الرباط – معرض الكتاب
تحت شعار “التربية في عالم اليوم”، شهدت فعاليات معرض الكتاب (SIEL 2026) ندوة فكرية وازنة نظمها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، سلطت الضوء على أحد أكثر المواضيع إلحاحاً في العصر الراهن: “الذكاء الاصطناعي والتربية: رهانات ومداخل للتفكير”. الندوة التي عرفت مشاركة مسؤولين وخبراء، دقت ناقوس الحذر من التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، داعية إلى انتقال حاسم من “الاستعمال العشوائي” إلى “التأطير المؤسساتي البنيوي”,.
اقتحام رقمي وتحديات “وجودية”
في مستهل اللقاء، أشار المتدخلون إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مضافة، بل أصبح “ظاهرة مقتحمة” لفضاءات المدرسة والحياة الاجتماعية. ووصف الأستاذ صلاح الوديع هذا التحول بـ “التحدي الوجودي”، معتبراً أن المسألة تتجاوز مجرد استخدام أدوات تقنية لتصل إلى إعادة هيكلة عميقة للوعي والسلوك البشري.
من جانبه، أوضح الأستاذ فؤاد شفيقي، الأمين العام للمجلس، أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على مواكبة التكنولوجيا كما في السابق، بل في كيفية توجيهها لخدمة مشروع تربوي منصف يضمن جودة التعلم,. وحذر من أن التأخر في التأطير قد يؤدي إلى “بناء عشوائي” يصعب إصلاحه مستقبلاً.
مخاوف من “غواية الاتكالية” وتراجع الجهد الذهني
توقفت الندوة ملياً عند الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي على جودة التعلمات. فقد نبهت المداخلات إلى خطورة ما سمي بـ “غواية الاتكالية”، حيث يميل المتعلمون (وحتى المدرسون) إلى الاعتماد على الإجابات الجاهزة التي توفرها الخوارزميات، مما قد يؤدي إلى “تعلم سطحي” وتراجع في مهارات التحليل الشخصي والجهد الذهني,.
وأشار شفيقي إلى مفارقة كبرى؛ فبينما يستغرق بناء مهارة كـ “تلخيص النصوص” سنوات من التحصيل، يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازها في ثوانٍ، مما يضعف “الاستثمار في الجهد الذهني” ويخلق تبعية خطيرة للآلة.
رؤية المجلس: التدرج من “الحماية” إلى “المسؤولية”
طرح المجلس الأعلى، من خلال الأستاذ حميد بوشيخي، توصيات استراتيجية تقوم على مبدأ “التدرج والتميز” حسب الأسلاك التعليمية:
- التعليم الابتدائي: التركيز على “الحماية” وبناء الأسس المعرفية الصلبة (القراءة، الكتابة، الحساب) بعيداً عن التشويش الرقمي,.
- التعليم الثانوي: الانتقال نحو “التمكين النقدي” وفهم المنطق الخوارزمي لتطوير الاستقلالية الفكرية,.
- التعليم العالي: تكريس مبادئ “المسؤولية والنزاهة الفكرية” في البحث العلمي,.
السيادة الرقمية والفوارق الاجتماعية
لم تخْلُ الندوة من نقاشات حادة حول “السيادة المعرفية واللغوية”، حيث حذر مشاركون من أن النماذج اللغوية الحالية مملوكة لشركات أجنبية وتدرب على بيانات قد لا تتوافق مع الهوية الثقافية الوطنية,. كما طُرحت إشكالية “الإنصاف الرقمي”، حيث قد يساهم الذكاء الاصطناعي في تعميق الفوارق بين الأسر القادرة على تحمل تكاليف الاشتراكات المتقدمة والأسر المعوزة، مما يضع الدولة أمام مسؤولية ضمان المرفق العام الرقمي المجاني,.
نحو إدماج بنيوي لا “ترقيعي”
خلصت الندوة إلى أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون عنصراً مهيكلاً في إصلاح المنظومة التربوية، وليس مجرد “تحسينات” تضاف فوق الإصلاحات الحالية. إن الهدف النهائي هو بناء مدرسة تضمن الاستقلالية الفكرية للأفراد وتقوي وعيهم بالانتماء، مع استثمار الممكنات الهائلة التي توفرها التكنولوجيا بوعي ومسؤولية,.
وكما جاء في ختام المداخلات، فإن هذه التوصيات ليست “أجوبة نهائية” بل هي “أفق للتفكير الجماعي” يستدعي انخراط الأسر والمجتمع ككل لحماية أجيال المستقبل من الذوبان في عوالم افتراضية غير مؤطرة,.
قم بكتابة اول تعليق