هشام الصغير في وجدة: نفوذ يتحرّك في الخلفية

وجدة – عبدالعالي الجابري

في مدينة وجدة، حيث ما تزال شبكات الأعيان والجماعات القروية والعمل الجمعوي حاسمة في صناعة القرار المحلي، يُستحضر اسم هشام الصغير أكثر مما يظهر. رجل أعمال معروف محلياً، وفاعل جمعوي، ورئيس سابق لمجلس عمالة وجدة أنكاد بين 2015 و2021. السؤال لم يعد هل يملك حضوراً، بل لماذا بقي هذا الحضور في الكواليس رغم ثقله الانتخابي والتنظيمي؟.

مساره ليس مسار سياسي صعد عبر التنظيم الحزبي وحده. هو أقرب إلى فاعل اقتصادي واجتماعي انتقل إلى السياسة من بوابة النفوذ المحلي: علاقات بالجماعات القروية، حضور جمعوي، وشبكات أعيان أهل أنكاد. هذا الرأسمال يمنح صاحبه قدرة على التحريك أكثر مما يمنحه بالضرورة موقعاً رسمياً دائماً في الواجهة.

محطته الأوضح كانت انتخابات 2015. ترأس لائحة الأصالة والمعاصرة بوجدة، وحققت لائحته نتيجة وازنة داخل المجلس الجماعي، فيما سيطر حزبه على معظم الجماعات القروية التابعة للعمالة. تلك الأغلبية أوصلته إلى رئاسة مجلس العمالة. منذ ذلك التاريخ ارتبط اسمه بتدبير محلي وبقدرة على جمع المنتخبين أكثر مما ارتبط بخطاب سياسي وطني.

غير أن الصعود لم يتحول إلى استقرار. مع اقتراب استحقاقات 2021، أبعده حزب الأصالة والمعاصرة عن الترشح باسمه، في قرار رُبط رسمياً بمخالفة الضوابط وبما وُصف آنذاك بسوء التدبير، ومنها حديث عن توزيع اعتمادات على جمعيات مقربة منه. غادر الحزب والتحق بالتجمع الوطني للأحرار، مصطحباً مجموعة من المنتخبين المحليين. كانت تلك اللحظة تعبيراً عن وزنه كرافعة انتقالات أكثر منها تعبيراً عن مشروع حزبي مكتمل.

المفارقة أن حضوره الأبرز في 2021 جاء من قراره عدم الترشح. بعد أن رُوّج لاسمه كمرشح محتمل لرئاسة جهة الشرق، أعلن أنه لن يترأس أي لائحة وسيكتفي بدعم مرشحي الأحرار. بقي في موقع الداعم والوسيط، بينما ذهبت المناصب الأمامية إلى أسماء أخرى. رئاسة الجهة بقيت خارج يده، ورئاسة جماعة وجدة آلت إلى مرشح آخر من الأحرار. ساهم في صناعة توازن، ولم يقطف موقعه الطبيعي داخل ذلك التوازن.

بعد 2021 استمر فاعلاً من الخلف، قبل أن يستقيل من الأحرار مطلع 2026. ومع اقتراب التشريعيات المقررة في 23 شتنبر 2026، عاد اسمه إلى دائرة البام من موقع الدعم لا الترشيح. حزب الأصالة والمعاصرة دفع بعبد القادر الحضوري، المعروف محلياً بالشايب، وكيلاً لائحته بدائرة وجدة-أنكاد. في هذه المحطة، يتموقع الصغير كمساند رسمي لشريكه في الأعمال، بدل أن يخوض السباق بنفسه. الصورة مألوفة في مساره: القوة في الخلفية، والواجهة لشريك أو حليف محلي.

التقلب الحزبي هذا يعزز صورته كفاعل براغماتي، لكنه يُضعف في الوقت نفسه سردية الاستقرار التنظيمي. وبعض التغطيات السابقة لم تقدّمه كوجه تنموي صافٍ؛ فقد أثيرت حول اسمه أسئلة عن التدبير والتمويل والولاءات.

هذا التموقع يشرح طبيعة نفوذه أكثر مما يجمّله. الرجل لا يعود إلى الواجهة كمرشح، بل كرافعة انتخابية تستند إلى علاقة أعمال وشراكة محلية سابقة. الدعم هنا ليس خطاباً حزبياً صرفاً، بل مزيجاً من الرصيد الاقتصادي والعلاقات داخل أهل أنكاد والجماعات القروية. وهي أيضاً عودة عملية إلى فلك البام بعد قطيعة 2021، من دون أن يعني ذلك بالضرورة طياً كاملاً لصفحة التقلبات الحزبية.

إذا كان الرجل يستحق الخروج إلى الواجهة، فليس لأن صورته مكتملة، بل لأن من يؤثر في التحالفات والجماعات وفي موازين القوة داخل العمالة لا يمكن أن يبقى إلى ما لا نهاية خارج دائرة المحاسبة العلنية. إما أن يتحول هذا النفوذ إلى مسؤولية سياسية معلنة، ببرنامج وموقع واضح، وإما أن يبقى رصيداً يُستعمل موسمياً كلما اقتربت صناديق الاقتراع.

وجدة لا ينقصها الفاعلون الصامتون. ينقصها أن يخرج من يملكون القدرة على التحريك إلى الضوء، حيث يمكن قياس الأثر بعيداً عن المجاملة أو القدح. 

هشام الصغير، بهذا المعنى، نموذج لسياسة خلفية قوية. لكنه لن يُقرأ كرقم سياسي مكتمل إلا إذا وقف في الواجهة بالشروط نفسها التي يُطالب بها الآخرون: الوضوح، والمسؤولية، والمحاسبة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*