بين القناعة وإغراء السلطة: سؤال الترحال السياسي في المغرب.

الدكتور ياسين عزاوي : مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة.

ليس الترحال السياسي في المغرب ظاهرة وليدة هذه اللحظة، ولا مجرد سلوك انتخابي عابر يظهر كلما اقترب موعد الاقتراع، وإنما هو ظاهرة رافقت الحياة الحزبية المغربية في مراحل مختلفة، وظلت تطرح سؤالاً يتجاوز حدود الانتماء الحزبي إلى معنى السياسة ذاتها: متى يكون انتقال السياسي من حزب إلى آخر تعبيراً عن مراجعة حقيقية للقناعة، ومتى يتحول إلى مجرد إعادة تموضع داخل خريطة المصالح والنفوذ؟ ومتى يكون الرحيل موقفاً سياسياً مشروعاً، ومتى يصبح الترحال عنواناً لأزمة أعمق في علاقة السياسي بالحزب، والحزب بالناخب، والناخب بالعملية الديمقراطية؟

في الأصل، ليس في السياسة ما يجعل الإنسان أسيراً أبدياً لحزبه. فالقناعة السياسية ليست سجناً، والانتماء الحزبي ليس عقداً يمنع صاحبه من مراجعة أفكاره ومواقفه. قد يكتشف السياسي أن الحزب الذي انتمى إليه لم يعد يعبر عن تصوراته، أو أن قيادته ابتعدت عن المبادئ التي حملها المشروع السياسي، أو أن تحولات المجتمع والدولة فرضت عليه مراجعة مواقفه. وفي مثل هذه الحالات قد يكون الرحيل أكثر أخلاقية من البقاء، وقد تكون مغادرة الحزب وفاءً للقناعة لا خيانة لها.لكن السياسة لا تختزل في دائرة ما يسمح به القانون. فهناك دائماً مساحة أخرى أكثر دقة تسكنها الأخلاق السياسية، حيث لا يكفي أن نسأل: هل يحق لهذا الشخص أن ينتقل؟ وإنما ينبغي أن نسأل أيضاً: لماذا انتقل؟ ومتى انتقل؟ وماذا وجد في الحزب الجديد ولم يجده في الحزب القديم؟ وهل سبقت الانتقال مراجعة فكرية وسياسية حقيقية، أم أن القناعة الجديدة ولدت في اللحظة نفسها التي بدأت فيها مفاوضات التزكيات؟فليس كل انتقال سياسياً بالمعنى العميق للكلمة. هناك انتقال من مشروع إلى مشروع، وهناك انتقال من فرصة إلى فرصة. هناك من يغادر لأنه لم يعد يؤمن بما يدافع عنه، وهناك من يغادر لأن الحزب لم يعد يمنحه الموقع الذي يريده. الأول يمكن أن يكون تعبيراً عن الشجاعة، والثاني قد لا يكون أكثر من حساب انتخابي أعيدت صياغته بلغة سياسية.وهنا يصبح التوقيت عنصراً لا يمكن تجاهله.

فالزمن في السياسة ليس محايداً. قد يكون الرحيل قبل سنوات من الانتخابات تعبيراً عن قطيعة فكرية وسياسية، أما الرحيل في الأسابيع أو الأشهر الأخيرة التي تسبق الاستحقاق الانتخابي، وفي اللحظة التي تصبح فيها التزكية هي القضية المركزية، فإنه يضع الانتقال أمام سؤال مختلف تماماً: هل تغيرت القناعة، أم تغيرت فقط شروط الوصول إلى المقعد؟وهذا السؤال يكتسب راهنيته اليوم بصورة أكبر، لأن المغرب يقف على أعتاب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، فيما حددت الفترة الرسمية لإيداع الترشيحات من 31 غشت إلى 8 شتنبر، والحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر.

وهذه المسافة الزمنية القصيرة بين اللحظة التي تتشكل فيها التزكيات وبين لحظة توجه المواطن إلى صندوق الاقتراع تجعل كل انتقال سياسي في هذه المرحلة قابلاً لأن يُقرأ ليس فقط باعتباره اختياراً فردياً، وإنما باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ.

