على بعد نحو عشرين كيلومتراً من وسط مدينة وجدة، شهد المطرح العمومي صباح يوم 15 أكتوبر 2026 لقاءً صحفياً نظمه رئيس مجلس جماعة وجدة، بحضور أطر إدارية وتقنية.
حضرت اللقاء تلبية لدعوة شخصية من السيد محمد العزاوي، كما انني أجرت حواراً مع المهندس عبد الرحمن معلوم، مدير عام شركة «كوم سولوشن».
جاء تنظيم اللقاء في الموقع نفسه بعد العدد الكبير من الشكايات التي رُفعت خلال فصل الصيف الماضي بسبب الروائح الكريهة المنبعثة من المطرح، ما وضع ملف المعالجة البيئية في صدارة النقاش العمومي.


إطار تعاقدي طويل الأمد وبنية مالية مدعومة
يندرج المشروع في إطار عقد تدبير تفويضي بين جماعة وجدة والشركة المفوض لها، يمتد من 29 أكتوبر 2023 إلى 26 أكتوبر 2038. تبلغ القيمة الإجمالية للعقد نحو 672,66 مليون درهم (باحتساب الرسوم)، وتشمل مصاريف الاستغلال اليومي والبرنامج الاستثماري. يبلغ حجم الاستثمار التعاقدي 350 مليون درهم خارج الرسوم (حوالي 420 مليون درهم باحتساب الرسوم)، مخصص لبناء المنشآت وتحديث البنية التحتية.
يساهم الدعم العمومي في تخفيف العبء، بما في ذلك مساهمات من وزارة الداخلية ومساهمة قدرها 160 مليون درهم من الوزارة الوصية على البيئة. تعتمد التسعيرة نظاماً مرحلياً: 152,55 درهماً للطن في السنتين الأوليين، ثم 185,95 درهماً للطن بعد تشغيل مركز الفرز ومحطة معالجة العصارة. يُخضع دفتر التحملات الشركة لمراقبة دورية من لجنة التدبير والتتبع، مع غرامات على التأخير، واللجوء إلى تحكيم والي جهة الشرق في حال الخلاف.
يستقبل الموقع حوالي 400 طن يومياً من نفايات وجدة، مع تدفقات إضافية من الجماعات المجاورة وكبار المنتجين. يُعزز التتبع بنظام وزن إلكتروني معلوماتي وكاميرات مراقبة ودوريات للشرطة البيئية.
إعادة تأهيل الخلايا التاريخية وحاجز العزل
يتميز الموقع بتربة أرجيلوزية ذات نفاذية منخفضة. غير أن الخلايا القديمة (أ، ب، ج)، التي استُغلت بين 2005 و2025 على مساحة 23-24 هكتاراً، أُغلقت بطبقة تسوية من الأتربة بسمك 50 سم، ثم طبقة من الطين العازل بسمك 30 سم، يليها حزام نباتي محيطي. هذه الهندسة الطبقية تهدف إلى عزل النفايات التاريخية وتقليل مخاطر تسرب الملوثات إلى التربة والفرشة المائية.
الفرز والتثمين العضوي والطاقي
خُصص نحو 10% من الاستثمار (حوالي 35 مليون درهم) لمركز فرز شبه ميكانيكي يستهدف استرجاع المواد القابلة للتدوير، مع شرط ألا تتجاوز نسبة العوادم 7%. منصة التسميد العضوي تعالج النفايات الخضراء لإنتاج سماد. أما الطاقة، فتُجمع غازات الميثان الناتجة عن التحلل اللاهوائي عبر شبكة آبار، وتُوجه إلى محطة توليد بقدرة أولية 9 ميغاوات يومياً (قابلة للرفع إلى 18 ميغاوات). يُباع الفائض للشبكة وفق جدول زمني تفضيلي في ساعات الذروة.
معالجة العصارة والروائح: استجابة لشكايات الصيف
استأثرت محطة معالجة العصارة بنحو 15% من الاستثمار (53-55 مليون درهم)، بطاقة 180 متراً مكعباً يومياً. تنشأ الروائح الكريهة التي اشتكى منها السكان خلال الصيف الماضي من التحلل اللاهوائي الذي يُفرز كبريتيد الهيدروجين والأمونيا ومركبات متطايرة. تتفاقم هذه الروائح ليلاً بسبب ظاهرة الانقلاب الحراري، حيث تتشكل طبقة هواء دافئة فوق طبقة باردة قريبة من الأرض، فتمنع التصاعد الرأسي وتدفع الغازات أفقياً نحو المناطق السكنية. تهدف المحطة إلى المعالجة في المصدر للحد من هذه الانبعاثات، وهو ما شكل أحد الدوافع الرئيسية لتنظيم اللقاء الصحفي في الموقع بعد موجة الشكايات.



محطة «كوم سولوشن»: مسار رباعي لمعالجة السوائل المعقدة
حسب ما أفاد به المهندس عبد الرحمن معلوم في الحوار الذي أُجري معه خلال اللقاء، تنجز شركة «كوم سولوشن» محطة لمعالجة المياه العادمة والمترشحات بطاقة 100 متر مكعب يومياً. تعتمد تكنولوجيا فرنسية مجربة لأكثر من ثلاثين عاماً، في شراكة مغربية-فرنسية متكافئة (50% تصنيع وتركيب محلي)، مع تجهيزات من شركات أوروبية. سبق للشركة إنجاز أول مشروع من نوعه في المغرب بالسعيدية عام 2014، تلتها مشاريع في مراكش والرباط وطنجة.
يعتمد المسار على أربع مراحل:
- مفاعل حيوي غشائي (MBR) لتفكيك المواد العضوية بالأحياء الدقيقة.
- تصفية فائقة (Ultrafiltration) لفصل المواد العالقة.
- تناضح عكسي لعزل الأملاح والمعادن تحت ضغط عالٍ.
- وحدة تبخير لتكثيف المترشحات المتبقية وتحويلها إلى مخلفات ملحية صلبة (الكزاز) ومياه قابلة للاستعمال.
تُنتج المحطة 80-85 متراً مكعباً يومياً من المياه عالية النقاوة للسقي والمساحات الخضراء، مقابل نحو 15 متراً مكعباً من المخلفات الملحية. بلغت نسبة إنجاز الأشغال 90%، مع انطلاق التجارب مطلع نوفمبر والتشغيل الفعلي أواخر الشهر نفسه.
أبعاد بيئية واقتصادية مترابطة
يجمع المشروع بين عزل الخلايا التاريخية، ومعالجة كميات يومية من العصارة والمياه العادمة، بهدف تقليل مخاطر تسرب الملوثات إلى الفرشة المائية، مع إنتاج طاقة من الميثان ومياه غير تقليدية. وفق المعطيات المقدمة في اللقاء الصحفي الذي عُقد صباح 15 أكتوبر 2026 بالمطرح نفسه، والحوار مع مدير شركة «كوم سولوشن»، يمثل هذا النموذج محاولة لربط الحماية البيئية بتثمين الموارد ضمن مقاربة الاقتصاد الدائري، مدعومة بنظام حوكمة يعتمد على التتبع الرقمي والرقابة الميدانية، في سياق استجابة مباشرة لشكايات الروائح التي عرفها الصيف الماضي.
ستحدد التجارب الميدانية في الأسابيع المقبلة مدى تحقيق الأهداف على أرض الواقع. غير أن تنظيم اللقاء في الموقع بعد موجة الشكايات، والبنية الهندسية الموضوعة، يُظهران أن التحول في تدبير نفايات وجدة أصبح عملية قيد التنفيذ.

قم بكتابة اول تعليق