في إطلالة إعلامية حملت الكثير من الدلالات السياسية، حل السيد عمر حجيرة، كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، ضيفاً على برنامج “نقطة إلى السطر” بالقناة “الأولى”، ليقدم مرافعة دفاعية عن حصيلة الحكومة الحالية، معلناً في الوقت ذاته عن ملامح المعركة الانتخابية لعام 2026. غير أن هذا الخطاب، رغم نبرته الواثقة، لم يخلُ من ثغرات تبريرية تكشف عن حجم الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع المعيش.
الدبلوماسية وتوقيت الحصيلة: استباق “حمى الانتخابات”
استثمر حجيرة الزخم الدبلوماسي الأخير، مشيداً بالاعتراف الكندي بمبادرة الحكم الذاتي، ليعتبره ثمرة لـ “حكمة وتبصر جلالة الملك“. وفي محاولة منه لشرعنة توقيت تقديم الحصيلة الحكومية قبل خمسة أشهر من انتخابات 2026، أكد حجيرة أنها “مبادرة طيبة” تهدف إلى فصل تقييم الأداء عن “الزخم الانتخابي” ولغة الحملات، لضمان نقاش موضوعي لا يخلط “شعبان مع رمضان“. لكن هذا الطرح يظل موضع تساؤل؛ إذ يرى مراقبون أن تقديم الحصيلة في هذا التوقيت هو في حد ذاته “فعل سياسي” يهدف لترميم صورة الأغلبية قبل الاقتراع.
المعادلة الصعبة: أرقام “مشرفة” وغلاء “يسحق الشعور بالإنجاز”
دافع حجيرة بشراسة عن “الدولة الاجتماعية“، مشيراً إلى أن الدعم المباشر للأسر المعوزة (500 إلى 1350 درهم) هو ثورة حقيقية مقارنة بدعم صندوق المقاصة السابق الذي لم يكن يتجاوز 50 درهماً للفرد. ومع ذلك، سقط الخطاب في فخ “التبريرية المفرطة” عندما أقر الوزير بأن المغاربة “لم يشعروا بهذه الحصيلة” بسبب الغلاء.
وبدلاً من الاعتراف بضعف آليات الرقابة الحكومية، ألقى حجيرة بالمسؤولية كاملة على “الوسطاء” و”الشناقة“، معتبراً إياهم العائق الأساسي أمام وصول السلع بأثمنة معقولة، وهو ما قد يُفسر سياسياً على أنه نوع من “التنصل من المسؤولية” المباشرة في ضبط السوق.
حزب الاستقلال ورهان 2026: رقمنة “التعادلية”
بدا لافتاً إعلان حجيرة جاهزية حزبه لتصدر نتائج 2026، مؤكداً أن الاستقلال يمتلك “خبراء” و”كفاءات” قادرة على تدبير الحكومة بمفردها. وكشف عن استراتيجية الحزب لاستقطاب الشباب عبر “تيك توك” و”إنستغرام” واستخدام “الذكاء الاصطناعي التوليدي” في الحملات الرقمية، في محاولة لعصرنة خطاب “مدرسة الاستقلال” التقليدية. كما شدد على دور “لجنة الأخلاقيات” في اختيار المرشحين، رغم ميله للغة التعميم عند سؤاله عن قضايا محددة مثل “تزكية العائلات“، واصفاً إياها بحالات معزولة.
تحليل الأداء السياسي: مهارة “المكاشفة الواعية” وحدود “التبرير”
يمكن تقييم أداء السيد عمر حجيرة السياسي بأنه كان “نموذجاً لسياسة التوازن الحذر”؛ فهو من جهة يُبدي وفاءً مطلقاً للانسجام الحكومي، ومن جهة أخرى يصر على أن حزب الاستقلال “رجل مع المغاربة“، متمسكاً بمرجعيته التاريخية.
غير أن الموضوعية تقتضي رصد نقاط “عدم التوفيق” في هذا الأداء:
- ثنائية “الحقائق والأوهام”: خطاب الوزير الذي يجمع بين “أرقام مشرفة” و”واقع لم يشعر به المواطن” يعكس انفصالاً تواصلياً؛ حيث ركز على نجاح “التطبيق التقني” للأوراش (مثل تحلية المياه والصناعة) وتجاهل الأثر النفسي والاجتماعي للفشل في كبح التضخم.
- استراتيجية “الشماعات”: اعتمد الخطاب بشكل متكرر على “الجفاف” و”الأزمات الدولية” و”الوسطاء” كأسباب حتمية للإخفاق في ملفات كالتشغيل (13%)، وهي لغة قد تُضعف صورة الحكومة كقوة مبادرة قادرة على اجتراح الحلول الاستباقية.
- قبول “الأدوار الثانوية” ضمن الأغلبية: تبريره لانفراد حزب رئيس الحكومة بالتواصل حول الحصيلة عكس نوعاً من “الاستكانة السياسية” التي لا تليق بحزب يطمح لتصدر المشهد، مما قد يُضعف ثقة القواعد في قدرة الحزب على فرض إيقاعه الخاص داخل التحالف.
ختاماً، قدم عمر حجيرة مرافعة ذكية حاولت “أنسنة” الحصيلة الحكومية وربطها بقيم حزب الاستقلال، لكنه ظل سجين لغة “المعاذير الموضوعية” التي قد لا تجد صدى كبيراً لدى مواطن يواجه تحديات القدرة الشرائية يومياً.
فهل تنجح “الرقمنة” و”الذكاء الاصطناعي” في إقناع 60% من المقاطعين بالعودة لصناديق الاقتراع ومنح “الاستقلال” الصدارة التي ينشدها؟.
قم بكتابة اول تعليق