لكن المفارقة الكبرى أن هذه الحركة لا تجري فقط بين الأغلبية والمعارضة، وإنما في قلب الأغلبية الحكومية نفسها. فالتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة ليسا مجرد حزبين متنافسين في الساحة الانتخابية، وإنما هما شريكان في الائتلاف الحكومي الحالي، تحملا معاً مسؤولية تدبير المرحلة، وشاركا في صناعة عدد من القرارات والسياسات والبرامج العمومية.

غير أن الشراكة في تدبير السلطة لا تلغي التنافس على السلطة، والجلوس حول الطاولة الحكومية نفسها لا يعني أن الطرفين لا يتنافسان في الوقت ذاته على من ستكون له الكلمة الأقوى في ترتيب موازين المرحلة المقبلة.ومن هنا يتحول استقطاب المنتخبين والمرشحين إلى ما هو أبعد من مجرد انتقال فردي. فالسياسي لا يحمل معه اسمه فقط، وإنما يحمل رصيداً انتخابياً وشبكة من العلاقات والنفوذ المحلي والقدرة على التأثير. ولذلك فإن انتقال المنتخب من حزب إلى آخر، خصوصاً في الأشواط الأخيرة السابقة للانتخابات، يمكن أن يتحول إلى جزء من معركة إعادة توزيع القوة بين الأحزاب.

وهذا هو السياق الذي ينبغي أن نفهم في إطاره الصراع الأخير بين مكونات الأغلبية، والذي لم يعد مجرد اختلاف عابر بين حليفين، وإنما أخذ شكل مواجهة سياسية ساخنة حول الاستقطاب والتزكيات وموازين النفوذ. وقد ساهم التسجيل الصوتي المتداول والمنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، في نقل جانب من هذا الصراع من الكواليس إلى الفضاء العمومي.ومن الضروري، من باب الموضوعية، التمييز بين مضمون تسجيل متداول وبين وقائع ثابتة قانوناً، فلا ينبغي تحويل ما ورد فيه إلى حقائق قضائية نهائية قبل التحقق منها. لكن قيمة النقاش الذي أثاره لا تتوقف على حسم كل جزئية من جزئياته، وإنما تكمن في الأسئلة السياسية والأخلاقية التي أعاد طرحها على الساحة.

فوفق ما أوردته وسائل إعلام عن مضمون التسجيل، تحدث الطالبي العلمي عن موقف من استوزار فوزي لقجع في الحكومة المقبلة، كما استحضر، في سياق حديثه، رواية مفادها أن سعد الدين العثماني كان قد وضع «فيتو» على استوزاره في حكومته السابقة.وهنا تظهر المفارقة السياسية التي تستحق التأمل: هل يجوز وضع الحالتين في السياق نفسه؟ وهل التفاوض حول أسماء الوزراء في مرحلة تشكيل الحكومة بعد الانتخابات هو نفسه الحديث عن توزيع الحقائب والأسماء قبل أن يقول الناخب كلمته؟الجواب، في تقديري، ينبغي أن يكون واضحاً.فهناك فرق سياسي ودستوري عميق بين مفاوضات تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية بعد الانتخابات، وبين الحديث عن هذه الحقائب وتوزيعها قبل الانتخابات أو أثناء الحملة الانتخابية.

ففي الحالة الأولى يكون الناخب قد قال كلمته، وتكون الخريطة البرلمانية قد تشكلت، وتكون موازين القوى قد أصبحت معلومة، فيدخل الفاعلون السياسيون في مفاوضات تستند إلى واقع انتخابي قائم. ويصبح من الطبيعي، في هذه المرحلة، أن تتفاوض الأحزاب حول رئاسة الحكومة والتحالفات والحقائب والأسماء، كل بحسب وزنه السياسي وما أفرزته صناديق الاقتراع.أما أن يبدأ هذا التفاوض قبل أن يفتح الناخب صندوق الاقتراع، وأن يصبح الحديث عن من سيحصل على هذه الوزارة ومن سيُحرم من تلك، ومن سيكون داخل الحكومة ومن سيبقى خارجها، جزءاً من الحسابات السياسية أثناء الحملة أو في الأيام السابقة عليها، فهنا ينقلب ترتيب الأشياء: يصبح التفاوض على السلطة سابقاً على إنتاج الشرعية التي تمنح حق التفاوض عليها.إن الفرق بين الحالتين ليس فرقاً في التوقيت فحسب، وإنما هو فرق في مصدر المشروعية. ففي الحالة الأولى تأتي المفاوضة بعد التفويض، أما في الثانية فتبدو المفاوضة وكأنها تستبق التفويض وتفترض نتيجته.

