بقلم: مصطفى صغيري – دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
“حرية الرأي لا تبرر أبداً إهانة المؤسسات التي تضمن تلك الحرية.“
مونتيسكيو
“احترام المؤسسات هو الشرط الأول لدوام الدولة”
شارلدوغول
لا تُقاس قيمة الفاعل السياسي بقدرته على إثارة الضجيج، بل بمدى احترامه للمؤسسات التي تمنح للحياة العامة معناها واستقرارها، فالديمقراطيات لا تُقاس فقط بتعدد الأحزاب أو بحيوية الانتخابات، وإنما تُقاس أيضاً بمدى نضج اللغة السياسية، وبقدرة الفاعلين على إدارة الاختلاف دون السقوط في منطق التحقير أو التبخيس.
وفي هذا الإطار، أثار التصريح الذي أدلى به مصطفى لخصم، رئيس جماعة إيموزار كندر، خلال حديث إعلامي تناول فيه الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، موجة واسعة من الاستغراب، بعدما اختار توصيفاً يحمل في عمقه إيحاءً يقوم على اختزال النقاش البرلماني في مجرد ضجيج فاقد للقيمة، في إساءة لا تقف عند حدود الأشخاص، بل تمتد إلى مؤسسة دستورية تمثل إحدى الركائز الأساسية للدولة المغربية الحديثة.
إن الإشكال هنا لا يتعلق بشخص الأمين العام لحزب الحركة الشعبية فقط، مهما كانت رمزيته السياسية والحزبية، بل يتعلق أساساً بصورة البرلمان المغربي ذاته، فحين يتم تقديم النقاش البرلماني للرأي العام باعتباره مجرد أصوات مرتفعة بلا أثر، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلاف السياسي الطبيعي، ليمس بشكل مباشر هيبة مؤسسة دستورية تمثل الإرادة الشعبية وتمارس أدواراً مركزية في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
لقد كان من الممكن، بل ومن المشروع، أن يعبر أي فاعل سياسي عن اختلافه مع قيادة حزبية أو مع قرار تنظيمي أو مع موقف سياسي معين، لأن الاختلاف جزء من الحياة الديمقراطية، لكن الفرق كبير بين النقد السياسي المسؤول، وبين الانزلاق نحو خطاب يقوم على السخرية الرمزية من المؤسسات ومن الفضاءات الدستورية التي يفترض أن تحظى بالاحترام، مهما اختلفت المواقع والانتماءات.
والمثير للانتباه أن هذا النوع من الخطاب أصبح يجد مكانه داخل ما يمكن تسميته بـ “السياسة الفرَجوية”، حيث يتم تعويض قوة الفكرة بحدة العبارة، وتعويض عمق المشروع بالبحث عن الانتشار السريع داخل الفضاء الرقمي، غير أن هذا الأسلوب، مهما صنع من ضجيج لحظي، يبقى عاجزاً عن بناء وعي سياسي مسؤول، أو تقديم بدائل حقيقية للمواطنين.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية، ليس فقط ضعف الأحزاب أو تراجع المشاركة، بل ذلك التآكل البطيء لهيبة المؤسسات داخل المخيال الجماعي للمواطنين، فحين تتحول المؤسسات إلى موضوع دائم للسخرية أو التبخيس أو الاستعراض الشعبوي، فإن الخسارة لا تصيب مؤسسة بعينها، بل تصيب فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة الحديثة تقوم، قبل كل شيء، على الثقة الرمزية في مؤسساتها.
إن البرلمان المغربي ليس فضاءً للضوضاء كما يحاول البعض أن يوحي بذلك، بل هو فضاء لصناعة القرار العمومي، ولتدافع الأفكار، ولمساءلة الحكومة، وللدفاع عن قضايا المواطنين، وقد شهد التاريخ البرلماني المغربي محطات كبرى كانت فيها المؤسسة التشريعية فضاءً للنقاش الوطني الجاد، وللترافع المسؤول حول قضايا الوطن والمجتمع، وساهمت في تأطير لحظات دقيقة من تاريخ المغرب السياسي والدستوري.
أما اختزال هذا الدور في توصيفات ساخرة أو إيحاءات تبخيسية، فإنه لا يسيء فقط إلى المؤسسة، بل يساهم في تغذية نوع من العدمية السياسية التي تحاول إقناع المواطن بأن المؤسسات لا جدوى منها، وأن العمل السياسي مجرد صراع لفظي فارغ، وهي أخطر رسالة يمكن أن تُمرر في سياق يحتاج فيه المغرب إلى تعزيز الثقة، لا إلى تقويضها.
ثم إن ما يزيد هذا النقاش حساسية، أن الموضوع الأصلي الذي أثار هذا الرد كان مرتبطاً بتدبير حزبي داخلي يتعلق بالتزكيات والاعتبارات التنظيمية والقانونية المرتبطة بها، وهي أمور تمارسها جميع الأحزاب السياسية في إطار استقلاليتها ووفق تقديراتها الخاصة، وبالتالي، فإن تحويل نقاش تنظيمي إلى خطاب يحمل إيحاءات تمس المؤسسة البرلمانية، يكشف انتقالاً مقلقاً من منطق الاختلاف السياسي إلى منطق الشعبوية الانفعالية.
لقد أصبح من الضروري اليوم التمييز بين السياسي الذي يراكم الوعي، والسياسي الذي يراكم الضجيج. فالأول يساهم في بناء الثقة وتعزيز النقاش العمومي، بينما الثاني قد يحقق لحظة انتشار عابرة، لكنه يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف صورة المؤسسات وفي تكريس فقدان الثقة في العمل السياسي.
إن المغرب، وهو يواصل ترسيخ مساره الديمقراطي، في حاجة إلى نخب سياسية ترفع من مستوى النقاش العمومي، وتعيد الاعتبار للغة المؤسسات، ولثقافة الاختلاف المسؤول، وللعمل السياسي القائم على المشروع والفكرة والاقتراح.
فالدول لا تُبنى بالصراخ، ولا بالمزايدات اللفظية، وإنما تُبنى برجال دولة يدركون أن الكلمات، حين تصدر عن مسؤولين ومنتخبين، لا تبقى مجرد كلمات عابرة، بل تتحول إلى رسائل تؤثر في صورة المؤسسات وفي وعي المجتمع، وقد تتحول أحياناً إلى معاول هدم رمزي بطيء لأسس الثقة الجماعية.
وفي النهاية، قد يحقق الخطاب الشعبوي لحظة تصفيق عابرة، لكنه لا يصنع مشروعاً، ولا يبني دولة، ولا يؤسس لثقة مستدامة،لأن التاريخ السياسي لا يحتفظ بمن أحدث الضجيج الأكبر، بل بمن احترم الدولة ومؤسساتها، وارتقى بالنقاش العمومي إلى مستوى المسؤولية الوطنية.
فحين تفقد السياسة لغتها المؤسساتية، لا تسقط هيبة البرلمان وحده، بل يبدأ السقوط البطيء لفكرة الدولة داخل وعي المجتمع.
قم بكتابة اول تعليق