هل تمثل تحفظات عبد اللطيف وهبي على تقييم القضاة آلياً حارساً للفلسفة القضائية، أم استمراراً لمنطق “التعطيل المقنع” باسم المبادئ؟
تحت قبة لجنة المالية بمجلس النواب، وخلال تقديم الميزانية الفرعية لوزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026، لم تكن الأرقام والاعتمادات المالية هي بطلة المشهد. لقد اختار وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن ينقل النقاش من لغة الحسابات الجافة إلى قلب واحدة من أعقد الإشكاليات الفلسفية والتقنية في عصرنا: اقتحام الذكاء الاصطناعي لمحراب العدالة.
في تصريح يجمع بين الحذر الحقوقي والتوجس المؤسساتي، أبدى الوزير تحفظاً صارماً تجاه توظيف الخوارزميات في تقييم عمل القضاة أو رصد شبهات الفساد في صفوفهم. مبرراته لم تكن تقنية بحتة، بل استندت إلى مرافعة فلسفية تفكك “أسطورة الحياد التكنولوجي”، محذراً من أن الآلة تعكس في النهاية تحيزات مصمميها، وأن إخضاع “القاضي الإنسان” لرقابة “القاضي الآلي” ينسف أسس الاستقلالية القضائية ويطرح معضلات غير مسبوقة حول المسؤولية الجنائية.
هذا الموقف يضعنا أمام مفارقة مزدوجة تستحق التشريح: فمن جهة، هو موقف ينم عن رصانة قضائية تتماشى مع أعقد النقاشات العالمية، ومن جهة أخرى، يوقظ لدى المراقبين شبح “الاحتياط المبالغ فيه” الذي طالما استُخدم لتبرير فرملة الإصلاحات.
وهم الحياد الخوارزمي: حين ترتدي الآلة عباءة مصممها
من الناحية العلمية والتقنية البحتة، أصاب وزير العدل كبد الحقيقة عندما جرد الأنظمة الذكية من وهم “الحياد المطلق”. الذكاء الاصطناعي ليس سحراً رياضياً مجرداً، بل هو نتاج عمليات تعلم آلي (Machine Learning) تتغذى على قواعد بيانات تاريخية ضخمة. هذه البيانات هي نتاج بشري يحمل في طياته كافة أشكال التحيز، والتمييز، والقصور الإنساني.
عندما تُصمم خوارزمية لتقييم أداء قاضٍ أو لرصد “شذوذ” في أحكامه قد يوحي بشبهة فساد، فإنها تقيس هذا الأداء بناءً على معايير (Parameters) وضعها مبرمجون مهندسون وليسوا فلاسفة قانون. المهندس يميل بطبعه إلى “القياس الكمي” (عدد الملفات المحكومة، سرعة البت، نسبة التأييد في الاستئناف)، متجاهلاً “القياس الكيفي” الذي يشكل جوهر العمل القضائي. فالعدالة لا تُقاس بالكيلوغرامات ولا بسرعة الإنتاج، بل بمدى تعمق القاضي في دراسة الملف، وقدرته على تكييف النص الجامد مع نبض الواقع المتغير.
إن تسليم رقبة القاضي لخوارزمية صماء يعني تحويل مسار العدالة إلى نظام “تسجيل نقاط” آلي، وهو ما يُعرف في الأدبيات التقنية بظاهرة “الصندوق الأسود” (Black Box)، حيث تُتخذ قرارات التقييم دون قدرة على تفسير مسارات الاستنتاج المنطقي التي سلكتها الآلة، وهو ما يتناقض جذرياً مع مبدأ “تعليل الأحكام والقرارات”.
استقلال القاضي وسر المداولات تحت مجهر الخوارزميات
إن التخوف الذي أبداه الوزير يلامس وتراً حساساً في الفلسفة القضائية: استقلال القاضي وحريته في الاقتناع العميم (L’intime conviction).
إذا علم القاضي أن ترقيته، وتقييمه المهني، بل وتبرئته من شبهات الفساد، تخضع لنظام ذكاء اصطناعي يرصد تحركاته وأحكامه، فإنه سيقع لا محالة في فخ “الامتثال الخوارزمي” (Algorithmic Compliance). سيصبح القاضي مدفوعاً، بوعي أو بدونه، لإصدار أحكام نمطية ترضي “الآلة” وتتطابق مع المتوسط الإحصائي العام، تجنباً لإطلاق “تنبيهات الفساد” (Red flags) التي قد تبرمجها المنظومة لرصد الأحكام غير المعتادة.
