فرنسا… أول دولة غربية من مجموعة السبع تواجه مخاض المرور الى العصر الموالي

عبدالعالي الجابري- مدير جريدة GIL24

تقديم

لا أنكر أنني ذُهلت من قرار الرئيس الفرنسي، والذي بموجبه تم حل الجمعية العامة (البرلمان الفرنسي)، ليلة الانتخابات الأوربية. وقال ماكرون في كلمة متلفزة “سأوقع بعد قليل مرسوم إجراء الانتخابات التشريعية للدورة الأولى في 30 يونيو، والدورة الثانية في 7 يوليوز”.

وفاز التجمع الوطني (اليمين المتطرف) بزعامة جوردان بارديلا في الانتخابات بنسبة تزيد على 30% من الأصوات، ملحقا هزيمة ساحقة بالمعسكر الرئاسي الذي حصل على نحو 15% من الأصوات، يليه في المرتبة الثالثة تشكيلة الحزب الاشتراكي بزعامة رافاييل غلوكسمان مع 14%..

واعتبر الرئيس الفرنسي أن نتيجة الانتخابات الأوروبية “ليست جيدة للأحزاب التي تدافع عن أوروبا”، مشيرا إلى أن اليمين المتطرف حصد “ما يقرب من 40% من الأصوات” في فرنسا (إذا أضفنا إلى قائمة بارديلا قائمة حزب “الاسترداد” بقيادة إريك زمور). 

وتابع إيمانويل ماكرون أن “صعود القوميين والديماغوجيين يشكل خطرا على أمتنا وأيضا على أوروبا وعلى مكانة فرنسا في أوروبا وفي العالم”.

وكان جوردان بارديلا قد أعلن بالفعل أنه سيطالب بحل الجمعية الوطنية بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تقدمه قبل الانتخابات، وطالب بذلك مجددا مساء الأحد، واصفا ماكرون بـ”الرئيس الضعيف”.

وفي رد فعل فوري، أعلنت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن “نحن على استعداد لممارسة السلطة إذا منحنا الفرنسيون ثقتهم”. وخسرت لوبن في مواجهتها مع ماكرون مرتين في الانتخابات الرئاسية لعامي 2017 و2022، وتهدف إلى الوصول للرئاسة في الاستحقاق المقرر عام 2027.

خطاب رئاسي… أم خطاب الفوضى

حل الجمعية الوطنية الفرنسية، الذي أعلنه الرئيس إيمانويل ماكرون فور إعلان نتائج الانتخابات الأوروبية، اغرق فرنسا في الفوضى.  حيث وبدل الاستعداد لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، رأينا حالة غريبة وفريدة من نوعها لم يسبق لنا ملاحظتها خلال الجمهورية الخامسة الفرنسية، والتي نذكر انها عرفت مرتين حل الجمعية العامة ودعوة الرئاسة لانتخابات مبكرة، لكن هذه المرة فجائية القرار ادى الى نشوب حرب عشوائية داخل الأحزاب السياسية وضد بعضها البعض، ويتبادل الكل الاتهامات بالاستسلام لأشكال مختلفة من التطرف.

فالقلق الذي يظهرونه والعنف الذي يثيرونه لا يرقى إلى مستوى التحدي. الكل يلاحظ أخطاء الآخرين الماضية، لكن لا أحد يحلل أسباب الأزمة الاجتماعية العميقة التي تمر بها البلاد ومعها الغرب برمته.

لكن، وكمتتبع دائم وغير مندمج او منحاز لأي قوة سياسية فرنسية، أعتقد ان المشكلة لا تكمن في حل هذا العيب أو ذاك، بل في تغيير نموذج العمل السياسي بشكل جذري وتكييفه مع مجتمع يعتمد اقتصاده على تكنولوجيا المعلومات والتشبيك وليس كما كان يعتمد على فائض قيمة المنتج “الصناعي”.