ومن هذه الزاوية تحديداً، فإن استحضار تجربة سعد الدين العثماني، كما رواها رشيد الطالبي العلمي في التسجيل المتداول، لا يستقيم إلا بوضعها في سياقها السياسي.

فإذا صح، وفق الرواية التي قدمها الطالبي العلمي، أن العثماني اشترط عدم استوزاره، فإن الحديث عن ذلك كان مرتبطاً بمرحلة تشكيل الحكومة بعد انتخابات أفرزت موازين القوى، وبعد أن أصبح العثماني رئيساً للحكومة مكلفاً بتشكيلها. أما أن يتحدث فاعل حزبي، قبل الانتخابات أو في أجوائها، عن من سيحظى بوزارة ومن سيُحرم منها، ومن سيكون داخل الحكومة ومن لن يكون، فالسؤال هنا ليس قانونياً فقط، وإنما ديمقراطي وفلسفي: بأي منطق يتم اقتسام السلطة قبل أن يخوض أصحابها معركة الاقتراع؟فمفاوضات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات هي مفاوضات تستند إلى شرعية انتخابية تحققت بالفعل، أما مفاوضات توزيع الحقائب قبل الانتخابات فهي، إذا اتخذت طابعاً تقريرياً، تفترض شرعية لم يمنحها الناخب بعد.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الفصل 47 من الدستور المغربي، الذي يجعل تعيين رئيس الحكومة مرتبطاً بنتائج انتخابات مجلس النواب، ويجعل الحزب المتصدر للانتخابات صاحب موقع دستوري وسياسي متميز في مسار تشكيل الحكومة.

فالوزن التفاوضي للأحزاب لا يصنعه الحزب لنفسه، وإنما تمنحه له صناديق الاقتراع.ومن ثم فإن الحديث عن اقتسام الحقائب قبل الانتخابات، إذا اتخذ صورة التعامل مع النتائج وكأنها محسومة، يضع السياسة أمام مفارقة عميقة: هل نحن بصدد ديمقراطية تنتج فيها الانتخابات السلطة، أم سلطة تتصور نفسها أولاً ثم تنتظر من الانتخابات أن تمنحها غطاء الشرعية؟ هنا تحديداً يصبح السؤال أكثر من مجرد استعارة: هل يمكن أن تسبق السلطةُ الإرادةَ؟فالمشكلة ليست في أن يفكر السياسي في السلطة. السياسي الذي لا يريد السلطة ليس سياسياً بالمعنى الكامل. المشكلة في أن يتحول التفكير في السلطة إلى ما يشبه امتلاكها قبل أن تأتي لحظة التفويض.والأمر نفسه ينطبق على الترحال. حين ينتقل السياسي من حزب إلى آخر بحثاً عن مشروع جديد، فهو يمارس حقاً سياسياً. وحين ينتقل لأنه يريد خدمة برنامج يؤمن به، فهو يمارس قناعة.

لكن حين يصبح الانتقال جزءاً من سوق التزكيات، وحين تصبح الأحزاب في سباق على استقطاب القوة الانتخابية التي يمثلها بعض الأشخاص، فإننا نغادر تدريجياً فضاء السياسة إلى فضاء النفوذ.ولعل خصوصية المرحلة الحالية تكمن أيضاً في الفصل بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الجماعية، وما يمكن أن ينتج عنه من وضعيات سياسية مركبة. فقد نجد منتخباً محلياً حصل على تفويضه الجماعي باسم حزب معين، وما زال يحتفظ بموقعه داخل المؤسسة الترابية، لكنه يتجه إلى خوض الانتخابات التشريعية باسم حزب آخر.

