الترجمة هل هي مجرد سلعة مغشوشة؟

جمال الموساوي

الرباط، 24 يزنيز 2026

الترجمة رسالة حضاريةٌ. جسر ممتد بين الحضارات، والمترجم هو ذلك المهندس الذي يسهر على أن يكون الجسرُ في غاية المتانة والأناقة. متين بحيث تعبر عليه العربات ُ التي هي الإنتاج الفكري والعلمي والإبداعي من دون أن يُخشى عليها من السقوط أو الانكسار. أنيق بحيث لا يجد فيه العابر الذي هو القارئ والباحث أي مطبات أو عدم تناسق. لذلك بدت لي دائما تلك العبارة التي تتردد باستمرار عند الحديث عن الترجمة عبارة غير دقيقة. ما معنى اعتبار كل ترجمة خيانة؟ قد تكون قيلت للتدليل على صعوبة انتقال المعنى من لغة إلى أخرى، وقد يكون منبعها كامنا في الإقرار بعجز اللغات عن استيعاب بعضها لبعض بالنظر لاختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية، والتي تمثل روح النصوص الأصلية، ولا تنتقل بشكل كامل ومثالي عند ترجمة تلك النصوص. بيد أن مرور الوقت، حوَّل هذه العبارة إلى نوع من الذريعة لليّ أعناق أفكار الآخرين ونقلها بشكل بعيد عن مقاصدها، وأحيانا بشكل مخالف تماما لما هي عليه في الأصل.

التاريخ يقول لنا إن العرب، ما كانوا ليقدموا كثيرا مما قدموه في الفلسفة والطب وعلوم الفلك، وكثيرا من الأدب لولا بيت الحكمة في بغداد وحركة الترجمة التي نقلت المعارف اليونانية والفارسية، على وجه خاص، إلى اللغة العربية، ثم طوروها واجتهدوا لإنتاج معارفهم الخاصة على انقاضها وانطلاقا منها. التاريخ نفسهُ يقول إن مسلمي الأندلس ساهموا بشكل غير مباشر بقسط مهم في ما وصلت إليه العلوم والفلسفة في أروبا والعالم بفضل نقل إنتاجاتهم إلى اللغات الأوربية، واستثمارها من طرف الأوربيين أنفسهم في تطوير حياتهم الفكرية والسياسية وغيرها.

ولأمر يتعلقُ بفهمي الخاص للترجمة ومهمة المترجم، كنت ومازلت مولعا، بشكل خاص، بالنصوص الروائية المترجمة. ثمة أشياء فيها تشد القارئ مقارنة مع الكثير مما يكتب في العالم العربي. لا أدرى لماذا أجد، وهذا رأيٌ شخصي جدا، أن التجربة الحياتية للروائي عندنا، مثلا، تبدو محدودة بفعل إكراهات تاريخية وثقافية، في مقابلِ التجربة الواسعة للروائيين في عوالم أخرى بفضل مناخ الحرية وندرة الخطوط الحمراء ودينامية المجتمعات. بتعبير آخر ربما، لأن الرواية العربية تُكتبُ ضمن سياق اجتماعي وثقافي وسياسي نعرفُ كثيرا من تفاصيله ومناطقه الخلفية حتى أضحى غير مثير كفاية، فنشعر ونحن نقرأ الكثير من الأعمال الروائية، أمام رتابة الحياة في العالم العربي وتشابه ظروفها بين بلد وآخر، أننا في وضعية ما يسميه الفرنسيون “سبق لي رؤيته” “de déjà vu”.

هذا الولع بالروايات المترجمة، قادني للقاء بالأعمال العظيمة لنيكوس كازانتازاكي من “زوربا الإغريقي” إلى “تقرير إلى غريكو” تلك السيرة التي يقرأها القارئ ويعيشها حرفا بحرف مرورا ب”الأخوة الأعداء” و”المسيح يصلب من جديد”… وبأعمال كثيرة لجورجي أمادو ك”أرض ثمارها من ذهب” و”عودة البحار” و”باهيا” و”الدونا فلورا وزوجاها الاثنان”، ولماركيز وإيزابيل ألليندي وكافكا وأستورياس وجورج أرويل وأخرين. كان ذلك في سن مبكرة، وكان النهم إلى النهل من المعين الإنساني يعفي من طرح الأسئلة ومن القراءة المتشككة. فالمترجم، كما تصورته، كاتبٌ مبدعٌ مثل المبدع الأصليّ، وكونه اسماً يعرفه القراء، فهو يقوم بعمله بمسؤوليةٍ لأنهُ مستأمنٌ على أرواح الكتّاب المبثوثة في نصوصهم وبالتالي يعمل على إيصال تلك الأرواح إلى قارئها في ثقافة أخرى بما يلزم من الحرص.

