قدم محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أمس الخميس، التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025، وذلك في لقاء صحفي حضره ممثلو وسائل الإعلام. وأكد بنعليلو أن سنة 2025 شكلت محطة انتقالية للهيئة، من مرحلة استكمال البناء المؤسساتي إلى إعادة تنظيم تدخلاتها ضمن رؤية مندمجة تعتمد التنسيق المؤسساتي محورا مركزيا.
وأوضح الرئيس أن المغرب حصل سنة 2025 على 39 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد، مقابل 37 نقطة سنة 2024، متقدما من المرتبة 99 إلى المرتبة 91 ضمن 182 دولة. غير أن هذا التحسن الطفيف، حسب بنعليلو، «لا يمحو التراجعات المتراكمة منذ سنة 2018»، ويظل دون المتوسط العالمي البالغ 42 نقطة. وشدد على أن «التقدم في الترتيب لا يكفي لإثبات تحسن مستدام في الواقع»، داعيا إلى قراءة المؤشرات في سياقها الزمني وليس بشكل ظرفي.
تقييم عشر سنوات من الاستراتيجية الوطنية: حصيلة دون الأثر المأمول
خصص التقرير محورا لتقييم عشر سنوات من تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. وخلص التقييم إلى أن نسبة المشاريع المنجزة بالكامل لم تتجاوز 54% من مجموع المشاريع المبرمجة، بينما ظل 32% منها قيد الإنجاز، ولم يُطلق أصلا 14% منها رغم انتهاء الأفق الزمني للاستراتيجية. كما لم تتجاوز نسبة المشاريع التي احترمت آجالها 38%.
وأشار بنعليلو إلى أن المشاريع التشريعية، التي كانت تمثل العمود الفقري للإصلاحات المهيكلة، كانت الأكثر تأخرا، حيث لم تتجاوز نسبة المنجز منها بالكامل 44%. ومن بين الأوراش التي عرفت تعثرا: تجريم الإثراء غير المشروع، وتطوير التصريح الإجباري بالممتلكات، والوقاية من تنازع المصالح، وتعزيز حماية المبلغين.
وبشأن الأهداف المرجعية، أوضح التقرير أن المغرب لم يحقق القفزة المستهدفة في مؤشر مدركات الفساد (23 نقطة)، كما سجل تراجعا في مؤشر التنافسية العالمي ومؤشر العدالة العالمي، خلافا للأهداف المعلنة. وخلص التقييم إلى أن «كثرة المشاريع لا تضمن قوة الأثر»، داعيا إلى استراتيجية جديدة ترتب الأولويات حسب المخاطر، وتركز على الإصلاحات المهيكلة، وتُربط بآجال ومسؤوليات قابلة للقياس، مع اقتراح تقليص الأفق الزمني إلى خمس سنوات بدل عشر.
ارتفاع ملحوظ في التبليغات ودعوات لإصلاحات تشريعية
سجل التقرير ارتفاعا كبيرا في عدد الملفات المتوصل بها لدى الهيئة، حيث انتقل من 92 ملفا سنة 2024 إلى 420 ملفا سنة 2025 (237 شكاية و183 تبليغا)، وبلغ 742 ملفا منذ بداية السنة الجارية. واعتبر بنعليلو هذا الارتفاع مؤشرا على الثقة والقرب، لكنه نبه إلى أن عددا كبيرا من الملفات صُرح بعدم الاختصاص أو عدم القبول، ما يكشف فجوة بين انتظارات المواطنين وحدود اختصاص الهيئة.
ودعا التقرير الحكومة إلى الإسراع في إعداد استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الفساد، كما طالب باستكمال الإطار القانوني عبر تجريم الإثراء غير المشروع، وإقرار قانون متكامل لتنازع المصالح، وتعزيز حماية المبلغين. كما اقترح إحداث مؤسسة عمومية متخصصة لتدبير واسترداد الموجودات المحجوزة أو المصادرة.
خمس رسائل مفتاحية
خلص التقرير إلى خمس رسائل أساسية، أبرزها أن المؤشرات الدولية تكشف محدودية أثر الإصلاحات رغم التراكم المؤسساتي، وأن فجوة التنفيذ ما تزال قائمة بين الخطاب الإصلاحي والنتائج الملموسة، وأن مستقبل المكافحة يبدأ من الوقاية واليقظة المبكرة، وأن قوة المنظومة تتطلب قيادة مؤسساتية منسقة، وأن تطور مخاطر الفساد يستوجب تحديث أدوات المواجهة باستمرار.
وأكد بنعليلو في ختام كلمته أن «المواطن ينتظر أن يجد النزاهة في الخدمة التي يتلقاها، وفي القرار الذي يمس حقوقه، وفي الحماية التي يوفرها القانون للمال العام»، مشددا على أن مكافحة الفساد مسؤولية وطنية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

قم بكتابة اول تعليق