حملة في قاعة الاجتماعات… وزير الميزانية يعرض برنامج حزبه على أرباب العمل في أول أيام السباق إلى البرلمان

في صباح الخميس، وبينما كانت الملصقات تُعلَّق على الجدران في مختلف المدن، جلس فوزي لقجع في مقر الاتحاد العام لمقاولات المغرب، لا في ساحة عامة ولا أمام أنصار يهتفون باسم حزبه. أمامه ممثلو الهيئة التي تتحدث باسم المقاولة المغربية.

بين يديه برنامج انتخابي من ست وأربعين صفحة، وخلفه — كما قال — نحو ألف ومئتي صفحة من النمذجة والمحاكاة والدراسات.

كان ذلك أول أيام الحملة الرسمية لانتخابات 23 شتنبر. والرجل الذي تحدّث نحو ثلاث ساعات ليس مرشحاً في دائرة، بل وزير منتدب مكلف بالميزانية، وعضو في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة. قال إن القطاع الخاص قاطرة التنمية، وإن الدولة ينبغي أن تخدم الاستثمار لا أن تتعامل مع المقاولة «بمنطق شعبوي»، وإن ورش إدماج الاقتصاد غير المهيكل سيبدأ مع قانون مالية 2027، وإن الضغط الضريبي على المقاولة يجب ألا يُرفع.

ثم وعد بأن الوثائق التفصيلية ستُرسل، في يومين أو ثلاثة، إلى الأحزاب السياسية… وإلى الاتحاد نفسه.

في السياسة المغربية، نزول الوزراء إلى الحملة أمر مألوف. غير مألوف أن تتحول هيئة مهنية، طالما قدّمت نفسها مخاطَباً لكل الحكومات، إلى أول منصة علنية لعرض خريطة ما بعد صناديق الاقتراع.

قاعة ليست إدارة… ووزير ليس مواطناً عادياً

القانون الانتخابي المغربي يمنع الحملة داخل الإدارات العمومية وأماكن العبادة والتعليم، ويحظر تسخير وسائل الدولة، ويعاقب الموظف الذي يستغل مهامه لاستمالة الناخبين. مقر الاتحاد ليس وزارة. والوزير، بصفته قيادياً حزبياً، يملك حق الدعاية لبرنامجه.

هذه هي الحجة الشكلية. لكنها لا تغلق السؤال.

فبين يدي وزير الميزانية أرقام لا يملكها منافسوه بالكثافة نفسها: ارتفاع الاستثمار العمومي بنحو 110 مليارات درهم، شبكة طرق سيارة تقارب 1800 كيلومتر، دعم ميزانياتي بـ280 مليار درهم، ميزانية للصحة انتقلت من 19 إلى 40 ملياراً، وأخرى للتعليم من 58 إلى 97. تحدث عن سبعة ملايين مستفيد من الحماية الاجتماعية، وعن 2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والشغل، وعن بطالة تبلغ 27.2 في المائة في الفئة بين 15 و24 سنة.

هذه معطيات دولة. وُضعت، في اليوم نفسه، في خدمة عرض حزبي.

الدستور يُلزم أعوان المرافق العمومية بالحياد والنزاهة والمصلحة العامة. القانون لا يمنع الوزير من الكلام. غير أنه يفترض فصلاً واضحاً بين حصيلة الدولة ووعد الحزب. في القاعة، بدا الخط رفيعاً إلى حد التلاشي: قانون مالية مقبل، التزام ضريبي مشروط بالفوز، وطلب شراكة تنفيذية من الباطرونا.

رئيس الاتحاد، المهدي التازي، لم يكتفِ بالاستماع. قال إن نحو تسعين في المائة من النقاط التي نوقشت صباحاً حاضرة في خطاب التقديم.

في لغة الهيئات المهنية، هذا أكثر من مجاملة. إنه شبه تصديق.

السباق الحقيقي ليس على الملصق وحده

خلف الأرقام يوجد سباق آخر. حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار شريكان في الحكومة المنتهية ولايتها، ومتنافسان على المرتبة الأولى، وبالتالي على رئاسة الحكومة وفق قاعدة الحزب المتصدر.

