إعداد: ياسين عزاوي
مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة.
ليست كل القضايا القانونية تقاس بظاهر النصوص، ولا تختزل في مجرد المفاضلة بين رأيين متعارضين، لأن القانون، في جوهره، ليس مجرد أداة لتنظيم العلاقات، بل هو قبل كل شيء فن إقامة التوازن بين المبادئ الدستورية حين تبدو، للوهلة الأولى، وكأنها تتجاذب في اتجاهات مختلفة. ومن هنا، فإن النقاش الذي أثاره مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة بشأن إخضاع حسابات ودائع وأداءات هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لا ينبغي أن يفهم باعتباره خلافًا بين أنصار الشفافية وخصومها، ولا باعتباره مواجهة بين استقلال مهنة المحاماة ومبدأ المحاسبة، وإنما هو في حقيقته نقاش حول سؤال أكثر عمقًا، يتعلق بحدود الاختصاص الدستوري للمؤسسات، وبمدى سلطة المشرع في إعادة رسم تلك الحدود.
فالشفافية ليست قيمة مستحدثة فرضتها التشريعات الحديثة، وإنما هي مبدأ دستوري أصيل، كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يعد مجرد شعار سياسي، بل تحول إلى قاعدة دستورية تؤطر تدبير الشأن العام وتكرس الثقة في المؤسسات. غير أن الدولة الدستورية لا تقوم على تعظيم مبدأ واحد وإهمال غيره، وإنما على تحقيق الانسجام بين المبادئ جميعها، بحيث لا يؤدي السعي إلى حماية المال إلى الإخلال بمبدأ الشرعية، ولا تتحول الرغبة في توسيع الرقابة إلى تجاوز للاختصاصات التي رسمها الدستور لكل مؤسسة.
ولعل هذا هو جوهر الإشكال الذي يفرض نفسه اليوم. فالمؤيدون لإخضاع حسابات الودائع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات ينطلقون من اعتبارات وجيهة، مفادها أن هذه الحسابات تعرف مرور مبالغ مالية كبيرة، وأن حماية حقوق المتقاضين تقتضي وجود رقابة مستقلة ومحايدة تضمن سلامة التدبير وتحصن الثقة في المؤسسة المهنية. ويستند هذا الاتجاه إلى أن المشرع، الذي عهد إلى هيئات المحامين بتدبير هذه الحسابات، يملك أيضًا أن يعيد تنظيم وسائل مراقبتها بما يحقق المصلحة العامة.
في المقابل، يثير الاتجاه المعارض إشكالًا لا يقل أهمية، مؤداه أن المجلس الأعلى للحسابات ليس هيئة رقابية ذات اختصاص عام، وإنما مؤسسة دستورية حدد الدستور مجال تدخلها، وأن إخضاع حسابات لا تتكون من أموال عامة، وإنما من ودائع تعود ملكيتها للمتقاضين أو للموكلين، قد يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى انسجام هذا التوجه مع الإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس.
ومن ثم، فإن النقاش الحقيقي لا يدور حول ضرورة الرقابة من عدمها، لأن أحدًا لا يجادل اليوم في أن حماية أموال المتقاضين تقتضي رقابة فعالة، وإنما يدور حول سؤال أكثر دقة وأشد تعقيدًا: هل تكفي الغاية المشروعة لتبرير توسيع اختصاص مؤسسة دستورية، أم أن احترام دولة القانون يفرض أن تكون الوسيلة، كما الغاية، مؤسسة على سند دستوري واضح؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي، قبل أي موقف مؤيد أو معارض، الوقوف عند الطبيعة القانونية لحسابات الودائع نفسها، ومصدر الأموال التي تودع بها، والجهة المالكة لها، ثم التمييز بين المال الذي يدخل الذمة المالية لهيئة المحامين، والمال الذي يمر عبرها بوصفها جهة مؤتمنة على تدبيره لفائدة الغير. فالتكييف القانوني للمال ليس مسألة نظرية مجردة، بل هو الذي يحدد طبيعة الرقابة الممكنة، ويبين ما إذا كانت هذه الأموال تدخل ضمن مفهوم المالية العمومية أم تظل محتفظة بطبيعتها الخاصة رغم مرورها عبر حساب أنشأه القانون وأوكل تدبيره إلى هيئة مهنية.