يسود حلقات النقاش الواسعة والكثيفة التي تعرفها وسائل الإعلام وكذا منصات التواصل الاجتماعية هذه الأيام بفرنسا، وحتى ببعض الدول الأوربية لتحليل ما يجري بفرنسا… تفكير عام يتساءل عن سبب انتحار رئيس الجمهورية الذي يعد قراره اعلانا تدميريا لحزبه في الانتخابات التشريعية.

وبما انه أصبح واضحا أنهم لا يملكون إجابة، اعتقد ربما لأنهم يطرحون السؤال بشكل خاطئ… من هنا كان لزاما محاولة الخوض في الموضوع.

طبعا، خطب الرئيس تكون مكتوبة ومعد بشكل دقيق… وعلى الرغم من محاولة الاستماع اليها مرات ومرات، فلا شيء يستنتج منها أكثر مما تم التطرق إليه خلال كل تلك الجلسات والنقاشات.

وبما ان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ضمن لائحة الأشخاص الذين أتابع حساباتهم على تويتر، نظرا لكونه كثير التواصل عبره، وبعض المرات تكون تدخلاته تلقائية (ينقصها ذلك الضبط الصارم للخطابات الرئاسية)، مما قد يسمح بالاعتماد على نبرة الصوت او حركة لحاسة من حواس الوجه الخ… ان توحي بموقف ما…. لكن لا شيء.

لذا طرحت احتمالية او فرضية مفادها أن إيمانويل ماكرون ليس هو من اتخذ هذا القرار… في هذه الحالة من وما الهدف؟

 يتبادر إلى الذهن المستثمرون الذين وضعوه في الإليزيه. بمعنى انه استنفذ مدة صلاحيته من جهة… ومن جهة ثانية، عليهم الاستعداد للعصر الجديد القائم كما قلنا على اقتصاد تكنولوجيا المعلومات والتشبيك وليس كما كان يعتمد على فائض قيمة المنتج “الصناعي”، تجاوزنا عهد التخصص في المالية الى التخصص في التشبيك الدولي.

والمشكلة في فرنسا الآن ليست في ان يكون ايمانويل ماكرون هو الرئيس الأخير للجمهورية الخامسة. بقدر يكمن المشكل في إطلاق او انطلاق المرحلة التالية، وتكوين خليفة قادر على إتباع نفس السياسة مع تبني خطاب جديد عند وصوله إلى السلطة.

الاختيارات ليست كثيرة، والمنصب قد يكون محصورا في الوجوه الثمانية أعلاه…

ومع ذلك في مثل هكذا سباق، ثمانية عدد كبير، وجب حصره اكثر، وبالتالي العمل على اندماج اكبر عدد ممكن،  فاليمين مكون من حزبين 2 (التجمع الوطني والاسترداد) والوسط/المحافظين من 2 (من النهضة الى الجمهوريون)، اليسار من 4 (الحزب الاشتراكي و فرنسا الأبية و أوربا البيئة الخضر و الحزب الشيوعي الفرنسي)… وجب إذن حسم عدد اليسار على وجه السرعة.

اليسار يعلن تحالفا اعتبره المحللون تاريخيا

إذا تناولنا التحالف من جانب يهم تحقيق الانسجام بين الإيديولوجيات المختلفة لأحزاب اليسار، فهذا أمر سبق وأن تحقق خلال عدة استحقاقات انتخابية خلال الجمهورية الخامسة… وعليه لماذا يعتبر المحللون ان التحالف اليساري “تاريخي”، و”غير مسبوق”، على اعتبار أن “اليسار يريد أن يتوحد في صف واحد، وأن يكون له مرشحون مشتركون منذ الجولة الأولى في الانتخابات التشريعية؟؟؟

رسميا، كبار المسؤولين في الأحزاب الاشتراكي والشيوعي والخضر وفرنسا الأبيّة لم يتّفقوا بعد على الشخصية التي ستتولّى رئاسة الحكومة في حال فوز ائتلافهم في الانتخابات. لكن رافاييل غلوكسمان وكيل لائحة الحزب الاشتراكي الذي حلّ في المرتبة الأولى في صفوف اليسار في الانتخابات البرلمانية الأوروبية، قال “يجب اختيار شخصية تحظى بتوافق”، مستبعداً جان لوك ميلانشون زعيم “فرنسا الأبيّة” الذي يثير انقسامات والمتهم بأنه قريب من روسيا وتبنّي مواقف يعتبرها البعض مبهمة بشأن معاداة السامية.

