عزل كريم خان: ليلة الجنون في نيويورك، أو كيف انهار المدعي العام وسط ضجيج الأصوات السرية

مراسلة ل GiL24

يا إلهي، هل تصدقون هذا الجنون؟

كنت جالساً في زاوية مظلمة من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الساعة تقترب من الثالثة بعد الظهر يوم الجمعة 24 يوليو 2026، والهواء مشحون برائحة القهوة الباردة والخيانة الدولية. أمامي 125 دولة تقرر مصير رجل واحد: كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، ذلك البريطاني الهادئ الذي كان يلاحق نتنياهو وبوتين وقادة حماس كأنه صياد في غابة مليئة بالوحوش. والآن؟ الوحوش تلاحقه هو.

التصويت سري. سري كالجحيم. لا كاميرات، لا هتافات، فقط أوراق مطوية وأصابع ترتجف. ثم جاء الإعلان: 82 دولة قالت «نعم، ارحل»، 13 قالت «لا»، و15 اختبأت خلف الامتناع كالجبناء. أغلبية ساحقة. أول مرة في تاريخ المحكمة يُطرد مدعٍ عام بهذه الطريقة الوحشية.

هولندا، الدولة المضيفة، أعلنت موقفها مسبقاً: «نعم، ارحل». فرنسا كذلك. النرويج كذلك. باقي الـ79؟ سرّ دفين. ربما دول أفريقية غضبت من تركيزه على القارة، أو دول أوروبية خافت من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، أو ربما دول عربية رأت في عزل خان انتصاراً خفياً لـ«العدالة الانتقائية». لا أحد يعرف. السرية هنا ليست حماية، إنها سلاح.

خان نفسه كان غائباً. العقوبات الأمريكية منعته من دخول نيويورك، فبقي معلقاً في مكان ما بين لاهاي ولندن، ينفي كل شيء: «هذا انتقام سياسي من أوامر الاعتقال التي أصدرتها». محاموه يصرخون: الإجراءات غير قانونية، الأدلة واهية، العملية ملطخة بالسياسة. لكن الجمعية لم تسمع. صوتت، وطردت.

أتذكر اللحظة التي أعلنت فيها رئيسة الجمعية بايفي كوكورانتا النتيجة. الغرفة صمتت ثانية، ثم همس خافت، ثم ابتسامات خبيثة على وجوه بعض الدبلوماسيين الإسرائيليين الذين كانوا يدفعون بقوة منذ أشهر. «حان الوقت»، قال أحدهم لأخر بصوت مسموع تقريباً. وأنا؟ كنت أضحك داخلياً. هذا ليس عدلاً دولياً، هذا سيرك. محكمة تدّعي محاكمة مجرمي الحرب، ثم تطرد مدعيها العام بسبب اتهامات بسوء سلوك جنسي مع مساعدة شابة اسمها «سارة»، اتهامات ينفيها خان ويصفها بالانتقام.

هل هو مذنب؟ ربما. هل العملية نظيفة؟ بالتأكيد لا. التحقيق استمر عامين، الإجراءات تغيرت في منتصف الطريق، والضغط السياسي كان يقطر من السقف. الولايات المتحدة كانت تفرض عقوبات، إسرائيل تصف خان بـ«العدو»، والآن المحكمة نفسها تخلصت منه. الأوامر التي أصدرها ضد نتنياهو ويوآف غالانت لا تزال سارية – القضاة فقط يستطيعون سحبها – لكن الرجل الذي أصدرها أصبح خارج اللعبة.

خرجت من القاعة وأنا أشعر أنني شاهدت جريمة قتل سياسية بدم بارد. في الخارج، نيويورك تغلي تحت شمس يوليو الحارقة، والصحفيون يركضون كالذئاب. في رأسي صوت خان يتردد: «هذا انتقام». ربما هو محق. ربما هو مذنب. ربما الاثنان معاً.

المحكمة الجنائية الدولية الآن بلا مدعٍ عام، والفراغ يملأه الشك. من سيخلفه؟ هل سيتراجع أحد عن مطاردة الكبار؟ أم أن اللعبة ستستمر بنفس الوحشية؟

أنا لا أعرف. كل ما أعرفه أنني رأيت اليوم كيف تُذبح العدالة الدولية على مذبح السياسة والأصوات السرية.

وصدقاً؟ كان مشهداً يستحق أن يُروى، حتى لو كان مقززاً.

هذا ليس خبراً. هذا اعتراف.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*