مع كل موسم للامتحانات الإشهادية، تتجه الأنظار نحو محاربة الغش وتشديد المراقبة داخل مراكز الامتحان، وتُسخَّر وسائل تقنية وبشرية كبيرة لضمان نزاهة شهادة البكالوريا. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل تبدأ محاربة الغش يوم الامتحان فقط، أم أن هناك اختلالات أعمق تتشكل منذ بداية الموسم الدراسي؟
لقد أثارت المعدلات المرتفعة جداً، التي تجاوز بعضها 19,50 على 20، خاصة في شعبة العلوم الرياضية، نقاشاً واسعاً داخل الرأي العام. ورغم أن التفوق الدراسي حق مشروع ونتيجة طبيعية للجد والاجتهاد بالنسبة لعدد من التلاميذ، فإن الجدل لا يتعلق بالتفوق في حد ذاته، بل بمدى تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين للوصول إلى هذا المستوى.
ففي الوقت الذي تعيش فيه آلاف الأسر المغربية ضغوطاً اقتصادية متزايدة، أصبحت الدروس الخصوصية والساعات الإضافية تشكل عبئاً مالياً ثقيلاً. وتحولت لدى الكثيرين من وسيلة للدعم التربوي إلى شرط غير معلن للمنافسة على المعدلات المرتفعة والولوج إلى المدارس والمعاهد العليا.
ويطرح هذا الواقع أسئلة مقلقة حول العلاقة بين بعض الممارسات المرتبطة بالدروس الخصوصية وبين مبدأ المساواة داخل المدرسة العمومية. فهل يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص عندما يكون النجاح الدراسي مرتبطاً بالقدرة على الأداء المالي؟ وهل أصبح الولوج إلى بعض المؤسسات العليا رهيناً بما يمكن تسميته “بورصة الدفع المسبق” طيلة السنة الدراسية؟
وتزداد حدة هذه التساؤلات عندما يتعلق الأمر بأساتذة يدرسون في التعليم العمومي ويقدمون في الوقت نفسه ساعات إضافية بمقابل مادي. فالرأي العام يتساءل عن فعالية آليات المراقبة والتتبع، وعن مدى قدرة المؤسسات المعنية على ضمان عدم تحول هذه الدروس إلى مصدر للتمييز بين التلاميذ أو إلى وسيلة للتأثير غير المباشر على نتائج المراقبة المستمرة.
إن جوهر الإشكال لا يكمن في حق الأستاذ في تحسين وضعه الاجتماعي، ولا في حق التلميذ في الاستفادة من الدعم، بل في احتمال تحول هذه الممارسة إلى منظومة موازية للتعليم الرسمي، تنتج تفاوتات اجتماعية وتعليمية متزايدة بين أبناء المغاربة.
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل هذا النقاش عن الأسئلة الكبرى المرتبطة بإصلاح التعليم في المغرب. فقد تعاقبت مشاريع الإصلاح والاستراتيجيات والمخططات لعقود طويلة، ورُصدت لها اعتمادات مالية ضخمة، ومع ذلك ما زالت مؤشرات عديدة تدفع إلى التساؤل حول حصيلة هذه الإصلاحات ومدى انعكاسها على جودة التعلمات والبنيات التحتية والحكامة التربوية.
إن المدرسة العمومية ليست مجرد مؤسسة لتلقين المعرفة، بل فضاء لصناعة المواطنة وتكريس المساواة والعدالة الاجتماعية. وعندما يشعر المواطن بأن المال أصبح عاملاً حاسماً في فرص النجاح والترقي الاجتماعي، فإن الثقة في المنظومة التعليمية تتعرض للاهتزاز.
لذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في مراقبة التلاميذ خلال أيام الامتحانات، بل يجب أن يمتد إلى مساءلة مختلف الاختلالات التي قد تمس مبدأ تكافؤ الفرص طوال الموسم الدراسي. فالمعركة من أجل مدرسة عمومية قوية وعادلة ليست معركة ضد الأشخاص، بل معركة من أجل الشفافية والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويبقى السؤال المطروح على الفاعلين التربويين والسياسيين والمجتمعيين: هل نريد مدرسة تصنع الكفاءات على أساس الاستحقاق، أم منظومة تكرس الفوارق الاجتماعية وتعيد إنتاج اللامساواة بين أبناء الوطن الواحد؟
قم بكتابة اول تعليق