فمن هو لرافائيل جلوكسمان؟

لقد سمحت الانتخابات الأوروبية بالفعل لرافائيل جلوكسمان بالصعود والظهور:

 نذكر انه الزوج السابق لإيكا زغولادزي Eka Zgouladze ، وزيرة داخلية (جورجيا)2005-2012، ثم نائبة وزير الداخلية لبترو بوروشينكو (أوكرانيا) 2014-2016،

ويعيش الآن مع الصحفية الفرنسية اللبنانية ليا سلامة Léa Salamé ، حفيدة الأرمني صائغ المجوهرات روبير بوغوصيان Robert Boghossian وابنة الوزير اللبناني السابق غسان سلامة.

رافاييل جلوكسمان هو حفيد الفيلسوفة جانيت كولومبيل Jeannette Colombel ، الستالينية السابقة التي أصبحت صديقة لجان بول سارتر وميشيل فوكو وجيل ديلوز.

و رافائيل هو أيضًا ابن “الفيلسوف الجديد” أندريه جلوكسمان André Glucksmann، الذي كان موظفا في فريدوم هاوس Freedom House  ، (وهي المنظمة التي دائما أقول عنها : عندما تكون الحرية مجرد شعار).

رافائيل يصرح بنفس انه معاد لروسيا تماما كما كانت جدته ووالده بعد عام 1968 بالنسبة للاحاد السوفياتي. وأنه سيكون خليفة جيد لإيمانويل ماكرون …

ولهدم منافسه الوحيد ضمن التحالف. تم ، ساعات قليلة من نشر قائمة مرشحي “الجبهة الشعبية الجديدة”، الزج بخمسة نواب سابقين من حزب “فرنسا الأبية” (LFI) الذين لم يجدوا انفسهم ضمنها، الى التنديد بدكتاتورية مؤسس حزبهم جون جاك مينولشون متهمين اياه بعزلهم نظرا لعدم تقاسم وجهة نظره حول احداث الشرق الأوسط، وعلى الرغم من تأكيده انه لم يكن ضمن هيئة الاختيار ، الى أن تلك هي وجهة نظرهم لحد الساعة…

في حين سجلنا ملاحظة هامة تتجلى في كونهم  كانوا المعارضين اليساريين الوحيدين لرافائيل جلوكسمان ولم يتقبلوا صعوده الذي لا يقاوم…

وفي رهان بمنافس وحيد، أقول ان رافائيل جلوكسمان هو المؤهل رقم 1 ، من وجهة نظري لخلافة ماكرون، نظرا لتحقيقه “البروفايل” المطلوب، من “الغرب” العالمي، لضمان الاستمرارية وقابلية التحول و(…) أخرى.

اليمين بين العجرفة المتطرف وتشتت المحافظين:

يُعتبر التجمّع الوطني الأوفر حظاً وفقاً لنتائج استطلاعات الرأي، وهو يسعى لتوسيع قاعدته للوصول للمرة الأولى في تاريخه إلى السلطة.

وقالت زعيمته مارين لوبن الجمعة إن حزبها سيشكّل “حكومة وحدة وطنية” لإخراج فرنسا “من المأزق” في حال فوزه بالانتخابات.

وأضافت خلال زيارة إلى إينان بومون في شمال فرنسا “سنجمع كلّ الفرنسيين، رجالاً ونساءً، من أصحاب الإرادة الطيبة الذين يدركون الوضع الكارثي لبلادنا”.

ومنذ الأحد نجح التجمّع بالحصول على دعم أطراف عدّة من بينها إريك سيوتي رئيس حزب الجمهوريين المحافظ الرئيسي.

إلا أن التحالف غير المسبوق الذي اقترحه مع أقصى اليمين أدّى إلى تشرذم في حزبه الذي أتى من صفوفه كثير من رؤساء البلاد السابقين. وأقالت هيئات الحزب سيوتي إلا أن الأخير يتمسّك بمنصبه وقد تقدّم بشكوى على قرار الحزب.

