رئاسة النيابة العامة تطلق بفاس دورة تكوينية حول الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان لتأهيل القضاة

افتتحت رئاسة النيابة العامة، اليوم الاثنين بمدينة فاس، أشغال الدورة التكوينية الأولى حول موضوع «الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان»، بدعم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، وذلك في إطار برنامج يروم تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان، وتنزيلاً للمخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة للفترة 2026-2028، خاصة الشق المتعلق بتقوية حماية الحقوق والحريات.

وتأتي هذه الدورة، التي تتواصل أشغالها يومي 19 و20 أكتوبر الجاري، في سياق التوسع المتسارع لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات الوقاية من الجريمة ورصدها والتحقيق فيها، وهي تطبيقات تتيح إمكانات جديدة أمام أجهزة إنفاذ القانون، غير أنها تطرح في المقابل تساؤلات جوهرية بشأن ضمانات استخدامها واحترامها للحقوق الأساسية للأفراد، وقرينة البراءة، وضمانات المحاكمة العادلة.

وأكد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، خلال افتتاح أشغال الدورة، أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة الجنائية يتيح فرصاً واعدة لتطوير أساليب البحث والتحري وتحليل المعطيات الرقمية ومكافحة الجرائم السيبرانية، لكنه يطرح تحديات قانونية وحقوقية تستدعي ضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية. وشدد على ضرورة إخضاع مخرجات الأنظمة الذكية للفحص والتحقق والتقييم النقدي، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية، مع التمييز بين المؤشرات التقنية والأدلة التي يمكن الاستناد إليها قانوناً.

وأوضح بلاوي أن استخدام هذه التقنيات في الأبحاث الجنائية يقتضي التأكد من مصدر الأدلة الرقمية وسلامتها ومشروعية الحصول عليها، فضلاً عن التحقق من موثوقية الأدوات المستخدمة في تحليلها، محذراً من المخاطر المرتبطة بعدم دقة النتائج أو صعوبة تفسيرها، وانعكاساتها المحتملة على حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية. كما أكد أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في منظومة العدالة يجب ألا يمس الحق في الدفاع أو استقلال التقدير القضائي، مشدداً على أهمية الإشراف البشري الفعلي، ووضوح المسؤوليات، وإقرار الضمانات اللازمة للمساءلة وتصحيح الأخطاء.

وأشار رئيس النيابة العامة إلى أن الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من المعطيات، ودعم الأبحاث المتعلقة بالجرائم السيبرانية والاحتيال المالي وبرمجيات الفدية والجريمة المنظمة، تظل مشروطة باحترام الاختصاصات القانونية للنيابة العامة، وضمان قانونية إجراءات البحث والتحري وموثوقية الأدلة الرقمية، دون إحلال التقدير الآلي محل التقييم القضائي.

وترتكز أشغال الدورة على عدد من المرجعيات الدولية المؤطرة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي واستخداماته، من بينها توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لسنة 2021، ومبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لسنة 2019، والاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون لسنة 2024، إلى جانب أعمال المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وتؤكد هذه المرجعيات ضرورة احترام حقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ومكافحة التمييز، وضمان الإشراف البشري، واعتماد مقاربة قائمة على تقييم المخاطر.

ويتوزع برنامج الدورة على محورين أساسيين: يخصص الأول لتقديم المفاهيم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأطر الدولية الناظمة له، مع بحث انعكاساته على حقوق الإنسان والضمانات الإجرائية، فيما يركز اليوم الثاني على ورشات تطبيقية تناقش التحديات المرتبطة باستخدام هذه التقنيات في التصدي للجريمة. كما تشكل حماية المعطيات الشخصية واحترام الحياة الخاصة، وصون السلامة الجسدية للأشخاص، وضمان الرقابة البشرية وآليات المسؤولية والمساءلة، محاور أساسية ضمن الأشغال.

ويشارك في الدورة خبيران دوليان متخصصان في الذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز قدرات المسؤولين القضائيين بالنيابة العامة وتمكينهم من الاطلاع على التجارب المقارنة والممارسات الفضلى في هذا المجال. وتندرج هذه المبادرة ضمن برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان، الذي أطلقته رئاسة النيابة العامة سنة 2020، كما تنسجم مع توجهات المخطط الاستراتيجي 2026-2028 الذي يضع الرقمنة ودمج التكنولوجيا الحديثة ضمن خياراته الاستراتيجية، مع التأكيد على ضرورة التقيد بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23.

ويراهن المنظمون على أن يسهم هذا التكوين في تطوير كفاءات المسؤولين القضائيين بما يضمن الاستفادة من التطور التكنولوجي في خدمة العدالة، دون المساس بالحقوق والحريات التي تشكل أساس المحاكمة العادلة ودولة القانون.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*