وزير المال المغربي بين الأرقام والوعود: هل يكفي التدرج لبناء دولة اجتماعية؟

في مساء أواخر أكتوبر، جلس فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، أمام كاميرات القناة الثانية في برنامج «ساعة الصراحة». بدا مرتاحاً، واثقاً، قادراً على استدعاء الأرقام كما يستدعي خبير ميزانية مخضرم تفاصيل دفتر الحسابات. رفع سقف الإعفاء من الضريبة على الدخل، خفّض المعدل الهامشي الأعلى، وعد بزيادة تدريجية في الدعم الاجتماعي المباشر وفي الحد الأدنى للمعاش، ورفض بوضوح العودة إلى تسقيف أسعار المحروقات.

كان الخطاب تقنياً، منظماً، ومبنياً على فكرة أن الإصلاح يجب أن يكون مستداماً حتى لا يتحول إلى وعد ينهار تحت ثقله.

في اليوم نفسه تقريباً، داخل لجنة المالية بمجلس النواب، قدّم إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية، قراءة مغايرة. وصف خطاب الوزير بالتحكمي والاستعلائي، واتهم المشروع بأنه يكرّس توجهات نيوليبرالية تخدم المصالح الأقوى تحت غطاء الإصلاح.

الخلاف لم يكن مجرد سجال حزبي؛ بل عكس اختلافاً أعمق بين خبيرين حول كيفية إدارة المقايضات التي لا مفر منها في أي مالية عامة.

المغرب، مثل كثير من الاقتصادات الناشئة ذات الدخل المتوسط، يواجه معادلة صعبة. يحتاج إلى توسيع الحماية الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية لشرائح واسعة تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة، وفي الوقت نفسه يسعى للحفاظ على هوامش مالية تسمح باستمرار الاستثمار العمومي والنمو. الدين العام مرتفع نسبياً، والاعتماد على الفلاحة ما زال كبيراً، والاقتصاد غير المهيكل واسع، والبطالة بين الشباب مرتفعة.

في هذا السياق، يصبح كل قرار مالي مقايضة بين أهداف متعارضة جزئياً.

مقترحات لقجع تحاول إدارة هذه المقايضات بطريقة كلاسيكية في الاقتصاد المختلط. رفع حد الإعفاء من الضريبة على الدخل وتخفيف العبء على الأجراء يزيد الدخل الصافي ويشجع على التصريح بالعمل، لكنه يقلل الإيرادات ويوزع الفائدة بطريقة ليست متساوية تماماً عبر الشرائح. الرفع التدريجي للدعم النقدي والمعاشات الدنيا يوزع الكلفة على سنوات عدة، فيحد من الضغط الفوري على العجز، لكنه يؤخر الأثر الملموس على الأسر الأكثر هشاشة. رفض تسقيف أسعار المحروقات والاعتماد بدلاً من ذلك على رفع الضريبة على الشركات في قطاعات تتسم بقوة سوقية يعكس تفضيلاً للأسعار الحرة مع محاولة استرداد جزء من الريع عبر الجباية، بدلاً من العودة إلى دعم غير مستهدف كان يفيد غير الفقراء أيضاً.

هذه الخيارات ليست محايدة؛ هي تُعلي من شأن الاستدامة والكفاءة والاستهداف على حساب السرعة والشمولية في إعادة التوزيع.

من منظور المدارس الاقتصادية، يصعب تصنيف هذا التوجه ضمن النيوليبرالية المتوحشة التي تدعو إلى تقليص الدولة وشبكات الأمان معاً. كما أنه لا يصل إلى الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية التي تميل إلى ضرائب أكثر تصاعدية على رأس المال والثروة، وإلى دعم أكثر عمومية وفورية.

هو أقرب إلى ما يُعرف بالاقتصاد الاجتماعي للسوق أو الليبرالية الاجتماعية الوسطية: سوق مع تصحيحات، حماية اجتماعية مستهدفة وممولة من الضرائب، استثمار عام في البنية التحتية واللوجستيك، وضبط نسبي للعجز.

هذا النموذج موجود في عدة تجارب أوروبية وآسيوية مختلطة، وقد أثبت قدرته على الجمع بين النمو والاستقرار، لكنه يتعرض دائماً للانتقاد من اليسار بأنه بطيء وغير عادل بما يكفي مما يجعل الاحزاب المحسوبة يسارا التي دخلت الحكومة في وضع يتعارض مع المواقف اليسارية العالمية من مثل هذه الاجراءات…، ومن اليمين المتشدد بأنه يثقل كاهل الاقتصاد وهذا بالضبط موقف الاحرار المعلن.

في جانب ثالث من المعادلة يظهر الأزمي ومعه تيار من المعارضة ، مجموعة اليسار والحركة، يرون في التدرج والاستهداف غطاءً لاستمرار أولويات السوق على حساب العدالة. يسألون عن مدى استفادة الفئات الدنيا فعلياً من التخفيف الضريبي، وعن شفافية توقعات الإيرادات، وعن استمرار بعض الإعفاءات التي قد تغذي الريع في قطاعات مثل استيراد المواشي.

هذه أسئلة مشروعة في أي نقاش مالي جاد. الاستهداف، رغم كفاءته النظرية، ينتج أخطاء إقصاء ويحتاج إلى بيانات دقيقة وإدارة نزيهة؛ والتدرج، رغم حذره المالي، قد يبدو لعائلة تعاني من ارتفاع الأسعار وكأنه تأجيل لا نهاية له.

في النهاية نقول، المشكلة الأعمق في المغرب أنه لا يملك هامشاً واسعاً للتجربة والخطأ. السنوات المقبلة ستشهد ضغوطاً إضافية مرتبطة بالاستعدادات لكأس العالم 2030، وبتقلبات المناخ التي تؤثر على الفلاحة، وبضرورة خلق فرص عمل لجيل شاب كبير.

النجاح في مثل هذه الظروف لا يعتمد فقط على دقة الأرقام في قانون المالية، بل على قدرة الإدارة على تنفيذ الاستهداف بعدالة، وعلى قدرة الاقتصاد على توليد موارد إضافية من خلال النمو والإنتاجية، وعلى استعداد الطبقة السياسية لقبول أن بعض المقايضات لن ترضي الجميع.

لقجع يقدم نفسه كرجل أرقام يحاول الابتعاد عن الوعود الشعبوية التي سبق أن فشلت.

الأزمي يذكر بأن الأرقام وحدها لا تكفي إذا لم تترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطن العادي، وأن البرلمان ليس مجرد غرفة للمصادقة.

كلا الموقفين يحمل جزءاً من الحقيقة. في الاقتصادات المختلطة الناجحة، لا يُحسم الجدل بين الكفاءة والعدالة بخطاب تلفزيوني واحد أو بمداخلة برلمانية واحدة؛ بل يُحسم، ببطء وبصعوبة، في نتائج التنفيذ وفي قدرة المؤسسات على تصحيح المسار عندما تظهر الفجوات.

المغرب، في هذه المرحلة، يختبر ما إذا كان التدرج المحسوب كافياً، أم أن الضغط الاجتماعي سيفرض وتيرة أسرع، بتكلفة مالية أعلى. الإجابة لن تأتي من الحوارات، بل من الأرقام الحقيقية في السنوات القليلة المقبلة.

تحياتي – عبدالعالي الجابري

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*