هذا التنميط الآلي يقتل “الاجتهاد القضائي” الذي يولد دائماً من رحم الأحكام غير المألوفة. الأهم من ذلك، أن اختراق الأنظمة الذكية لمسارات الملفات يهدد مبدأ “سرية المداولات”. المداولة ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي فضاء نفسي وقانوني مغلق يتحرر فيه القاضي من أي ضغط خارجي. دخول الآلة كطرف “مقيم” أو “مراقب” لوتيرة هذه المداولات ونتائجها يمثل خرقاً صامتاً للحرم القضائي.
معضلة المسؤولية الجنائية: من نحاكم حين تخطئ الآلة؟
طرح الوزير وهبي سؤالاً يعتبر حالياً الصداع الأكبر لفقهاء القانون في العالم: أين تقع المسؤولية الجنائية إذا ارتكب النظام الذكي خطأً جسيماً؟
تخيل نظاماً ذكياً لمكافحة الفساد يحلل المعاملات المالية وقرارات قاضٍ معين، ويصدر تقريراً آلياً يتهمه فيه بالارتشاء بناءً على تقاطعات بيانات خاطئة، مما يؤدي إلى تدمير مساره المهني. من يتحمل المسؤولية الجنائية والمدنية هنا؟ هل هو القاضي الذي صدق تقرير الآلة؟ هل هي الشركة التكنولوجية التي صممت الخوارزمية واحتفظت بحقوق ملكيتها الفكرية؟ أم أن الآلة نفسها قد اكتسبت “شخصية قانونية” وهمية؟
القانون الجنائي الكلاسيكي ينبني على مبدأ “الركن المعنوي” (القصد الجنائي – Mens Rea). والآلة، مهما بلغت ذكاءً، لا تملك قصداً ولا وعياً. وبالتالي، فإن إقحام الذكاء الاصطناعي في دوائر اتخاذ القرار القضائي أو الرقابي يخلق “فراغاً في المسؤولية”، وهو ما يرفضه الفقه الجنائي قطعياً. هذا المبرر جعل الاتحاد الأوروبي في قانونه الشامل للذكاء الاصطناعي (AI Act) يصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في قطاع العدالة ضمن فئة “الأنظمة عالية المخاطر” (High-Risk AI)، فارضاً عليها رقابة بشرية صارمة.
الخلاصة: بين الحذر الفلسفي الرصين وهاجس “التعطيل المقنع”
لا يمكن قراءة هذا التدخل البرلماني بمعزل عن السياق السياسي والتشريعي العام لوزير العدل.
في الشق الإيجابي: مرافعة الوزير تشكل لحظة وعي حقوقي متقدم. إنها تتماهى مع أحدث توصيات اللجان الأوروبية لفعالية العدالة (CEPEJ)، التي تشترط أن يظل الذكاء الاصطناعي في المحاكم مجرد “مساعد إجرائي” (لأتمتة المهام المكتبية، ترتيب الملفات، ورقمنة الأرشيف)، وألا يتحول أبداً إلى “صانع قرار” أو “مقيِّم للبشر”. الدفاع عن القاضي في وجه الآلة هو في الحقيقة دفاع عن “أنسنة العدالة”، لأن الإنسان وحده من يملك القدرة على فهم السياقات الاجتماعية المعقدة التي تعجز الخوارزميات عن ترجمتها إلى أصفار ووحايد.
في الشق السلبي: بالنسبة للمراقب المتشكك، قد يبدو هذا الخطاب امتداداً لنفس “المنهجية الاحتياطية” التي يستخدمها الوزير في ملفات أخرى (كالإثراء غير المشروع). ففي كل مرة يُطرح فيها حل جذري (سواء كان نصاً قانونياً قادماً من المعارضة، أو نظاماً تكنولوجياً متطوراً) لضبط الإدارة وتقوية آليات مكافحة الفساد، يُستحضر “الهاجس الفلسفي والمبدئي” لفرملة العملية برمتها.
غير أن الإنصاف يقتضي القول إن التوجس من تقييم القضاة بالذكاء الاصطناعي يحمل وجاهة تفوق بكثير التوجس من قوانين محاربة الفساد. فإذا كانت المبادئ الدستورية تقتضي إيجاد صيغ قانونية لمحاسبة لصوص المال العام، فإن نفس المبادئ تقتضي حماية منصة القضاء من سطوة مهندسي وادي السيليكون. العدالة، في جوهرها النهائي، يجب أن تظل فعلاً إنسانياً خالصاً، لأن الخطأ البشري، رغم مرارته، يظل قابلاً للاستئناف والتصحيح، أما الخطأ الخوارزمي المبرمج، فيتحول إلى طغيان آلي لا يُقهر.


قم بكتابة اول تعليق