ذلك أن المال لا يكتسب صفة المال العام لمجرد أن جهة عمومية قامت بتحويله أو أن مؤسسة منظمة قانونًا تولت تدبيره، وإنما تظل العبرة بطبيعته القانونية وبصاحب الحق النهائي فيه. ومن هنا تنبع أهمية إعادة قراءة النظام القانوني لحسابات الودائع، بعيدًا عن الانطباعات أو الاعتبارات الظرفية، في ضوء المبادئ الدستورية الحاكمة، وعلى رأسها مبدأ المشروعية، ومبدأ الأمن القانوني، ومبدأ الفصل بين الاختصاصات الدستورية.
إن أول ما يقتضي الوقوف عنده، قبل الخوض في الجدل الدستوري حول الجهة التي ينبغي أن تبسط رقابتها على حسابات الودائع، هو تحديد الطبيعة القانونية لهذه الحسابات نفسها. فالقانون لا يبني أحكامه على الانطباعات أو على الاعتبارات السياسية، وإنما يؤسسها على التكييف القانوني الدقيق للوقائع والأموال والحقوق. ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الأخرى هو: ما هي الأموال التي تودع بحسابات هيئات المحامين؟ ولمن تعود ملكيتها؟
إن القراءة المتأنية للمقتضيات المنظمة لحسابات الودائع والأداءات، وكذا للغاية التي أنشئت من أجلها، تكشف أن هذه الحسابات لم تحدث لتكوين ذمة مالية جديدة لفائدة هيئة المحامين، ولم تنشأ لتمويل أنشطتها أو لتغطية نفقاتها، وإنما أحدثت لضمان سلامة تداول الأموال المستحقة للمتقاضين والموكلين، وتأمين انتقالها من الجهة المدينة إلى صاحب الحق، عبر آلية قانونية تحقق السرعة والشفافية والانضباط.
ومن ثم، فإن هيئة المحامين لا تتلقى هذه الأموال باعتبارها مالكة لها، وإنما باعتبارها مؤتمنة على تدبيرها، وهو وضع قانوني يختلف جذريًا عن الملكية. فالإدارة شيء، والملكية شيء آخر. وقد استقر الفقه القانوني منذ زمن بعيد على أن مجرد حيازة المال أو إدارته لا تنقل الملكية إلى الحائز أو المدير، وإلا لأصبحت جميع المؤسسات البنكية مالكة للودائع التي يضعها زبناؤها بين يديها، وأصبحت شركات التأمين مالكة للتعويضات قبل صرفها، وهو ما لا يقول به أحد.
ومن هنا، فإن القول بأن هذه الأموال توجد بحسابات تشرف عليها هيئة مهنية لا يكفي وحده لتغيير طبيعتها القانونية، لأن العبرة ليست بمكان وجود المال، وإنما بمالك المال. فالمال يبقى مالًا خاصًا ما دام صاحبه محددًا، وما دام الغرض من الإيداع لا يتجاوز حفظه أو تدبير صرفه لفائدة مستحقه.
ويزداد هذا الأمر وضوحًا إذا استحضرنا مصادر هذه الأموال. فهي لا تنبع من مصدر واحد، وإنما تتعدد بتعدد المنازعات والالتزامات القانونية. فقد يكون مصدرها شركات التأمين في ملفات حوادث السير، وقد يكون إدارات عمومية أو مؤسسات عمومية تنفذ أحكامًا قضائية، وقد تكون شركات خاصة أو أشخاصًا ذاتيين أو مبالغ ناتجة عن تنفيذ أحكام أو تسويات قضائية.
غير أن تعدد مصادر الأموال لا ينبغي أن يؤدي إلى الخلط بين مصدر الأداء والطبيعة القانونية للمال. فكون الإدارة العمومية هي التي تؤدي مبلغًا معينًا تنفيذًا لحكم قضائي لا يجعل هذا المبلغ مالًا عامًا بعد أن يصبح مستحقًا لفائدة المحكوم له. فالمال العام يفقد صفته متى خرج من الذمة المالية للشخص العام وانتقل، وفق القانون، إلى الذمة المالية لصاحب الحق. ومن ثم، فإن مرور المال عبر قناة عمومية لا يضفي عليه، في حد ذاته، وصف المال العام، وإلا لأصبحت جميع المبالغ التي تؤديها الدولة للمواطنين، كيفما كان سببها، أموالًا عامة حتى بعد انتقالها إلى أصحابها، وهو استنتاج يتعارض مع أبسط قواعد القانون المالي.