ويجتمع معارضو سيوتي مرة جديدة في إطار المكتب السياسي للحزب للمصادقة على قرار إقالته.

وبإزاء تبدّلات المشهد السياسي السريعة، ندّد رئيس الوزراء غابرييل أتال بـ”اتفاقات هامشية ضيّقة” في أوساط اليمين واليسار على السواء، وحاول رفع معنويات المعسكر الحكومي الذي تُظهر استطلاعات الرأي أنّه سيمنى بهزيمة كبيرة.

ومن باري في إيطاليا حيث شارك في قمة مجموعة السبع، اعتبر إيمانويل ماكرون أن وضعه على الساحة الدولية “لم يضعف” رغم احتمال كبير أن يضطر إلى تعيين رئيس وزراء من المعارضة.

وردّ رئيس حزب التجمّع الوطني جوردان بارديلا على ولادة هذا الائتلاف اليساري الجمعة بالقول إنه سيكون “خصمه الرئيسي” في الانتخابات التشريعية، بعد ملاحظة تأخر معسكر ماكرون في استطلاعات الرأي.

من جهة اخرى، انقسم “Reconquête”الاسترداد  بين مؤسسه إيريك زمور ونجومه المتحالفين حول ماريون ماريشال لوبان الذين فضلوا التحالف مبكرا مع “التجمع الوطني”… مع تسجيل ان إيريك زمور لا يعارض التحالف مع التجمع الوطني، لكن قادة هذا الأخير هم اللذين رفضوه.

نشير الى ان ايريك زمور، صرح في العديد من المرات انه في حال عدم تمكن حزبه من التأهل الى الدور الثاني ورغم غياب أي تحالف، فقد يدعو أعضاء تنظيمه الى التصويت للتجمع الوطني.

مما يجعلنا فعلا أمام ثلاث قوى سياسية، ستواجه بعضها البعض في الفترة المقبلة.

الفوضى التي لا مفر منها

الفترة المقبلة مليئة بالفوضى. بثلاث قوى سياسية رئيسية غير قابلة للتفاوض او التحالف، بل في احسن الضروف سيفرض عليها التعايش، مع تسجيل ان ولا واحدة منها تقدم تحليلاً للموقف الذي توجد فيه فرنسا حاليا.

الجميع يعلم أن فرنسا يمر بمنعرج فعلا تاريخي، تتجلى اهم سيماته في:

  • المواطن الفرنسي يفضل أن يعيش على الإعانات بدلاً من العمل براتب زهيد ومهين.
  • اضف الى ذلك أن الدين العام شكل 3101 مليار يورو في نهاية عام 2023، وهو ما يمثل 110.6% من الناتج المحلي الإجمالي… كما ان الإدارات مكلفة للغايةو لا تقدم خدمات ذات نوعية.
  • في حالة نشوب حرب بين فرنسا وروسيا (على سبيل المقارنة فقط)، الجيوش الفرنسية مجتمعة لن تصمد اكثر من ثلاثة أيام. كما ان الجميع يعلم ان قوات الشرطة الفرنسية تنتشر في مستعمرات كاليدونيا الجديدة ومايوت، وتمتنع عن دخول أحياء معينة في البر الرئيسي لفرنسا.
  • العدالة، العدالة بفرنسا تستغرق سنوات للحكم على الجريمة، والسجون مكتظة، تصل أحياناً الى أكثر من 250% من القدرة الاستيعابية في سجون الرجال.
  • بفرنسا، يستطيع العديد من الطلاب، المنحدرين من الأحياء الشعبية، الحاصلين على شهادة البكالوريا فك رموز النص، لكنهم لا يستطيعون قراءة كتاب.
  • يقضي موظفو المستشفيات ثلث وقتهم في ملء الاستمارات والوثائق والنماذج ولم يعد لديهم الوقت الكافي لرعاية مرضاهم.
  • انتشار ظاهرة الاحتيال، وخاصة في مجالي الضمان الاجتماعي والضرائب، بلغت مستويات قياسية.
  • في سابع اقوى اقتصاد عالمي (فرنسا) يلعب البيع غير القانوني للمخدرات دورًا اقتصاديًا مهمًا (حوالي 3 مليارات يورو) بل يتم تضمينه في حساب الناتج المحلي الإجمالي.
  • وصلت أوجه عدم المساواة إلى حد أنه ما يقرب من 3 ملايين فرنسي (4.25٪ من السكان) هم من أصحاب الملايين بالدولار، في حين ان ما يقرب من ثلث الفرنسيين يعيشون على أقل من 100 يورو اعتبارًا من العاشر من الشهر.

