في جلسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، لم يكن تقديم الميزانية الفرعية لوزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية مجرد تمرين محاسبي. لقد تحول العرض الذي قدمه عبد اللطيف وهبي إلى لحظة تأمل مؤسساتي في معنى الاستقلال القضائي بعد دستور 2011.
فالميزانية، في هذا السياق، ليست أرقاماً فحسب، بل هي اختبار عملي لقدرة النظام على ترجمة المبدأ الدستوري إلى ترتيبات إدارية ومالية واضحة، دون أن يتحول الفصل بين السلطتين إلى فراغ في المسؤولية أو إلى تداخل يُعيق سير العدالة.
أقر الوزير، بصراحة غير مألوفة في مثل هذه الجلسات، بأن العلاقة بين وزارة العدل والسلطة القضائية «معقدة جداً ويجب أن تكون مضبوطة». وتحدث عن «مناطق الضباب» التي تولّد مواجهات وتضاربات تعرقل أحياناً العملية القضائية.
هذا الاعتراف يحمل قيمة تحليلية مزدوجة. من جهة، هو اعتراف بأن الاستقلال ليس مجرد إعلان دستوري، بل يتطلب تحديداً دقيقاً للصلاحيات والمسؤوليات داخل فضاء المحكمة نفسه: من يبني، من يُشغّل، من يُعيّن، ومن يُحاسب. ومن جهة أخرى، يطرح استمرار الحديث عن هذه المناطق بعد سنوات من الإصلاح سؤالاً حول طبيعة المرحلة الانتقالية. هل هي مرحلة ضرورية لإعادة ترتيب العلاقات بعد عقود من التداخل، أم أن الحذر المفرط من أي شكل من أشكال «التأثير» يُنتج فراغات عملية؟
يبرز هذا التوتر بشكل أوضح في ملف الرقمنة. كشف وهبي عن ازدواجية في الإنفاق: برامج تُطوَّر بشكل متوازٍ بين الوزارة والمجلس، فتُصرف أموال الدولة على أنظمة متشابهة أو متداخلة. الحل الذي تم التوصل إليه — إسناد صفة الآمر بالصرف إلى الرئيس المنتدب للمجلس — يعكس وعياً بحساسية المعطيات القضائية (أسماء المتهمين والشهود وأسرار الملفات).
غير أنه يُعيد طرح السؤال نفسه: كيف يُدار مشروع استراتيجي مشترك دون أن يتحول التنسيق إلى تفاوض مستمر على حدود السيادة داخل الأرشيف القضائي الذي يضم نحو 160 مليون ملف، لم يُضبط منها سوى جزء محدود حتى الآن؟ الرقمنة هنا ليست مجرد تحديث تقني، بل اختبار جديد لمبدأ الفصل بين السلطتين في عصر المعطى الرقمي.
على مستوى البنية التحتية، أعلن الوزير عن برمجة 28 مشروعاً للبناء والتهيئة سنة 2027، وأبرز مشروع «مدينة العدالة» بالدار البيضاء بغلاف تقديري يقارب 1.2 مليار درهم. الفكرة، التي يدافع عنها منذ سنوات، تهدف إلى تجميع المحاكم المتفرقة في فضاء واحد يخفف الضغط اليومي الهائل على المرافق (حوالي 100 ألف مرتفق يومياً في محاكم العاصمة الاقتصادية). هذا التوجه يعالج بعداً مادياً مهماً من أبعاد الولوج إلى العدالة. غير أن المشروع ما زال في مرحلة التفاوض على الموقع والتمويل مع جهات أخرى، مما يجعله أقرب إلى تصور هيكلي منه إلى إنجاز فوري. وهنا يبرز التحدي الكلاسيكي: هل يمكن للبنية التحتية أن تُعوّض عن وضوح الاختصاصات الإدارية، أم أن «مدينة العدالة» قد تُعيد إنتاج نفس مناطق الضباب داخل فضاء معماري جديد؟
أما التحفظ الذي أبداه الوزير على توظيف الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تقييم عمل القضاة، فيبدو أكثر انسجاماً مع طبيعة الوظيفة القضائية. الخوارزميات ليست محايدة بالضرورة؛ فهي تعكس اختيارات مصمميها. وإخضاع القاضي لتقييم آلي يثير إشكالات تتعلق باستقلال القضاء وسر المداولات وطبيعة المسؤولية القضائية. هذا الموقف يُذكّر، من زاوية فلسفية، بالتمييز الذي أقامه مونتسكيو بين السلطة القضائية وبقية السلطات: فالقضاة ليسوا موظفين إداريين، وحكمهم لا يُقاس بإنتاجية قابلة للقياس الآلي فقط.
غير أن هذا الحذر، في سياق أوسع، قد يُقرأ أيضاً كامتداد لمنطق الاحتياط الذي ظهر في نقاشات سابقة حول بعض النصوص التشريعية، حيث تُستدعى المبادئ الدستورية أحياناً لتأجيل أو تأطير صارم لأي توسع في الصلاحيات.
في المحصلة، يكشف عرض الميزانية عن توتر بنيوي في فلسفة الإصلاح القضائي المغربي: بين الرغبة في تكريس استقلال حقيقي يتطلب فصلاً واضحاً للميزانيات والاختصاصات، وبين ضرورة التعاون اليومي داخل فضاء المحكمة نفسه. الاستقلال، كما يُفهم في نظرية الفصل بين السلطات، ليس انعزالاً، بل هو قدرة كل سلطة على ممارسة اختصاصها دون أن تُملى عليها من خارجها، مع الإبقاء على آليات التنسيق الضرورية لحسن سير المرفق.
الميزانية، في هذا المعنى، ليست مجرد اعتمادات مالية؛ هي أداة لرسم حدود السلطة. والسؤال الذي يطرحه تدخل الوزير هو ما إذا كانت هذه الحدود تُرسم بوضوح كافٍ لتجنب كل من التداخل المُعيق والفراغ المُعطّل، أم أن «مناطق الضباب» ستظل جزءاً من المشهد إلى حين اكتمال الترتيبات المؤسساتية.
هذا هو المحك الذي ستُقاس عليه السنوات المقبلة: ليس فقط حجم الاعتمادات أو عدد المشاريع، بل قدرة النظام على تحويل مبدأ الاستقلال من إعلان دستوري إلى ممارسة إدارية وقضائية متماسكة.


قم بكتابة اول تعليق