“حكومة أرقام الذكاء الاصطناعي” في مواجهة “قفة المواطن الحزينة”: قراءة في فن الفانتازيا الإحصائية للحكومة بالبرلمان

هل نحن اليوم أمام "حكومتين" في جسد واحد: حكومة "ذكاء اصطناعي" تسكن في تقارير رئيس الحكومة، وحكومة "واقع مر" يواجهها المواطن يومياً؟

لا أخفيكم سراً، فقد وجدت صعوبة بالغة في التفاعل مع خطاب الحكومة، وكأنني أتابع شريطاً سينمائياً “دوبلاج” حيث الصوت (الأرقام) يسير في وادٍ، والصورة (الواقع) في وادٍ آخر تماماً. لقد كانت جلسة تقديم الحصيلة المرحلية (2021-2026) فرصة لاستعراض عضلات إحصائية، قوبلت بـ “قصف” من المعارضة كشف عن ثقوب واسعة في عباءة “الدولة الاجتماعية” الموعودة.

تابعت فصول “لكوميديا سوداء” خلال جلسة تقديم ومناقشة الحصيلة المرحلية للحكومة (2021-2026)، حيث بدا وكأن هناك نسختين من المغرب: مغرب “رقمي” وردي يسكن في أوراق رئيس الحكومة، ومغرب “واقعي” يعاني الأمرين في مداخلات المعارضة،.

وبينما كان رئيس الحكومة يوزع الابتسامات والأرقام المليارية، كانت المعارضة تذكره بأن “الزواق كيطير” أمام حقيقة أسعار السردين واللحوم،.

1. “بين رادارات الحكومة وبطالة الواقع”: لغز الـ 850 ألف منصب!

اجتاحتني موجة من “الدوار الإحصائي” وأنا أحاول فهم كيف استطاع رئيس الحكومة استخراج 850 ألف منصب شغل من قبعة الساحر، في وقت يئن فيه الشباب تحت وطأة عطالة بلغت 13.7%. فبينما يصر رئيس الحكومة أن هذه الأرقام “خارج القطاع الفلاحي” وتعكس ديناميكية حقيقية، لكن المعارضة سرعان ما أفسدت الحفلة؛ فالفريق الاشتراكي والمجموعة النيابية للعدالة والتنمية وصفا هذا الرقم بالوهمي، مؤكدين أن معدل البطالة قفز فعلياً إلى 13.7%،. بل ذهب النائب عبد الله بوانو إلى اتهام الحكومة بـ “التدليس”، موضحاً أن الحساب الحقيقي بعد حذف سنوات العجز لا يتجاوز متوسط 94 ألف منصب سنوياً، متسائلاً بسخرية: “من أين نزل هذا الرقم؟“.

لذا اتساءل عن مصير “المليون منصب” التي وعد بها البرنامج الحكومي والذي لاشى في دروب الجفاف والارتباك.

2. “تضخم الأوراق وتضخم الأسواق”: حينما يصبح السردين “وجبة للأثرياء”

شعرت بانفصال تام عن الواقع وأنا أستمع لإشادة الحكومة بخفض التضخم إلى 0.8%، بينما قفة المواطن تخبرنا أن “الأسعار طارت” ولم تعد. المعارضة لم تتردد في تذكير الحكومة بأن “الأمن الغذائي” أصبح أسطورة؛ فالسردين انتقل من 8 إلى 20 درهماً، واللحم من 70 إلى 120 درهماً، وزيت المائدة تضاعف ثمنه. وبينما تتحدث الحكومة عن دعم المقاصة بـ 135 مليار درهم، يتحدث النواب عن “تخليطة” الخضر التي بات يشتريها المواطن المغلوب على أمره في أسواق الجملة، كما سخرت المعارضة من هذا “الانتصار الرقمي” الذي لا يراه المواطن إلا في نشرات الأخبار، بينما تظل قفته “خفيفة الوزن ثقيلة الثمن”.