ومن زاوية أخرى، فإن إسناد مهمة تدبير هذه الحسابات إلى هيئات المحامين لم يكن غايته منحها امتيازًا ماليًا، وإنما تحميلها مسؤولية مهنية وأخلاقية وقانونية في حفظ أموال الغير وصرفها وفق الضوابط التي رسمها القانون. وهذا يعني أن الهيئة تمارس وظيفة ذات منفعة عامة، لكنها لا تتحول بسبب ذلك إلى مالكة للأموال، كما أن أداءها لهذه الوظيفة لا يحول الأموال الخاصة إلى أموال عمومية.
وهنا تبرز مفارقة قانونية دقيقة أغفلها كثير من النقاش الدائر. فالخلط بين الوظيفة العامة والمال العام يؤدي إلى نتائج لا تستقيم مع المنطق القانوني. فليس كل شخص يؤدي وظيفة ذات نفع عام يدير أموالًا عامة، وليس كل مال يخضع لتنظيم قانوني خاص يصبح مالًا عامًا. وإلا لكان من اللازم إخضاع ودائع الأبناك، وأموال الموثقين، والعدول، والمفوضين القضائيين، وسائر المهنيين الذين يديرون أموالًا لحساب الغير، للمنظومة نفسها، وهو ما لم يأخذ به المشرع.
ومن ثم، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يظل حبيس السؤال: من أين جاءت هذه الأموال؟ بل ينبغي أن ينتقل إلى سؤال أكثر دقة: ما هو التكييف القانوني لهذه الأموال بعد دخولها حساب الودائع؟ وهل يغير الإيداع من طبيعتها القانونية أم يظل مجرد وسيلة لتنظيم تداولها وضمان وصولها إلى أصحابها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كان إخضاع هذه الحسابات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يجد سنده في طبيعة المال ذاته، أم أنه يستند إلى اعتبارات أخرى تتعلق بطبيعة الجهة المدبرة، وهو ما يقودنا إلى جوهر الإشكال الدستوري الذي سنعالجه في الجزء الموالي.
وإذا كان التكييف القانوني لحسابات الودائع يقود إلى القول بأنها لا تشكل، في أصلها، ذمة مالية خاصة بهيئات المحامين، فإن ذلك لا يحسم وحده الإشكال المطروح. فالمسألة الأعمق لا تتعلق بطبيعة الأموال فحسب، وإنما بحدود الاختصاص الدستوري للمؤسسة التي يراد إسناد الرقابة إليها. وهنا تنتقل المناقشة من مجال القانون المالي إلى مجال القانون الدستوري، حيث لا تصبح الغاية وحدها كافية لتبرير الوسيلة، بل يتعين أن تكون الوسيلة نفسها مؤسسة على سند دستوري سليم.
فالمجلس الأعلى للحسابات ليس جهازًا إداريًا عاديا يمكن للمشرع أن يضيف إلى اختصاصاته ما يشاء كلما رأى مصلحة في ذلك، وإنما هو مؤسسة دستورية استمدت وجودها واختصاصها من الوثيقة الدستورية نفسها. والدستور، باعتباره أسمى قاعدة قانونية في الدولة، لم يكتف بإحداث هذه المؤسسة، بل رسم الإطار العام لاختصاصاتها، وربط تدخلها بمراقبة المالية العمومية وتدبير الأموال العمومية، وبالأجهزة التي تستعمل هذه الأموال أو تستفيد منها، وذلك حماية لمبدأ الشرعية ومنعًا لتداخل الاختصاصات بين المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، يثور سؤال بالغ الدقة: هل يملك المشرع العادي، ولو بدافع تعزيز الشفافية، أن يوسع اختصاص مؤسسة دستورية إلى مجال لم يكن داخلًا في نطاق اختصاصها الأصلي؟
في تقديري، إن هذا السؤال هو لب النقاش، لأنه لا يتعلق بمهنة المحاماة وحدها، وإنما يمس نظرية توزيع الاختصاصات في الدولة الدستورية. فإذا سلمنا بأن المشرع يستطيع، بقانون عادي، أن يضيف اختصاصات جديدة إلى مؤسسة دستورية كلما رأى في ذلك مصلحة، فإننا نكون قد فتحنا الباب أمام إعادة تشكيل المؤسسات الدستورية بعيدًا عن الإرادة الدستورية التي أنشأتها، وهو ما قد يؤدي، مع مرور الزمن، إلى إفراغ الوثيقة الدستورية من جزء من قيمتها المعيارية.
