انتقل إلى المحتوى

GIL24-TV
آخر الأخبار
الصحراء المغربية

فيتو روسي يُسقط المينورسو… والمغرب يطوي صفحة 35 عاماً

فيتو روسي يُسقط المينورسو… والمغرب يطوي صفحة 35 عاماً缩略图

في قاعة مجلس الأمن، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، بدا الأمر في البداية كجلسة روتينية أخرى من جلسات تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو). الطاولة على شكل حدوة حصان خشبية لامعة، ومقاعد زرقاء للوفود، ولافتات الدول أمام السفراء، والجدارية الضخمة في الخلفية التي رسمها بير كروغ تطل على الجميع كذكرى دائمة لمثالية ما بعد الحرب.

الكاميرات التابعة لقناة الأمم المتحدة كانت تتنقل بين الوجوه الهادئة في البداية، بين أكواب الماء والميكروفونات وأوراق القرارات، بينما كان الجمهور في المدرجات الحمراء يتابع بصمت.

لكن ما جرى كان شيئاً مختلفاً تماماً: لم يكن تجديد الولاية السنوي المعتاد منذ 1991، بل مواجهة مكشوفة بين مشروعين متعارضين، انتهت بلا قرار، وبولاية تنتهي في اليوم التالي.

المشروع الأمريكي، الذي حظي بدعم 11 عضواً من أصل 15، كان يحاول نقل الملف من «تدبير» النزاع إلى «حسمه». كان يقترح تمديد البعثة لسنة واحدة مع إعادة تسميتها إلى «مينوسو» (إسقاط حرف «R» الذي يشير إلى الاستفتاء*)، وجعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الوحيد لأي مفاوضات، وتقليص المكون العسكري الأممي. فرنسا وبريطانيا والعديد من الأعضاء غير الدائمين وقفوا خلفه وصوتوا لصالحه.

لكن روسيا استخدمت حق النقض. وصف السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا النص الأمريكي بأنه «مقاربة أحادية» تتجاوز صلاحيات المجلس في تحديد مسائل السيادة.

ثم جاء الدور على المشروع الروسي: تمديد تقني بسيط لولاية البعثة بصيغتها الحالية لسنة إضافية، دون تغيير الاسم أو الإطار أو حتى الإشارة للحكم الذاتي. لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات، وعارضته الولايات المتحدة، وامتنع 11 عضواً. فشل هو الآخر.

وهكذا، وللمرة الأولى منذ عقود، لم يجدد مجلس الأمن ولاية المينورسو قبل انتهاء أجلها في 31 أكتوبر.

السفير الأمريكي مايك والتز تحدث بوضوح. قال إن روسيا استخدمت الفيتو للحفاظ على حرف «R» في اسم البعثة، رغم أن الأمم المتحدة لم تكن تعد لاستفتاء منذ عقود بسبب خلافات قديمة حول أهلية الناخبين. وأكد أن واشنطن لن تدعم «الوضع الراهن» الذي يبقي لاجئين في مخيمات تندوف لعقود في ظروف وصفها المفوض السامي لشؤون اللاجئين بأنها غير قابلة للاستمرار. وفي الوقت نفسه، أبدى استعداد الولايات المتحدة للعمل مع الأمين العام لضمان انسحاب منظم يحمي موظفي الأمم المتحدة ويعالج الاحتياجات الأمنية والإنسانية.

من جانبها، شكرت الجزائر روسيا على الفيتو وجددت دعمها لموقفها التقليدي.

أما السفير المغربي في الأمم المتحدة عمر هلال فتناول الكلمة بعد ذلك، ووضع في بضع دقائق التناقضات الجزائرية على الطاولة، مذكراً برفض تسجيل سكان مخيمات تندوف منذ عقود وبموقف الجزائر كطرف في النزاع لا مجرد مراقب.

بعد لحظات قليلة من انتهاء الجلسة، صدر بلاغ من الديوان الملكي المغربي عبر وكالة المغرب العربي للأنباء.

لم يكتف بتسجيل الواقعة، بل قدم قراءة سياسية واضحة. اعتبر عدم التمديد «تطوراً هاماً وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة»، وربطه بتخليد عيد الوحدة الذي أقره الملك محمد السادس لتجسيد انتقال من منطق «التدبير» إلى مقاربة تقوم على «التحول العميق للمحددات».