هذه الوضعية ليست بالضرورة مخالفة للقانون، ولا يجوز إطلاق حكم قانوني عام عليها دون فحص كل حالة على حدة. لكنها تخلق، سياسياً وأخلاقياً، ما يمكن تسميته بـ«المنطقة الرمادية للتمثيل»: سياسي يحتفظ بآثار تفويض جماعي سابق، بينما يطلب تفويضاً تشريعياً جديداً تحت عنوان حزبي مختلف.

وهنا لا يكفي أن نقول إن الانتخابات الجماعية والتشريعية استحقاقان مختلفان. صحيح أنهما كذلك قانوناً ومؤسساتياً، لكن الإنسان السياسي واحد، ورصيده السياسي والاجتماعي والترابي لا ينقسم دائماً بالسهولة التي تنقسم بها المؤسسات في النصوص.

ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يملك الحق القانوني في الترشح، وإنما بمن يملك الحق الأخلاقي في أن يطلب من الناخب إعادة منحه الثقة بعد أن غير الإطار السياسي الذي كان جزءاً من الثقة السابقة.

إن القانون يستطيع أن ينظم الترشح، وأن يرتب آثاراً قانونية على حالات محددة من التخلي عن الانتماء السياسي. وقد جاء الدستور المغربي، من خلال الفصل 61، لمواجهة بعض صور الترحال البرلماني، حين رتب تجريد عضو أحد مجلسي البرلمان من صفته في حالة تخليه عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها.

لكن القانون، مهما كان دقيقاً، لا يستطيع أن يقيس صدق القناعة. القانون يستطيع أن ينظم السلوك، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى الضمير.

وهنا تبدأ الأخلاق.فقد يكون الانتقال مشروعاً من الناحية القانونية، لكنه يظل قابلاً للنقد السياسي إذا كان توقيته ودوافعه يوحيان بأنه ليس نتيجة لمراجعة سياسية وإنما نتيجة لمفاوضات حول المقعد أو التزكية.

ولهذا فإن السياسي الذي ينتقل من حزب إلى آخر قبيل الانتخابات مطالب، قبل أي جهة أخرى، بأن يجيب الرأي العام عن سؤال بسيط: ما الذي تغير في مشروعه السياسي؟ إذا كان الحزب الجديد أقرب إلى قناعته، فما الذي يجعله أقرب؟ وما الذي تغير في البرنامج؟ وما الذي تغير في التصور الاقتصادي والاجتماعي؟ وما الذي تغير في الموقف من السياسات العمومية؟ وما الذي جعل ما كان بالأمس مقبولاً في الحزب الأول يصبح اليوم غير مقبول؟ أما إذا لم يتغير شيء سوى اسم الحزب الذي سيمنحه التزكية، فإن المواطن من حقه أن يسأل: هل تغيرت القناعة فعلاً، أم تغير الموقع فقط؟وهنا لا يعود الترحال مجرد مسألة حزبية، وإنما يصبح مرآة لمدى نضج الثقافة الديمقراطية نفسها.

فالسياسة لا ينبغي أن تتحول إلى سوق انتقالات، ولا إلى سباق بين الأحزاب على امتلاك الأشخاص الأكثر قدرة على جلب الأصوات. لأن السياسي ليس لاعباً ينتقل من فريق إلى آخر، والمقعد البرلماني ليس قميصاً يمكن تغييره في منتصف الموسم، والناخب ليس مجرد جمهور ينتظر نتيجة المباراة.

السياسي يحمل معه تاريخاً من الثقة والوعود والعلاقات والبرامج، ولذلك فإن انتقاله ليس فعلاً شخصياً خالصاً كلما كان جزءاً من علاقة انتخابية سابقة.