3. “تراجيديا الفراقشية”: دعم المليارات وخروف الـ 5000 درهم

بذلت جهداً مضنياً للتوفيق بين “كرم” الحكومة مع مستوردي الأغنام وبين “قسوة” أسعار أضاحي العيد التي ألهبت جيوب المغاربة. لقد فجرت المعارضة قنبلة من العيار الثقيل حين اتهمت الحكومة بصرف 13 مليار درهم كـ “إعفاءات” ودعم مباشر استفاد منه “اللوبيات والفراقشية” (بمن فيهم نائب محظوظ)، بينما حُرم المواطن من العيد أو اضطر لشرائه بـ 5000 درهم بناءً على أرقام “وهمية” حول عدد القطيع المتوفر.

4. “ركائز مهتزة”: الدولة الاجتماعية التي تسقط بسبب “5 دراهم”

وجدت نفسي في حيرة من أمري وأنا أسمع عن “ثورة” الحماية الاجتماعية، في وقت يتم فيه طرد فقراء من نظام “أمو تضامن” لأن لديهم “تعبئة 5 دراهم هاتفية” زائدة. فبينما تتباهى الحكومة بتغطية 15.5 مليون مواطن، تصف المعارضة الواقع بـ “الارتباك المهول” في معايير الاستهداف (المؤشر)، مؤكدة أن المستشفيات العمومية ظلت “بنايات بلا أطباء ولا سكانير“، في حين تتدفق أموال الصناديق نحو المصحات الخاصة التي “تشفط” ميزانيات الدولة دون حسيب.

في الوقت الذي تغنت فيه الحكومة بـ “مدارس الريادة” وتعميم التغطية الصحية،، ردت المعارضة بأن “الريادة” لا تُبنى باللافتات بل بالواقع، مشيرة إلى اكتظاظ الأقسام وهجر آلاف التلاميذ للمدارس. أما التغطية الصحية، فقد وُصفت بأنها “إفراغ لصناديق الدولة لصالح المصحات الخاصة”، حيث يجد المواطن نفسه أمام “عتبة” مؤشر اجتماعي قاسية تقصي الأرامل والفقراء الحقيقيين بسبب “تعبئة هاتفية بـ 5 دراهم”،،.

5. “سرقة المنجزات”: السيادة المائية تحت مجهر “تضارب المصالح”

سيطرت عليّ حالة من “الذهول السياسي” وأنا أتابع كيف ينسب رئيس الحكومة لنفسه مشاريع مائية استراتيجية، بينما يرمي بفشل الحكومات السابقة كشماعة للتأخير. المعارضة كانت بالمرصاد، حيث كشفت عن “تسييس” ملف الماء ومنح صفقات تحلية المياه والفيول لشركات بعينها في إطار “تضارب صارخ للمصالح“، مشيرة إلى أن الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق تم بـ “تعبئة استثنائية” لكنه لا يغطي عجز التدبير الهيكلي الذي يهدد قرى كاملة بالعطش.

حتى نسبة النمو (4.5%) لم تسلم من النقد؛ حيث اتهمت المعارضة رئيس الحكومة بـ “السطو” على نمو سنة 2021 الذي لم يكن من صنع حكومته، والتحجج الدائم بـ “الجفاف” لتبرير الفشل، بينما ينسب لنفسه الفضل فور هطول المطر،.

ختاماً، يبدو أن الحكومة تعيش حالة من “الإنكار النفسي” كما وصفها البعض. فهي تقدم حصيلة “ذكاء اصطناعي” في خطابها، بينما تعيش المعارضة والمواطن واقعاً “طبيعياً” مراً.

ويبقى السؤال الساخر المطروح تحت القبة: إذا كانت الأرقام بكل هذا الجمال، فلماذا يخرج المواطنون للاحتجاج في كل القطاعات؟،.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*