ولذلك، فإن الفقه الدستوري يميز دائمًا بين تنظيم الاختصاص وإنشاء اختصاص جديد. فالأول يدخل، في حدود معينة، ضمن السلطة التقديرية للمشرع، أما الثاني فلا يكون مشروعًا إلا إذا وجد له أساسًا في الدستور نفسه، أو كان نتيجة لازمة لتنفيذ مقتضياته، لا خروجًا عنها.
ومن هنا، فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في التساؤل عما إذا كانت هيئات المحامين تستحق الرقابة، لأن ذلك أمر لا خلاف حوله، وإنما يجب أن ينصب على السؤال التالي: هل المجلس الأعلى للحسابات هو الجهة الدستورية المختصة بهذه الرقابة؟
والواقع أن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي التمييز بين فكرتين متقاربتين في الظاهر، مختلفتين في الجوهر. فهناك فرق بين الرقابة على حسن التدبير، وبين الرقابة التي تمارسها مؤسسة دستورية ذات ولاية محددة. فقد تكون الحاجة إلى الرقابة قائمة، بل وملحة، دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى إسنادها إلى المجلس الأعلى للحسابات. ذلك أن الرقابة ليست قيمة مجردة، وإنما هي اختصاص قانوني، والاختصاص، في الدولة الدستورية، لا يفترض ولا يتوسع فيه، وإنما يثبت بنص، ويمارس في الحدود التي رسمها هذا النص.
ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه النقاش هو تصوير المسألة وكأنها مواجهة بين الشفافية واستقلال المحاماة. فهذا تصوير لا يعكس حقيقة الإشكال. إذ ليس في المطالبة باحترام حدود الاختصاص الدستوري أي اعتراض على مبدأ المحاسبة، كما أن الدعوة إلى تعزيز الرقابة لا تبرر تجاوز الضوابط الدستورية. فالشرعية الدستورية والشفافية ليستا مبدأين متعارضين، وإنما هما وجهان لدولة القانون؛ فلا تتحقق الشفافية خارج إطار الشرعية، كما لا تكون الشرعية ذات قيمة إذا تحولت إلى غطاء يمنع كل رقابة.
ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش التشريعي ليس: هل نريد رقابة؟ بل: أي رقابة نريد؟ ومن هي الجهة التي يخولها الدستور ممارستها؟ لأن قوة المؤسسات لا تقاس باتساع اختصاصاتها، وإنما بمدى التزامها بالحدود التي رسمها لها الدستور.
ولعل هذا ما يفرض، في تقديري، إعادة قراءة مشروع القانون من زاوية مختلفة؛ ليس باعتباره مشروعًا لتوسيع الرقابة، وإنما باعتباره اختبارًا لقدرة المشرع على التوفيق بين مقتضيات الحكامة الجيدة واحترام مبدأ سمو الدستور. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد إضافة مؤسسة رقابية جديدة، وإنما يتحقق عندما تكون كل آلية رقابية منسجمة مع البناء الدستوري الذي تنتمي إليه، لأن احترام الدستور ليس عقبة أمام الإصلاح، بل هو الضمانة الأولى لاستدامته.
وإذا كان احترام مبدأ المشروعية الدستورية يقتضي عدم التسرع في إسناد اختصاصات جديدة إلى مؤسسة دستورية، فإن ذلك لا ينبغي أن يفهم على أنه دعوة إلى الإبقاء على حسابات الودائع بمنأى عن كل رقابة. بل على العكس من ذلك، فإن حماية أموال المتقاضين تفرض وجود رقابة فعالة، صارمة، ومستقلة، لأن الثقة في العدالة لا تقوم فقط على استقلال الدفاع، وإنما تقوم أيضًا على اطمئنان المتقاضي إلى أن حقوقه المالية مصونة، وأن كل درهم يودع لفائدته يخضع لمنظومة دقيقة من الضمانات القانونية.
ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بوجود الرقابة، وإنما بتحديد طبيعتها والجهة التي تمارسها. فالرقابة ليست هدفًا في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق غاية أسمى تتمثل في صيانة الحقوق وترسيخ الثقة في المؤسسات. وإذا كانت الوسيلة المختارة تثير إشكالًا دستوريًا، فإن الحكمة التشريعية تقتضي البحث عن وسيلة أخرى تحقق الغاية نفسها دون أن تثير الشبهة نفسها.
وفي هذا السياق، يبدو أن النقاش العمومي انحصر في ثنائية ضيقة: إما إخضاع حسابات الودائع للمجلس الأعلى للحسابات، وإما الإبقاء على الوضع الحالي. غير أن هذه الثنائية، في تقديري، ثنائية مصطنعة، لأن التشريع المقارن يعلمنا أن الرقابة ليست نموذجًا واحدًا، وإنما منظومة متكاملة تتعدد فيها الآليات والجهات بحسب طبيعة المال وطبيعة المؤسسة وطبيعة المصلحة المراد حمايتها.
ولذلك، فإن من الممكن تصور نموذج قانوني أكثر انسجامًا مع فلسفة دستور المملكة، يقوم على الفصل بين الرقابة على سلامة التدبير والرقابة على مدى احترام القواعد القانونية.
فالشق الأول يمكن أن يسند إلى مراقب حسابات مستقل، يعين وفق معايير تضمن النزاهة والكفاءة والاستقلال، ويتولى افتحاص حسابات الودائع سنويًا، مع إعداد تقرير مفصل يرفع إلى مجلس الهيئة، ويوضع رهن إشارة السلطات المختصة، ويكون خاضعًا للنشر وفق الضوابط التي تحمي سرية المعطيات الشخصية.
أما الشق الثاني، فيمكن أن يعهد به إلى أجهزة المراقبة المهنية، مع تعزيز اختصاصاتها القانونية، وإقرار جزاءات أكثر صرامة في حالة الإخلال بواجبات التدبير أو التأخير غير المبرر في صرف المستحقات، أو استعمال الأموال على وجه يخالف الغاية التي أودعت من أجلها.
كما يمكن للمشرع أن يفرض نظامًا رقميًا موحدًا لتدبير حسابات الودائع، يسمح بتتبع جميع العمليات المالية منذ لحظة الإيداع إلى غاية التسليم النهائي، ويمنح أصحاب الحقوق إمكانية الاطلاع على وضعية ودائعهم، بما يعزز الشفافية ويقلص من هامش الخطأ أو سوء التدبير.
بل إن التطور التكنولوجي أصبح يسمح اليوم بإحداث منصة وطنية مؤمنة، ترتبط بها جميع هيئات المحامين، وتخضع لمعايير دقيقة في الحكامة والأمن المعلوماتي، وهو ما يجعل الرقابة لاحقة ومستمرة في آن واحد، دون أن يؤدي ذلك إلى المساس باستقلال المؤسسات المهنية أو إلى إثارة إشكالات دستورية مرتبطة بتحديد الجهة المختصة.
ولعل أهم ما ينبغي التنبيه إليه هو أن الشفافية لا تتحقق فقط بتعدد الجهات الرقابية، وإنما بجودة النظام القانوني الذي يؤطر الرقابة. فكم من مؤسسة تخضع لرقابة أكثر من جهاز، ومع ذلك لا تحقق النتائج المرجوة، وكم من مؤسسة تعتمد آليات رقابية داخلية وخارجية محددة، فتنجح في تحقيق أعلى درجات النزاهة والفعالية.
إن قيمة الرقابة لا تقاس بعدد المتدخلين، وإنما بوضوح الاختصاصات، وفعالية الجزاءات، وسرعة التدخل، واستقلال القائمين عليها. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في توسيع دائرة المؤسسات الرقابية، وإنما في بناء منظومة متكاملة تتكامل فيها الرقابة المهنية، والرقابة المحاسبية، والرقابة القضائية، دون أن تطغى إحداها على الأخرى، ودون أن يختلط الاختصاص الدستوري بالاختصاص التشريعي.
ومن زاوية أخرى، فإن النقاش الحالي يكشف عن حاجة ملحة إلى إعادة النظر في مفهوم الحكامة المهنية داخل الهيئات المنظمة قانونًا.