ومن هنا، فإن الترحال السياسي يمكن أن يكون أحياناً تعبيراً عن شجاعة القناعة، لكنه يمكن أن يتحول في أحيان أخرى إلى صورة من صور الانتهازية حين يصبح الانتقال مرتبطاً بالتزكية والمقعد والموقع.

والفارق بين الحالتين لا تحدده أسماء الأحزاب، وإنما تحدده عناصر أربعة: السبب، والتوقيت، والصدق، والبرنامج.

فمن غادر حزباً لأنه لم يعد يؤمن بمشروعه، فليقل ذلك للناس.

ومن التحق بحزب جديد لأنه وجد فيه مشروعاً أفضل، فليشرح للناس ما هو هذا المشروع. ومن غير موقفه السياسي، فليكن شجاعاً في إعلان ذلك.أما أن يطلب من المواطن أن يصدق أن القناعة هي التي تغيرت، بينما كل المؤشرات تقول إن الذي تغير أولاً هو موقع التزكية، فهنا لا يعود السؤال قانونياً.إنه سؤال ضمير.وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الديمقراطية ليس أن يغير السياسي حزبه، وإنما أن يفقد المواطن القدرة على التمييز بين القناعة والمصلحة.فإذا لم يعد الناخب يعرف هل الذي أمامه رجل سياسة يحمل مشروعاً، أم مرشحاً يحمل تزكية، فإن الخطر لا يعود على حزب بعينه، وإنما على السياسة نفسها.

وحين يفقد المواطن ثقته في السياسة، لا يخسر السياسي وحده، ولا الحزب وحده، وإنما تخسر الديمقراطية جزءاً من روحها.ولذلك فإن تخليق الحياة السياسية المغربية لا يمكن أن يكون مجرد نصوص زجرية. القانون ضروري، لكنه ليس كافياً. لأن السياسة تحتاج إلى قانون يحمي المؤسسات، وإلى أخلاق تحمي المعنى.

نحتاج إلى ثقافة حزبية تجعل التزكية مسؤولية لا مكافأة، وتجعل الانتقال السياسي موقفاً يحتاج إلى تفسير لا صفقة تحتاج إلى كتمان، وتجعل المرشح ممثلاً لمشروع قبل أن يكون حاملاً لاسم، وتجعل المواطن شريكاً في السياسة لا مجرد هدف انتخابي.

فالانتخابات ليست خاتمة لمفاوضات جرت في الخفاء، وإنما هي البداية التي تمنح تلك المفاوضات معناها. والناخب ليس مجرد الحلقة الأخيرة في سلسلة سياسية تبدأ في المكاتب الحزبية، وإنما هو مصدر التفويض الذي تبدأ منه الشرعية كلها.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق انتخابات 2026 ليس فقط: من انتقل إلى أين؟ ومن استقطب من؟ ومن حصل على التزكية؟ ومن سيحصل على الوزارة؟ بل سؤالاً أكثر عمقاً وأشد قسوة:هل ما زلنا نعيش ديمقراطية يتقدم فيها التفويض الشعبي على اقتسام السلطة، أم أننا بدأنا نرى سياسةً تُرتب مواقعها وموازين قوتها قبل أن تمنح الإرادة الشعبية شرعيتها؟ذلك هو السؤال الحقيقي. لأن السياسة، في جوهرها، ليست فن الوصول إلى السلطة، وإنما فن استحقاق ثقة الناس.والسلطة التي تُبنى على إرادة الناخب تظل، مهما كانت نتائجها، قابلة للمساءلة والتداول.

أما حين تبدأ حسابات السلطة قبل أن يقول الناخب كلمته، فإن الخطر لا يكمن فقط في الترحال السياسي أو في صراع التزكيات، وإنما في أن تصبح الانتخابات نفسها مجرد مرحلة لاحقة لترتيبات سبقتها.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من انتصر على من؟ ولا من استقطب من؟ ولا من سيحصل على أي حقيبة؟بل: هل ما زالت القناعة هي التي تقود السياسة، أم أصبحت إغراءات السلطة هي التي تعيد تشكيل القناعات؟فهنا، تحديداً، يبدأ السؤال الحقيقي عن أخلاق الديمقراطية.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*