابيضّ من كثرة الغسيل.
أفتاتي يعرف هذا، أو ينبغي أن يعرف. لكنه اختار دور الناجي الأخلاقي. اعتقد انه اختار الدور الذي يناسبه ها هنا والان. ليس بيروقراطي حزب لطيف. هو الكيميائي القادم من خنيفرة، النائب القديم عن هذه الدائرة، الرجل الذي يحب الحريق الصغير داخل تنظيم يفضّل الانضباط. لذلك كان خطابه امس صادرًا عن مزاج جناح أكثر مما هو صادر عن بيان مغسول.
وشعرت، وأنا أستمع، أن هامل دعاني، وغيري، لنرى ونسمع هذا المزاج لا لنقدّسه.
«سنلاحقكم»: أجمل تهديد في الموسم وأهشه
العقيدة الختامية لم تكن برنامجًا. كانت جملة أفتاتية بامتياز: سنلاحقكم.
ثلاثة مقاطع، كأنها وشم على معصم الحملة. الملاحقة كدين سياسي لن يتوقف بعد إعلان النتائج. 23 شتنبر ليس اقتراعًا. هو تصحيح انحراف بدأ قبل خمس سنوات. الناخب مدعو لاستعادة روح 1994 الوجدية: الوفاء، ورفض هيمنة النخب، وقطع الطريق على من يعيشون على العزوف كما يعيش البعوض على الدم الراكد.
ما انتابني عند الخاتمة كان أخطر من الحماس. كان الإغراء. إغراء أن أصدّق أن صندوقًا واحدًا يكفي لذبح الريع، وأن المطاردة رومانسية بما يكفي لتعويض غياب التفاصيل المملة: القضاء، الضريبة على غير المحميين، منع بيع المقعد كما تُباع البغلة، ومؤشر إن وُجد فلا يتحول إلى رقيب على حياة الناس.
المطاردة رومانسية. المطاردة أيضًا، في بلدان تعرف كيف تبتلع المطاردين، قد تنتهي بملف في درج أو بخطاب جديد بعد خمس سنوات عن السنين العجاف التالية.
خرجت إلى هواء وجدة وأنا أحمل جملتين لا تنتميان لشخص واحد: «سنلاحقكم» من المنبر، والكأس الممزوج بالسيروب الأخضر من حنجرة مراكشية. السياسي يعد بالملاحقة. والفنان يصف الإسطبل. وأنا، الذي دعاه هامل ليسمع، كنت أعرف أي الجملتين ستعيش أطول في الرأس بعد أن تُطوى اللافتات.
في الخارج، بعد أن هدأت مكبرات الصوت
الشارع بعد اللقاء كان أصدق من القاعة. لا تصفيق، لا إسكوبارات، لا سيارة وطنية. فقط مدينة تتهيأ لصناديق 23 شتنبر كما تتهيأ لموجة حر: بمعرفة أن شيئًا سيحدث، وبشكّ قديم أنه لن يكفي.
أفتاتي لمس العصب الصحيح: الريع، تنازع المصالح، تحقير العيش اليومي، تحويل السياسة إلى تجارة مقاعد، والمؤشر حين يصير فخًّا لا شبكة أمان. هذا العصب حقيقي. الكهرباء التي مرّرها في القاعة حقيقية. شعرت بها في الجلد. أما الصورة الأعنف تلك الليلة — الحيوان الذي يحلب ثم يسكر الحليب بسيروب أخضر — فليست من معجمه. هي من معجم فنان جاء من مراكش وقال ما لا يليق عادة بورقة موقف حزبية، لأنه أوسخ وأدق وأقل قابلية للتفاوض.
الهلوسة النبيلة تبقى هي نفسها، أن تُسترد أمانة كاملة في صندوق واحد ليلة 23. الهلوسات كهذه يعيش عليها الموسم، ثم يستيقظ الناس فيجدون السطول في مكانها:
- إن فاز الغضب فسيكون لأفتاتي ولمن معه شرف التعبير عنه بصوت عالٍ في مدينة الحدود.
- وإن لم يفز — وهذا الاحتمال يسكن كل خطاب صادق رغم ضجيجه — فسنحصل على نسخة محدّثة من السنين العجاف، مع المؤشر نفسه، ومع الكأس نفسه.
هامل دعاني لأسمع. سمعت السياسي وهو يفتح ملف المطاردة، وسمعت الفنان وهو يسمّي الحليب باسمه. وما انتابني ليس انتماءً ولا براءة. ما انتابني اشمئزاز من الوحش الذي وُصف على المنبر، واشمئزاز موازٍ من سهولة أن نصير قديسين لمجرد أن الخصم بدا ذئبًا.
الوحش موجود. لكن الوحش لا يُذبح بثنائية لصوص وقديسين فقط، ولا بجملة واحدة مهما كانت جميلة. يُذبح — إن كان للذبح معنى هنا — بالتفاصيل التي يكرهها الخطباء ويحتاجها العيش.
وأنا لبيت الدعوة الشخصية، لكنني خرجت بمعدة مقلوبة، شكرا استاذ الهامل… وجملتين في الجيب: واحدة تصلح شعارًا، وواحدة تصلح كابوسًا. الكابوس، كالعادة، كان أصدق.
تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق