وجدة – 4 غشت 2026
شهدت مدينة وجدة التاريخية مهرجاناً خطابياً حاشداً نظمه حزب التقدم والاشتراكية، خُصص للإعلان الرسمي عن اسم وكيلة اللائحة النيابية للحزب بدائرة “وجدة أنجاد” في الاستحقاقات التشريعية المقبلة. اللقاء تميز بحضور وازن للأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، وعضوة المكتب السياسي فاطمة الزهراء، إلى جانب كاتب الفرع الإقليمي بوجدة، عبد الرحيم بنعلي، وبحضور مكثف للمناضلين والمواطنين وممثلي القوى الحية السياسية والحقوقية والمدنية والنقابية بالإقليم.
وقد شكل هذا المهرجان مناسبة لتوجيه انتقادات لاذعة لتدبير الشأن المحلي والوطني, واستعراض الإكراهات التنموية والبيئية التي تخنق عاصمة الشرق، مع تقديم بديل ديمقراطي واجتماعي يقوده الحزب منذ تأسيسه سنة 1943.
نقد لاذع لتغول “التحالف الثلاثي” وتدهور الخدمات بوجدة
في كلمة افتتح بها اللقاء، رسم عبد الرحيم بنعلي، كاتب الفرع الإقليمي لحزب التقدم والاشتراكية بوجدة، صورة قاتمة ومقلقة عن واقع المدينة وضواحيها. وأكد بنعلي أن “المشاكل والمعاناة التي تتخبط فيها وجدة والجماعات الحضرية والقروية التابعة لها لا يمكن تغافلها أو تغطيتها بأي أقنعة سياسية”.
ووجه بنعلي أصابع الاتهام مباشرة إلى ما وصفه بـ “الثلاثي الحزبي” الذي يهيمن بشكل مطلق على كافة المجالس المنتخبة بالإقليم والجهة، بدءاً من الجماعات الترابية، والمجلس البلدي لوجدة، والمجلس الإقليمي، وصولاً إلى مجلس الجهة الشرقية والحكومة.
وأوضح بنعلي أن هذه الهيمنة لم تفرز سوى تهميش إضافي للمنطقة، متسائلاً باستغراب عن جدوى تصريحات مسؤولي المجلس البلدي الحاليين الذين يعدون بعودة تنموية، في وقت ساهموا فيه بشكل مباشر في تدهور شروط العيش بالمدينة والتضييق على مناخ الحياة الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي.
وعلى الصعيد الميداني، ركز كاتب الفرع على ثلاثة ملفات رئيسية تعكس هذا التدهور:
- أزمة النقل الحضري والخدمات: حيث أشار إلى معاناة الساكنة التي دامت لأكثر من أربع سنوات مع حافلات النقل الحضري، ليتفاجأ الجميع بتقديم حلول ترقيعية عبر حافلات مستعملة (بونوكازيو) بجدولة زمنية متباعدة وترتيبات مؤقتة لا تلبي تطلعات الساكنة، في وقت تحتاج فيه المدينة لحلول حقيقية ومستدامة للخدمات العمومية.
- الانهيار البيئي: عبر التنبيه إلى تدهور الغطاء الغابوي في غابة “سيدي معافة”، التي تمثل الرئة والمنفس البيئي الوحيد للمدينة، محذراً من تحول المنطقة إلى صحراء قاحلة خلال السنوات القادمة نتيجة زوال مساحاتها الخضراء.
- تهالك البنية التحتية والمرافق: حيث تعاني شوارع المدينة وأحياؤها الهامشية (التي تمثل 70% من وجدة) من حفر وإهمال فظيع. كما انتقد إقصاء المدينة من تنظيم الاستحقاقات الرياضية الكبرى مثل كأس إفريقيا للأمم، مما فوت عليها فرصاً ذهبية لتأهيل بنيتها الصحية والتحتية وجلب الاستثمارات. وأضاف بنعلي أن الجهة الشرقية تعاني من أعلى معدلات البطالة وتعد الأضعف من حيث الاستثمار العمومي رغم حاجتها الماسة للدعم.
بين مجد التاريخ ومرارة الواقع: مساءلة تاريخية للمسؤولين
من جهته، عبر نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، عن تأثره البالغ بالعودة إلى مدينة وجدة، واصفاً إياها بمدينة “التاريخ المجيد والتراث العريق والنضال الوطني الصامت والصمود”. ومع ذلك، لم يخفِ بنعبد الله “خيبة أمله الكبيرة” من الواقع التنموي الحالي للجهة الشرقية وعاصمتها وجدة.
وأشار بنعبد الله إلى المفارقة الصارخة التي تعيشها وجدة؛ فبينما تظهر مداخل المدينة وبعض شوارعها الرئيسية بمظهر لائق وحديث، يكشف التوغل في أحيائها العميقة والوقوف على واقعها الاقتصادي والإنساني عن تصنيفها ضمن الجهات الأكثر تأخراً في المملكة.
وأرجع الأمين العام هذا التراجع التنموي إلى “العدول والتراجع عن الاهتمام الذي حظيت به المنطقة في بداية العهد الجديد والمبادرات الملكية السامية”، التي واكبتها حكومات سابقة أسهم فيها حزب التقدم والاشتراكية بشكل ملموس وميداني. وبدلاً من استمرار هذا المجهود لجعل وجدة قطباً صناعياً وتجارياً وفلاحياً واعداً، سارت الأمور في الاتجاه المعاكس بسبب ضعف تدبير الشأن العام المحلي والجهوي.
وفي نبرة حازمة، اعتبر بنعبد الله أن المحطة الانتخابية المقبلة هي بمثابة “ساعة الحساب والمساءلة” لكل من تحمل المسؤولية في هذا التراجع وعاث فساداً في المنطقة. واستنكر إعادة ترشح بعض الوجوه دون تقديم كشف حساب للمواطنين، مؤكداً أن الفضائح والمتابعات القضائية التي مست تسيير المنطقة وتلاعبت بالمال العام والصالح العام غريبة تماماً عن أخلاق وقيم ساكنة وجدة الوطنية والأبية.
سلاح الوعي في مواجهة المال الفاسد والعزوف الانتخابي
وأكد بنعبد الله أن حزب التقدم والاشتراكية، المعتمد تاريخياً على نضاله ومناضليه، يرفض بشكل قاطع كافة الممارسات الفاسدة المستشرية في الساحة السياسية، من “شراء للضمائر، واستعمال للأموال، وتضارب للمصالح، واقتصاد الريع والتجارة الفاسدة”.
وحذر من تداعيات العزوف الانتخابي، مشيراً إلى أن هناك نحو 12 مليون مغربي ومغربية غير مسجلين في اللوائح الانتخابية، فضلاً عن توقع عزوف نصف المسجلين (البالغ عددهم 15.8 مليون) عن التصويت. ونبّه إلى أن هذا العزوف يصب مباشرة في مصلحة نفس الجهات المهيمنة التي تسعى عبر “عملية سحرية” لاستبدال الوجوه مع الحفاظ على نفس التوجهات والسياسات الفاشلة. ودعا بنعبد الله إلى تعبئة شعبية واسعة وبعث الوعي في صفوف المواطنين والشباب لوقف هذا النزيف وتغيير موازين القوى.
ترشيح امرأة لقيادة اللائحة بوجدة: خطوة جريئة تكسر التقاليد
وفي خطوة استثنائية وجريئة، أعلن حزب التقدم والاشتراكية عن ترشيح امرأة لقيادة اللائحة النيابية بدائرة وجدة أنجاد. واعتبر بنعبد الله أن هذا القرار ليس سهلاً في ظل مجتمع محلي يعرف بخصائصه المحافظة والذكورية، حيث يصعب تاريخياً نجاح النساء في الاستحقاقات المحلية المباشرة.
غير أن الحزب، الذي دافع دوماً عن مكانة المرأة وحقوقها، قرر كسر هذه القاعدة وجعل الاستثناء قاعدة تنموية وسياسية تدريجية في المشهد الانتخابي المغربي. وأوضح بنعلي بدوره أن هذا الاختيار نابع من وعي عميق بأن النساء يمثلن الشريحة الأكبر المتضررة من غياب التنمية بوجدة، وهن الأمهات والأخوات اللواتي يتحملن المعاناة اليومية لفقدان الشباب الذين هاجر بعضهم بشكل مأساوي منذ سنة 1998.
ودعا قادة الحزب ساكنة وجدة، نساء ورجالاً، إلى الالتفاف حول هذه المرشحة المناضلة التي أثبتت كفاءتها وتواجدها الميداني المستمر في أحياء المدينة ومع فئات الشباب والنساء. وعبروا عن أملهم في أن تخلق الساكنة المفاجأة الكبرى عبر تصويت حر ومسؤول يفتح لمدينة وجدة عهداً جديداً من التغيير الحقيقي والإصلاح السياسي .

قم بكتابة اول تعليق