في اليوم ذاته، كان عزيز أخنوش، رئيس الحكومة وأمين عام التجمع السابق، ينتقد تحويل أوراش الدولة إلى مادة مزايدة انتخابية، ويطالب بعدم تقديم مشاريع المملكة وكأنها ثمرة مجهود شخصي أو حزبي. الرسالة لم تكن بحاجة إلى اسم. الاسم كان حاضراً في الدار البيضاء.

لقجع يقول إنه لا يشتغل بالشعارات، وإنه ليس مرشحاً، وإن ما يهمه هو أن يتقدم المغرب. غير أن التقدم، في أسبوع الحملة، يُقاس أيضاً بمن يجلس في أي قاعة، وبأي صفة، وأمام من.

الاتحاد بدوره يحمل تاريخاً من ادعاء الحياد. قبل سنوات قليلة، ذهب إلى حد تقييد تولي مسؤولياته القيادية على من ينتمون إلى أجهزة حزبية تقريرية، بدعوى أن المنظمة غير سياسية. استقبال برنامج حزب واحد، في مقره، مع إعلان شبه تطابق في معظم النقاط، لا يلغي النصوص الداخلية. لكنه يُضعف الرواية التي قامت عليها.

يمكن، بطبيعة الحال، الدفاع عن اللقاء. المقاولة معنية بالضريبة والحماية الاجتماعية والقطاع غير المنظم. الاتحاد مخاطَب طبيعي لأي عرض اقتصادي يدّعي الجدية. هذا الدفاع يقوى إذا فُتحت القاعة لسائر الأحزاب بالشروط نفسها، ويضعف إذا بقي الامتياز لمن يملك مفاتيح قانون المالية.

ما الذي قد يتغيّر بعد 23 شتنبر

من غير المرجّح أن يحسم اجتماع في مقر الباطرونا بمفرده توزيع 395 مقعداً. الناخب العادي لا يصوت انطلاقاً من محاكاة من ألف ومئتي صفحة. غير أن الانتخابات لا تُختصر في المقعد.

اللقاء يكرّس فكرة أن جزءاً من المعركة يُخاض بعيداً عن الساحات: في غرف التفاوض مع من يملكون الاستثمار والتشغيل والقدرة على تمويل السياسة أو مقاطعتها. ويعيد طرح سؤال تكافؤ الفرص في صيغة جديدة. حزب صغير يستطيع أن يرسل برنامجه إلى الاتحاد. لا يستطيع أن يدخل بدفتر الدولة.

أما الاتحاد، فقد وضع نفسه أمام اختبار يتجاوز اللباقة المؤسساتية. أعضاؤه ليسوا كتلة واحدة. منهم من يرحب بوعد عدم رفع الضغط الضريبي وهيكلة القطاع غير المنظم. ومنهم من يخشى كلفة الإدماج والحماية الاجتماعية وإعادة ترتيب مسالك التوزيع. ومنهم من ينتمي، صراحة أو ضمناً، إلى حسابات حزبية مختلفة، وسينظر إلى «التقارب» بوصفه اصطفافاً مبكراً.

إذا تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة، سيُقال إن الهيئة قرأت الخريطة في وقتها.

إذا تصدّر غيره، سيُطلب من الاتحاد أن يستعيد مسافة فقدها في ثلاثة أيام.

في الحالتين، رأسماله الأثمن ليس الدراسات. هو قدرته على الجلوس أمام أي حكومة بوصفه ممثلاً للمقاولة، لا شاهداً على حملة.

في المغرب، كثيراً ما تُحسم الحدود بعد أن تُتجاوز. القانون قد لا يجد في اللقاء جريمة جاهزة. السياسة وجدت فيه سابقة.

والسؤال الذي سيبقى معلقاً حتى ما بعد إعلان النتائج أبسط مما يبدو: هل صار مقر أرباب العمل جزءاً من روزنامة الحملة، أم كان ذلك صباحاً واحداً في شتنبر، قبل أن تعود الهيئة إلى ما كانت تسميه حياداً؟

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*