“عدوى النزاهة” في مواجهة “تطبيع الفساد”: خارطة طريق مجتمعية من قلب معرض الكتاب بالرباط

في إطار فعاليات الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، وفي أجواء فكرية مفعمة بالنقاش الجاد، احتضنت قاعة فاطمة الفهرية يوم الخميس 7 ماي 2026، ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً، لقاءً فكرياً استثنائياً ترأسه السيد محمد بنعليلو رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها. وقد خُصص هذا اللقاء لتشريح مفهوم “ثقافة النزاهة” كرافعة أساسية للانتقال من تشخيص الفساد إلى تفعيل الإصلاح المجتمعي الشامل.

في لحظة تواصلية فارقة، اختارت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها الفضاء الثقافي للمعرض الدولي للكتاب لتطلق صرخة وعي جماعي، حيث اعتبر رئيسها أن معركة النزاهة ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي “اختبار يومي لضميرنا الفردي والجماعي“.

وفي نقاش عميق حول “ثقافة النزاهة“، ابرز رئيس الهيئة خلال لقائه مع زوار المعرض أن التحدي الحقيقي ليس في كيفية معاقبة الفساد فحسب، بل في كيفية منعه من التحول من “سلوك مدان” إلى “ممارسة مبررة” اجتماعياً ونفسياً.

“عدوى النزاهة” في مواجهة “تطبيع الفساد”: خارطة طريق مجتمعية من قلب معرض الكتاب بالرباط插图

متاهة “التطبيع” والبيئة الموازية

وجاء في كلمته الافتاحية أن الخطورة للحقيقية تكمن في قدرته على “الانتقال الصامت” عبر آليات اجتماعية كالتقليد والتكيف. وبدلاً من أن يظل سلوكاً مرفوضاً، نجد أنفسنا أمام “تطبيع” اجتماعي يصبغ الفساد بصبغة “الذكاء الاجتماعي” أو “القفوزية“. هذا التحول لا يحدث من فراغ، بل تغذيه بيئة إدارية معقدة؛ فبينما توجد “إدارة رسمية” تحتكم للقانون، تنشأ بالضرورة “بيئة موازية” تحكمها أعراف غير مرئية ومساطر معقدة تفتح الباب واسعاً أمام الانتقائية وغياب الشفافية.

إن تحميل المواطن وحده المسؤولية هو أمر “غير منصف“؛ فالسلوك الفاسد غالباً ما يكون نتاجاً لاختلالات بنيوية داخل الإدارة. عندما يرى المواطن أن الوصول إلى حقه يتطلب “وساطة” أو “تدخلاً“، فإن رسائل العدوى هذه تدفعه دفعاً نحو ممارسات لم تكن يوماً من طباع المغاربة الأصلية.

من “عدوى الفساد” إلى “عدوى النزاهة”

في طرح استشرافي، يقترح رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها مفهماً بديلاً: “عدوى النزاهة”. فمثلما ينتشر الفساد بالتقليد، يمكن للنزاهة أن تنتقل عبر “المثل الأعلى” والسلوك الناجح . لكن هذا الانتقال لن يتحقق بالخطب الأخلاقية وحدها، بل يحتاج إلى “سياسات عمومية” حاضنة تجعل من الالتزام بالقانون خياراً واعياً وليس مجرد خوف من العقوبة.

النزاهة، وفق هذا المنظور، ليست فطرة بل تُبنى عبر “التنشئة الاجتماعية“. ومن هنا جاءت برامج مثل “أجيال النزاهة” التي تستهدف غرس هذه القيم في المدارس والمخيمات الصيفية والجامعات، لضمان بناء وعي جماعي يرفض الفساد كفعل “هجين” ومرفوض.

كسر “ثقافة الصمت”

المعركة القادمة تتطلب الانتقال من “المواطن الواعي” إلى “المواطن المنخرط“. وهذا يعني كسر ثقافة الصمت والتحول إلى “التبليغ المواطناتي” الذي لا تحركه المصلحة الشخصية فحسب، بل الواجب الوطني.

إن الانتقال من الصمت إلى التبليغ هو “تحول فلسفي ومجتمعي” عميق، يتطلب توفير ضمانات حقيقية لحماية المبلغين وجعلهم يشعرون بأن أصواتهم تؤدي إلى نتائج ملموسة. وبدون هذه الثقة، سيظل الصمت خياراً مبرراً وإن كان غير مواطناتي.

كلمة الفصل: معركة الجميع

إن محاربة الفساد ليست شأن المؤسسات وحدها، بل هي “قضية مجتمعية” بامتياز. هي معركة تُخاض في المدارس، والمجالس، وفي الفضاءات العمومية، لتقويض خطابات التضليل التي تبرر الانحراف.

لقد حان الوقت لندرك أن الفساد “طارئ” على سلوكنا وليس أصيلاً فيه. والرهان اليوم هو إعادة ترتيب أولوياتنا لننتقل من مجتمع يراقب الفساد، إلى مجتمع يقاومه بالنزاهة، فالمصلحة العامة فوق كل اعتبار شخصي، والفساد لا يمكن تبريره مهما تعددت المسميات.

لقد كان لقاء “قاعة فاطمة الفهرية” أكثر من مجرد ندوة؛ كان دعوة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، حيث تتقدم “مصلحة الوطن” على كل مصلحة ذاتية، وحيث تصبح النزاهة هي “العدوى” الوحيدة التي نرتضي انتشارها في شرايين المجتمع

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*