الرباط – 03 غشت 2026
أصدرت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها رؤية مؤسساتية متكاملة لتعزيز نزاهة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ليوم 23 شتنبر 2026، معتبرة أن سلامة الاختيار الديمقراطي لا تختزل في يوم التصويت، بل تمتد إلى مسار كامل يبدأ بالقوانين وينتهي بسلوك الناخب.
وجاء إعداد هذه الرؤية، حسب بلاغ الهيئة، في سياق الاستعداد للانتخابات التشريعية، وفي ضوء التوجيهات الواردة في خطاب العرش لسنة 2025، التي دعت إلى توفير «المنظومة العامة المؤطرة لانتخابات مجلس النواب» و«الإعداد الجيد» لهذه الاستحقاقات. وتؤكد الهيئة أن منسوب الثقة في المؤسسات وفي الفعل السياسي يتحدد، إلى حد بعيد، من جودة هذا المسار ونزاهته.
من حماية صندوق الاقتراع إلى حماية المسار برمته
تنطلق الرؤية من مبدأ واضح: النزاهة الانتخابية شرط بنيوي لشرعية المؤسسات التمثيلية وفعاليتها. واختلال المنظومة، تقول الهيئة، لا يقف عند حدود العملية الانتخابية، بل يمتد إلى الثقة في الأحزاب والمؤسسات، وقد يغذي العزوف السياسي، خصوصاً لدى الشباب.
لذلك تدعو إلى تجاوز منطق التدخل بعد وقوع المخالفة، نحو مقاربة وقائية واستباقية تعزز الشفافية والمساءلة، وتقوي أدوار المؤسسات المستقلة، وتوسع انخراط الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام، وترسخ ثقافة احترام المنافسة وقبول النتائج.
وتسجل الهيئة أن المغرب يتوفر على إطار دستوري وتشريعي ومؤسساتي متقدم، غير أن فجوات قائمة بين النص والممارسة ما تزال تستدعي العمل، خاصة في مواجهة تأثير المال والنفوذ المحلي، وضمان الحياد، وتقوية القدرات التنظيمية للأحزاب، وتعزيز فعالية الرقابة، ومواكبة التحولات الرقمية التي باتت تؤثر بقوة في الممارسة الانتخابية.
كما تبرز الحاجة إلى ربط التشريع الانتخابي بباقي قوانين الشفافية والمساءلة، وضبط تدبير التزكيات الحزبية، وتحقيق توازن بين مكافحة التضليل وحماية حرية التبليغ، مع صون الموارد العمومية من أي توظيف لأغراض انتخابية.
الوقاية قبل الجزاء… والتكامل بدل التداخل
ترفض الهيئة قياس فعالية المنظومة بعدد المخالفات المعاينة أو العقوبات الصادرة فقط. المعيار، في تصورها، هو القدرة على منع الممارسات المخلة قبل وقوعها، والكشف المبكر عن مواطن الخطر، وتقليص الفرص التي تسمح للمال أو النفوذ أو المصالح غير المشروعة بالتأثير في الإرادة الحرة للناخبين.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية إضافية لأن أفعال الفساد الانتخابي كثيراً ما تطرح صعوبات في الإثبات، وفي معالجة الشكايات والطعون، فضلاً عن محدودية الأثر الردعي في بعض الحالات. ومن هنا تدعو إلى الجمع بين وضوح القاعدة القانونية وفعالية الرقابة وسرعة الإنفاذ وإتاحة المعلومات وترسيخ ثقافة رافضة للفساد الانتخابي.
وتشدد الهيئة على أن النزاهة ليست اختصاص مؤسسة واحدة. الإدارة مسؤولة عن الحياد، والقضاء وهيئات الرقابة المالية ومؤسسات الحكامة عن ضمانات السلامة، والفاعلون السياسيون عن نزاهة المنافسة، والإعلام والمجتمع المدني عن اليقظة والتوعية، والمواطن عن حماية صوته. وتوضح أنها لا تحل محل باقي المؤسسات ولا تتداخل معها، بل تسهم من موقعها في رصد مخاطر الفساد الانتخابي، واقتراح الإصلاحات، ونشر ثقافة النزاهة، وتلقي ومعالجة التبليغات طبقاً للقانون.
الفضاء الرقمي والمواطن شريكان في المعركة نفسها
تولي الرؤية أهمية خاصة للفضاء الرقمي، بما يتيحه من إمكانات للتواصل والمشاركة والوصول إلى المعلومات، وما يرافقه في المقابل من مخاطر جديدة تستدعي تطوير أدوات الوقاية والرصد، دون المساس بالحقوق والحريات التي تعد بدورها ضمانة لسلامة الاختيار.
أما الرهان الأعمق، في نظر الهيئة، فيتجاوز سؤال المخالفات والعقوبات إلى حماية المنافسة السياسية من المال والمصالح غير المشروعة، وجعل الانتخابات لحظة ثقة لا مناسبة للشك أو العزوف. المشاركة النزيهة، بهذا المعنى، ليست مجرد حق في التصويت، بل مسؤولية مواطنة: صوت لا يُقايض، واختيار لا يُشترى، ومنافسة تُحسم بالبرامج لا بالنفوذ.
وبالموازاة مع الرؤية المؤسساتية، أعدت الهيئة «دليل الناخب إلى انتخابات نزيهة»، أداة مبسطة تعرف المواطن بحقوقه وواجباته والضمانات المحيطة بحقه الانتخابي، وبالممارسات التي قد تمس حرية الاختيار، وبسبل التبليغ عن المخالفات. والهدف نقل سؤال النزاهة من مستوى القواعد والمؤسسات إلى مستوى السلوك اليومي.
نداء قبل ثلاثة أسابيع من الاقتراع
في ختام بلاغها، توجه الهيئة نداءً إلى الفاعلين والمواطنين لجعل النزاهة التزاماً جماعياً يواكب العملية في جميع مراحلها: مشاركة حرة وواعية ومسؤولة، اختيار مبني على الاقتناع لا على المقابل، ومنافسة قائمة على البرامج والثقة. وتدعو إلى عدم التساهل مع الممارسات الماسة بالنزاهة، واستعمال الآليات القانونية المتاحة كلما توافرت معطيات موثوقة.
الخلاصة التي تختتم بها الهيئة بلاغها تلخص فلسفة الوثيقة كلها: نزاهة الانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج. إنها ثقافة وممارسة ومسؤولية مستمرة، تبدأ بنزاهة القوانين، وتمر بنزاهة المؤسسات والفاعلين، وتكتمل بنزاهة المشاركة والاختيار. «كل صوت حر مساهمة في حماية النزاهة، وكل مشاركة نزيهة مساهمة في بناء الثقة».

قم بكتابة اول تعليق