العثماني ينفي.. والريسوني أمام مأزق الرواية

متابعة : مصطفى عياش

وضع سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق والأمين العام الأسبق لحزب العدالة والتنمية، رواية سليمان الريسوني أمام معطى جديد، بعدما خرج بنفي صريح لما نُسب إليه من اتصال هاتفي، قيل إنه تضمن كلاماً منسوباً إلى فؤاد عالي الهمة، المستشار الملكي.
المسألة هنا بسيطة وواضحة: العثماني ينفي الواقعة التي نُسبت إليه.

وهذا النفي مهم، لأن العثماني ليس شخصاً بعيداً عن الواقعة، بل هو الشخص الذي قيل إنه تلقى الاتصال.
ومن غير المنطقي، بعد هذا النفي الصريح، أن تُقدم الرواية وكأنها حقيقة محسومة، خصوصاً أنها تتضمن كلاماً منسوباً إلى المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة.

فإذا كان الاتصال لم يثبت، فإن الكلام المنسوب خلاله إلى الهمة يبقى بدوره غير ثابت.
وهنا تكمن أهمية موقف العثماني: فهو لا يختلف فقط مع مضمون الرواية، وإنما ينفي أصل الواقعة التي بنيت عليها.

رواية تضع ثلاث شخصيات أمام كلام لم يثبت

المشكلة أن الرواية، بصيغتها المتداولة، لا تقف عند حدود الحديث عن العثماني، بل تمتد إلى نسبة كلام إلى فؤاد عالي الهمة، مع الإشارة إلى شخص ثالث نُسبت إليه رواية هذا الاتصال وما قيل خلاله.

وبذلك تصبح هناك ثلاث شخصيات معنية بما ورد فيها: سليمان الريسوني، الذي نُسبت إليه رواية الاتصال وما قيل خلاله؛ وسعد الدين العثماني، الذي ينفي وقوع الاتصال؛ وفؤاد عالي الهمة، الذي نُسب إليه كلام قيل إنه ورد عبر هذا الاتصال.

وهنا تصبح المسألة واضحة: إذا كان أصل الاتصال نفسه محل نفي، فكيف يمكن أن يتحول الكلام المنسوب خلاله إلى حقيقة ثابتة؟

المسألة في غاية الوضوح

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن حزب العدالة والتنمية ولا عن سعد الدين العثماني.

هناك واقعة محددة نُسبت إلى اتصال هاتفي، لكن العثماني نفى بشكل صريح وقوع هذا الاتصال.

وهذا المعطى وحده كافٍ ليفرض التعامل مع الرواية بحذر، لأن المسألة لم تعد مجرد نقل لما قيل، وإنما أصبحت أمام رواية تواجه نفياً مباشراً من الشخص الذي يفترض أنه كان طرفاً أساسياً فيها.

والأمر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الكلام المنسوب بشخص آخر لم يكن حاضراً في الرواية الأصلية إلا من خلال ما قيل إنه دار داخل ذلك الاتصال.

عندما يصبح الاتصال هو أساس الرواية

هنا تظهر الحلقة الأساسية في الموضوع… فالكلام المنسوب إلى فؤاد عالي الهمة لم يُقدم باعتباره حديثاً مستقلاً، وإنما جاء مرتبطاً بالاتصال الهاتفي المنسوب إلى العثماني.
وبالتالي، فإن ثبوت الكلام من ثبوت الواقعة التي قيل إنه ورد خلالها.

إذا كان الاتصال ثابتاً، يمكن مناقشة مضمونه ومصدره وما نُسب إلى أطرافه. أما إذا كان أحد طرفيه ينفي وقوعه أصلاً، فإن التعامل مع ما نُسب خلاله باعتباره واقعة مكتملة يصبح أمراً يحتاج إلى أساس واضح.

وهنا بالضبط تكمن أهمية النفي الصادر عن العثماني.

الصحافة بين الرواية والواقعة

الصحافة مطالبة دائماً بالتمييز بين ما يقال وما يثبت.
وهذا لا يعني إسقاط رواية لمجرد أنها مثار خلاف، كما لا يعني في المقابل تحويلها إلى حقيقة لمجرد نشرها أو تكرارها.

وفي هذه الحالة تحديداً، هناك رواية عن اتصال هاتفي، وهناك نفي صريح من الشخص الذي نُسب إليه تلقي الاتصال.

لذلك فإن التعامل المهني مع القضية يقتضي أن تبقى الحدود واضحة بين الرواية وبين الواقعة المثبتة، خصوصاً عندما تتضمن الرواية أقوالاً منسوبة إلى شخصية عامة.

لماذا يهم هذا التفصيل؟

لأن الأمر لا يتعلق بمجرد مكالمة عابرة.

الرواية تحمل في طياتها كلاماً منسوباً إلى فؤاد عالي الهمة، وهو ما يمنحها بعداً سياسياً وإعلامياً يتجاوز الأشخاص المعنيين مباشرة بالاتصال.
ومن هنا تصبح الدقة أكثر أهمية.

فحين تُنسب عبارة أو موقف إلى شخصية عامة بناءً على واقعة ينفي أحد أطرافها حدوثها، فإن مسؤولية من ينقل الرواية تصبح أكبر: عليه أن يوضح مصدرها، وأن يميز بين ما سمعه وما تحقق منه، وألا يترك للقارئ انطباعاً بأن ما ورد فيها حقيقة محسومة.
العثماني أمام رواية ينفي أصلها

في نهاية المطاف، يبقى الموقف الذي قدمه العثماني واضحاً: هو ينفي وقوع الاتصال الذي نُسب إليه.
وهذا النفي يعيد الرواية كلها إلى نقطة البداية، أي إلى أصل الواقعة نفسها، قبل الانتقال إلى مضمونها أو إلى الكلام الذي قيل إنه ورد خلالها.

ومن هنا يصبح النقاش أكثر وضوحاً: قبل مناقشة ما قيل في الاتصال، ينبغي أولاً إثبات أن الاتصال وقع بالفعل.
أما ما عدا ذلك، فيظل في إطار رواية تحتاج إلى ما يسندها.

فالقاعدة المهنية بسيطة: ما يُنسب إلى الأشخاص مسؤولية، وما يُثبت من الوقائع هو الذي يمكن تقديمه باعتباره حقيقة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*