فالاستقلال المهني لا يمكن أن يكون امتيازًا مجردًا، وإنما هو مسؤولية دستورية وأخلاقية تقتضي أعلى درجات الشفافية. غير أن الشفافية نفسها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للمساس بالبنية الدستورية للمؤسسات، لأن دولة القانون لا تبنى على حسن النوايا، وإنما تبنى على احترام قواعد الاختصاص كما تبنى على احترام الحقوق والحريات.
ومن ثم، فإن الإصلاح التشريعي الحقيقي هو الذي ينجح في الجمع بين أمرين قد يبدوان متعارضين، ولكنهما في الحقيقة متكاملان: تعزيز الثقة في مهنة المحاماة، وتعزيز الثقة في الرقابة عليها. فلا استقلال بلا محاسبة، ولا محاسبة خارج حدود الدستور.
الخاتمة.
إن النقاش الذي أفرزه مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة لا ينبغي أن ينتهي بانتصار رأي على آخر، لأن القضايا الدستورية الكبرى لا تُحسم بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بمنطق التوازن بين المبادئ الدستورية. فحماية أموال المتقاضين تظل غاية دستورية لا يجوز التهاون بشأنها، كما أن الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة يمثلان من المرتكزات الأساسية التي جاء بها دستور سنة 2011، غير أن هذه المبادئ، على سموها، لا يمكن أن تمارس خارج الإطار الذي رسمه الدستور نفسه.
فإذا كانت دولة القانون تعني إخضاع الجميع للمحاسبة، فإنها تعني، بالقدر نفسه، إخضاع الدولة ذاتها، ومؤسساتها، ومشرعها، لقواعد الاختصاص التي أقرها الدستور. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت حسابات ودائع هيئات المحامين ينبغي أن تخضع للرقابة، لأن ذلك يكاد يكون محل إجماع، وإنما السؤال هو: أي رقابة؟ ومن يمارسها؟ وبأي سند دستوري؟
فالاختصاص في القانون الدستوري ليس مجرد وسيلة تنظيمية، وإنما هو ضمانة للحرية، وحماية للمؤسسات، وتجسيد لمبدأ المشروعية. وكل توسع في الاختصاص، مهما حسنت غايته، ينبغي أن يجد أساسه في الدستور، لا في مجرد الإرادة التشريعية. ذلك أن احترام الدستور لا يقاس فقط بمدى الالتزام بأحكامه الصريحة، وإنما أيضًا بعدم الالتفاف على فلسفته أو إعادة تشكيل مؤسساته بوسائل تشريعية لا يجيزها.
ومن جهة أخرى، فإن استقلال مهنة المحاماة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره امتيازًا يعفيها من الرقابة، وإنما باعتباره مسؤولية مضاعفة تفرض عليها أن تكون في طليعة المؤسسات التي تجعل من الحكامة والشفافية عنوانًا لتدبيرها المالي والإداري. فالاستقلال الحقيقي لا يتعارض مع الرقابة، وإنما يتعارض مع الرقابة التي تمارس خارج إطار الشرعية الدستورية.
ولعل الإصلاح التشريعي الأمثل هو الذي يوفق بين هذين الاعتبارين؛ فيؤسس لمنظومة رقابية قوية وفعالة، تكفل حماية أموال المتقاضين وتعزز الثقة في مهنة المحاماة، دون أن تتجاوز الحدود التي رسمها الدستور لاختصاصات المؤسسات الدستورية. فدولة المؤسسات لا تقوم على تضخم الرقابة، وإنما على حسن توزيعها، ولا تُبنى على حسن النيات وحده، وإنما على احترام قواعد الاختصاص التي تشكل، في نهاية المطاف، أحد أهم ضمانات الأمن القانوني والأمن القضائي.
ويبقى الرهان الحقيقي أمام المشرع المغربي هو أن يجعل من هذا النقاش فرصة لتطوير منظومة الحكامة داخل المهن المنظمة قانونًا، في إطار رؤية دستورية متوازنة، تجعل من الرقابة وسيلة لحماية الحقوق، لا مدخلًا لإعادة رسم حدود الاختصاصات التي ارتضاها الدستور. فالدستور ليس مجرد وثيقة تؤسس للسلطات، بل هو أيضًا الوثيقة التي تضع لكل سلطة حدودها، وتجعل احترام تلك الحدود شرطًا لازمًا لاستمرار دولة القانون والمؤسسات.
إعداد:
ياسين عزاوي
مستشار قانوني سابق بالأمانة العامة للحكومة
قم بكتابة اول تعليق