ولأن القراءة فعلٌ متواترٌ، فقد ازداد مع تواليه الوعيُ بالمقروء وتعمَّق الاهتمام به، وبالسياق الذي أُنتجَ فيه. هذه الحالة فتحت باب أسئلةٍ ذهبت أحيانا إلى حد التشكيك في مدى “الوفاء” للنص الأصلي، كما يتحدث عنه إمبرطو إيكو حين يقرر بأن “مفهوم الوفاء يدخل ضمن الاقتناع بأن الترجمة هي أحد أشكال التأويل وأن غايتها يجب أن تكون دائما (…) نقل قصد النص، أي ما يقوله النص أو ما يوحي به باعتبار اللغة التي كتب فيها والسياق الثقافي الذي نشأ فيه”.

بالنسبة لي، كلام إيكو يدحض بشكل قاطع تلك العبارة التي تقول كل ترجمة خيانة. وبالتالي فهي عبارة، ليست فقط غير دقيقة، بل إنها لم تُبتدع إلا لتكونَ مطية للكسالى من المترجمين، كي يغطوا على عدم جديتهم في التعامل مع النصوص ومع القارئ الذي ينقلون إليه تلك النصوص، وربما على عدم إلمامهم باللغة أو بالسياق اللذين “نشأت فيهما تلك النصوص”.

لذلك، اتضح أن عملية الترجمة أصيبت، دون السقوط في التعميم، بآفات كثيرة قد لا تستوعبها مقالة قصيرة. ويمكن، في هذا السياق، الإشارة إلى آفة أولى هي استسهال الترجمةِ، بحيث إنه إلى جانب غزارة الإصدارات الإبداعية في المنطقة التي ننتمي إليها، هناك “تدفق” لا يتوقف للإصدارات المترجَمة. وما كان ل”سوق الترجمة” أن تتوسع بالحجم الذي هي عليه اليوم لولا أن المترجمين استشعروا ارتفاع الطلب على المعرفة. معرفة الآخر. فطالما عاش الناس على إيقاع شعار “اعرف عدوك” والمقصود معرفة شاملة بما في ذلك ترجمة آدابه وعلومه وكل ما يتوافر من معلومات عنه حتى يسهل الانتصار عليه. لكن اليوم هناك شعار جديد، إذا جاز تلخيصه، هو “اعرف الآخر” كي تتعايش معه وتتقبله. وقد جعلت وفرة الإصدارات والحاجة إلى المعرفة والاطلاع على ثقافة الآخر من الترجمة “سلعة” رائجة. وكأي سلعةٍ فإن جودتها تبقى متباينة، وهو أمر بات من الممكن التحقق منه أكثر من أي وقت مضى. ففي عقود سابقة كان من السهل استغفال القراء بالتصرف في النصوص المفترض أنها مترجمة بالنظر إلى صعوبة الوصول إلى الكتب الأصلية في لغات تنتمي جغرافياً إلى مناطق بعيدة. الآن لم يعد ذلك ممكنا بالقدر ذاته.

آفةٌ ثانية قد يصادفها القارئُ تتمثل في أن المترجمَ يقدمُ من خلال ترجمته ما يفكر فيه هو لا ما تنطوي عليه النصوص الأصلية، وذلك بالتعسف والمغالاة في التأويلِ، وأحيانا ينتهي به الأمر إلى كتابة نقيض ما يسعى إليه المؤلف من المعاني والدلالات. وآفة ثالثة يمكن الوقوف عندها، هي محاولة استنبات النصوص المترجَمة في بيئة اللغة المترجَم إليها بالرغم من اختلاف السياقات اللسانية والثقافية والاجتماعية…. ورابعةٌ، تتجلى في لجوء عدد من المؤسسات الرسمية أو الخاصة التي تتبنى مشاريع للترجمة إلى مترجمين يطلبون أجورا أقلّ مع الاستغناء عن مهمة المراجعة، وهو ما يؤدي إلى منتوجٍ بجودة ناقصة.

بعد هذا، يحق التساؤل عن مدى أهمية ما نقرأه مترجما في سعينا للاطلاع على الثقافات الإنسانية، وعمّا إذا كنا، كقراء، مجرد مخدوعين نستهلك فقط سلعا مغشوشة، أو مقلدة في أفضل الأحوال؟

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*