أضف الى كل هذا، الأحزاب السياسية والنقابات، منظمة بطريقة هرمية، على النموذج الصناعي، لا تقدم سوى حلول من العصر الصناعي، أي مصممة في القرن الماضي، وهو تصميم قادر على ان يطيل في عمرها لكن غير قادر على منحها فرصة تقديم اجوبة للقضايا المتجددة.

وهذا الوضع لا يقتصر على فرنسا فحسب، بل يشمل كل البلدان التي كانت منتصرة في العصر الصناعي والتي تشكل، “الغرب الجماعي” وكذا كل الدول التي بنت انظمتها على ذلك النموذج…

ولاحظوا معي أن  روسيا كانت واحدة من هؤلاء الفائزين، ولكنها انهارت عندما تفكك الاتحاد السوفييتي، وأعادت بناء نفسها منذ ذلك الحين خارج النموذج القديم… والجميع يقر ان السياسيين في روسيا لا تعرفون ما هي الخطوة التالية، لكنهم منفتحون على كل الاحتمالات. من نظام التخطيط الى نظام الاحصائيات والاحتمالات، ربما تكون هذه الخصوصية هي التي تفسر الوضع الذي بدأت روسيا تحتله حاليًا.

هل تعيش فرنسا في فترة انتقالية، نحو مجتمع محوسب، مجتمع معلوماتي، مجتمع لم تعد المبادئ التنظيمية للمجتمع الصناعي صالحة. مجتمع لا يمكن من الاستقارار في الحكم، حتى لو تمكنت السلطة من إدارة الأمور ببراعة… الا اذا تم اختراع نظام لا تُعرف معالمه بعد.

ان كان الامر كذلك، يمكنني تأكيد انه ولا فريق من هذه الائتلافات الثلاثة يفكر في تكييف قواعد اللعبة مع متطلبات العصر. بل يتشبث الجميع، النشطاء منهم والمشوشين، ببعض الأفكار التي لم تعد تتوافق مع العصر، أو حتى بمعتقدات لا يتقاسمونها مع غالبية المواطنين الآخرين.

دليلنا في ذلك ما تعبر عنه هذه التجمعات من خلال وسائل الاعلام، حيث يسلط التجمع الوطني الضوء في موقعه على الإنترنت على ثلاثة مواضيع:

  • يستنكر دراسة حكومية حول المدخرات التي يمكن تحقيقها عن طريق إلغاء فهرسة المزايا الاجتماعية ومعاشات التقاعد؛
  • يدين الحظر الذي فرضته الحكومة على الشركات الإسرائيلية في معرض الدفاع والأمن، يوروساتوري؛
  • أخيراً أعلن عن تقديم شكوى أمام محكمة العدل بالاتحاد الأوروبي ضد قرارات المجلس الأوروبي الخاصة بتوزيع المهاجرين الجدد على الدول الأعضاء والغرامات المفروضة على الدول التي ترفضهم.

ثلاثة بيانات صحفية تهدف إلى إظهار الاهتمام الذي يبذله الحزب للدفاع عن مستوى معيشة الفرنسيين ومحاربة الهجرة، بالإضافة إلى رسالة مموهة مفادها أن كراهية الأجانب لديه تسود اليوم على معاداة السامية لمؤسسيه.