ذهب البيان أبعد من ذلك: عدم التمديد يعني أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية (طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها) ينبغي أن ينتهي في الأيام المقبلة. إنها صفحة دامت 35 عاماً تُطوى.

ووصف المينورسو بأنها موروثة عن سياق عفا عليه الزمن، وشكلت لفترة طويلة أداة لتدويل النزاع المتعلق باسترجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية. كما اعتبر أن هذا التطور يضع حداً لإحالة الملف على مجلس الأمن، ويسحبه من جدول أعماله، ويلغي مبررات الاجتماعات الدورية وتقارير الأمين العام وإحاطات مبعوثه الشخصي.

وبذلك يتوقف المسار السياسي الأممي الذي اتسم، حسب البيان، بمماطلة الأطراف الأخرى وإصرارها على إدامة الوضع الراهن.

وفي المقابل، أكد استمرار الدينامية الدبلوماسية الثنائية والإقليمية التي يقودها الملك، والتي حشدت دعم أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كإطار وحيد للحل، مع التمسك بوقف إطلاق النار.

ما جرى ليس مجرد فشل إجرائي. الولايات المتحدة، وهي صاحبة القلم في هذا الملف، حاولت تحويل التوافق النسبي الذي أفرزته قرارات سابقة (خاصة 2797 لعام 2025) إلى إطار أكثر حسماً. الفيتو الروسي أوقف ذلك، لكن الرفض الأمريكي للتمديد التقني أوقف أيضاً استمرار البعثة بالصيغة القديمة. النتيجة كانت فراغاً قانونياً استغلته الرباط سياسياً.

المغرب لم يسعَ إلى هذا الفراغ بقرار أحادي، لكنه قرأه كفرصة. منذ سنوات وهو يراكم دعماً دبلوماسياً لمبادرة الحكم الذاتي، ويحوّل الأقاليم الجنوبية إلى منطقة استثمار وتنمية.

انتهاء المينورسو يزيل، من منظوره، أداة كانت تُستخدم لتدويل النزاع، ويفتح الباب أمام إدارة ميدانية كاملة تحت سيادته، مع الإبقاء على الالتزام بوقف إطلاق النار.

لكن…..

التداعيات ليست أحادية الاتجاه. روسيا والجزائر ترى في النتيجة حفاظاً على مبدأ عدم فرض حلول السيادة من قبل المجلس، بينما يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان هذا الفراغ سيؤدي إلى تسوية سياسية أم إلى إعادة ترتيب دبلوماسي أوسع في المنطقة.

هنا في المغرب، وبين أصدقاء الملف، ساد شعور بالارتياح لأن المجلس لم يعد قادراً على تجديد «الوضع الراهن» تلقائياً، وأن الدعم الواسع للمشروع الأمريكي يعكس تحولاً في المواقف الدولية، حتى لو لم يترجم إلى قرار رسمي.

حين ذلك اقفت التلفزة وخلدت الى النوم.

تحياتي عبدالعالي الجابري


* المقصود بـ«إسقاط حرفR» هو حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسم البعثة. الجميع يعلم ان الاسم الكامل للبعثة هو MINURSO، وهو اختصار لـ: Mission des Nations Unies pour l’Organisation d’un Référendum au Sahara Occidental (بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية). حرف R يشير تحديداً إلى كلمة Référendum (استفتاء).

المشروع الأمريكي الذي قُدم في 30 أكتوبر 2026 كان يقترح تغيير الاسم إلى MINUSO (Mission des Nations Unies au Sahara Occidental)، أي إسقاط حرف الـ«R» وبالتالي إزالة كلمة «الاستفتاء Référendum» من التسمية الرسمية.

لماذا يُعد هذا التغيير مهماً؟

باختصار: إسقاط حرف «R» لم يكن مجرد تغيير تقني في الاسم، بل إشارة سياسية قوية إلى أن فكرة الاستفتاء لم تعد مطروحة عملياً، وأن الإطار الأممي يجب أن يتكيف مع واقع جديد يُقدم فيه الحكم الذاتي كأساس وحيد للتفاوض.

قم بكتابة اول تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*