من جهته، ليس لتجمع  “النهضة”، حزب إيمانويل ماكرون، سوى موقع إلكتروني مختصر. ويسلط الضوء على 12 قيمة، بما في ذلك التقدم والمبادرة الإقليمية والنسوية؛ ثم يشير ان باقي القيم سيتم تحديدها لاحقا. (؟؟؟).

من هنا ،لا ندري كيف سيصالح الشعب الذي عاقبه خلال الانتخابات الاوربية، كيف يفسر مقاربة أوروبا المُتَدَينَة مع الأمة والجمهورية والعلمانيةالفرنسية… ثم كيف لحزب في هذه المحطة وهذا المفترق ولا يزال يرفع شعارات مفاهيمية غامضة، في حين يحتاج رواده الى افكار عملية للخروج من عنق الزجاجة الذي وجدوا نفسهم فيه.

اما فيما يخص قوى اليسار، فقد استطاع ائتلافهم ضم 12 حزبا يساريا أو مدافعا عن البيئة. لا تزال للأسف،  تهين بعضها البعض منذ أسبوع. مع تسجيل انهم تمكنوا من تشكيل ائتلاف “الجبهة الشعبية الجديدة، في أربعة أيام.

كما وقعوا على برنامج مشترك، له ميزة وجودية، ولو اننا نفهم بوضوح أنه تم وضعه على عجل. الى اننا نسجل انزلاق الجميع في مواضيعهم المفضلة، دون أن يتم حل التناقضات… وبغض النظر عن ذلك، فإن الناخبين سوف يستجيبون للشعارات العديدة التي يتضمنها. وبالمناسبة، دعم أوكرانيا ضد روسيا كان مصادقاً عليه من قبل الجميع.

تعرض المواقع الـ 12 للأحزاب الأعضاء إيمانها المشترك بالأصل البشري لتغير المناخ وإشاراتها التاريخية إلى النضالات الاجتماعية، لكنها تتجنب الإشارة إلى معارضتها لبرامج المكونات الأخرى للائتلاف.

ملاحظة أخيرة، لا أنكر استغرابي إلى حد ما عندما قرأت ان ميليشيا تروتسكية، ” La Jeune Garde antifasciste الحرس الشاب المناهض للفاشية” (JGA)، وحزب الاستقلال ” Euskal Herria Bai  إيوسكال هيريا باي” (EHB)، قد انضما إلى هذا الائتلاف… هل لي ان اعتبرها علامة من علامات التشبيك المستقبلي.

خلاصات قابلة للتغيير:

الانقسام إلى ثلاث تكتلات يتوافق مع العرض الانتخابي، وليس بالضرورة تعبيرا عن الانقسامات الشعبية الحقيقية.

كل تكتل ينتج خطابات تقنية خاصة، لا يوجد تحليل لأزمة الحضارة الفرنسية، رغم ان الجميع يعلن سوء حالها.

خطاب الهوية عاد إلى الظهور خلال الحملة الانتخابية، لكنه لا يركز على الأمة الفرنسية التي تواجه أوروبا أو الهجرة، بل على المعايير و”البروفايلات” الشخصية التي ستبقى في مجتمع المستقبل.

من الواضح أن الأحزاب السياسية لن تكون قادرة على الاستجابة للأزمة الحالية، وفي اقصى الحالات ستعمل على تضميد هذا الجرح أو ذاك… مما يوحي لنا أن الفترة الانتقالية ستكون طويلة، وستمر حتما بمرحلة التعايش السياسي cohabitation، كما أن خلال الدور الثاني فقد تحدث مجازر سياسية تاريخية.

نذكر، أن نهاية النظام القديم وبداية مجتمع قائم على المساواة القانونية، استغرقت 92 عامًا، بما في ذلك 10 سنوات من الثورة الفرنسية. خلال تلك الفترة، كان المواطنون يتخذون قراراتهم متأثرين بعواطفهم أكثر من تأثرهم بالأسباب الحقيقية للثورة…

لذلك، فرنسا وكل من حدى حدوها، في حاجة ملحة للتدريب السريع على العلوم السياسية ونشر المعلومات التعددية.

فهل سنستفيد نحن من الدرس الفرنسي؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى