بقلم: مصطفى عياش – صحفي وفاعل سياسي
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية والجماعية لسنة 2026، عاد إلى الواجهة نقاش سياسي وقانوني حساس يتعلق بمدى أحقية المنتخبين، وخاصة رؤساء الجماعات الترابية، في مغادرة الأحزاب التي ينتمون إليها والترشح باسم أحزاب سياسية أخرى. غير أن ما يثير الانتباه اليوم ليس فقط اتساع هذا النقاش، بل حجم المغالطات التي بدأت تروج داخل بعض الأوساط السياسية والإدارية، إلى درجة محاولة تقديمها وكأنها حقائق قانونية ثابتة، رغم افتقارها لأي سند صريح وواضح.
لقد أصبح يتردد بشكل واسع أن المنتخب أو رئيس الجماعة الذي يرغب في تغيير انتمائه السياسي، لا يمكنه الترشح باسم حزب آخر إلا إذا وافق الحزب الأصلي على استقالته، أو أصدر في حقه قرار طرد رسمي، بل إن بعض الجهات ذهبت أبعد من ذلك حين ربطت صحة الترشح بضرورة إعلان الحزب السابق عن الاستقالة أو الطرد عبر بلاغ رسمي أو من خلال وسائل الإعلام.
وهنا يصبح من الضروري إعادة الأمور إلى أصلها القانوني بعيدا عن التأويلات السياسية والحسابات الانتخابية الضيقة، لأن دولة المؤسسات لا يمكن أن تبنى على الإشاعات، ولا على ما يروج في الكواليس، وإنما على النصوص القانونية الواضحة والصريحة.
إن القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية كان واضحا في المادة 22، حين نص بشكل صريح على أن لكل عضو في حزب سياسي الحق في الانسحاب منه في أي وقت شاء، شريطة احترام الإجراءات المنصوص عليها في النظام الأساسي للحزب.
وهذا المقتضى القانوني يحمل دلالة أساسية لا تحتمل التأويل المتعسف، وهي أن الانسحاب من الحزب حق شخصي للأعضاء، وليس امتيازا تمنحه قيادة الحزب أو تمنعه وفق مزاج سياسي أو ظرف انتخابي معين.
فالقانون لم ينص إطلاقا على أن الاستقالة تصبح نافذة فقط بعد موافقة الحزب عليها، كما لم يربطها بضرورة إصدار قرار قبول أو إعلان رسمي. بل إن النص القانوني ركز فقط على احترام الإجراءات التنظيمية الداخلية المتعلقة بتقديم الاستقالة، دون أن يجعل مصيرها معلقا بإرادة الحزب.
ومن هنا يظهر حجم الخلط الذي يحاول البعض الترويج له بين مفهومي الاستقالة والطرد، رغم أن الفرق بينهما واضح من الناحية القانونية والتنظيمية.
فالاستقالة هي قرار إرادي وشخصي يتخذه العضو بنفسه لمغادرة الحزب، بينما الطرد إجراء تأديبي أو تنظيمي يصدر عن الحزب ضد أحد أعضائه بسبب مخالفة داخلية أو نزاع تنظيمي.
وبالتالي، فإن مطالبة شخص قدم استقالته بشكل قانوني بالحصول بعد ذلك على قرار طرد حتى يتمكن من الترشح باسم حزب آخر، تعتبر قراءة مقلوبة للمقتضيات القانونية، بل وتحويرا لمعنى الحق في الانسحاب الذي يكفله القانون التنظيمي للأحزاب السياسية.
غير أن النقطة التي تثير أكبر قدر من الجدل مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، والتي يتم توظيفها أحيانا بشكل سياسي أكثر منه قانوني، تتعلق بوضعية رؤساء الجماعات الترابية والمنتخبين الذين يرغبون في مغادرة أحزابهم السياسية والترشح بألوان حزبية جديدة، حيث يروج في بعض الأوساط أن رئيس الجماعة يفقد تلقائيا رئاسته بمجرد تقديم استقالته من الحزب الذي حصل باسمه على التزكية الانتخابية.
وهنا أيضا يصبح من الضروري إعادة النقاش إلى إطاره القانوني الحقيقي، بعيدا عن التأويلات السياسية أو الخطابات التي تحاول تقديم الأمر وكأنه محسوم بشكل آلي.فرئيس الجماعة، وإن كان قد ترشح خلال الانتخابات الجماعية تحت رمز حزب سياسي معين، فإن انتخابه رئيسا للجماعة لم يتم بقرار حزبي مباشر، بل تم عبر تصويت قانوني داخل المجلس الجماعي من طرف الأعضاء المنتخبين، وذلك وفق المقتضيات المنصوص عليها في القانون التنظيمي للجماعات الترابية.
وبالتالي، فإن منصب رئيس الجماعة لا يعتبر مجرد امتداد تنظيمي للحزب، ولا يسقط تلقائيا فقط بسبب وقوع خلاف سياسي أو تقديم استقالة من الحزب الذي منحه التزكية.غير أن هذا لا يعني أيضا أن المسألة خالية من أي آثار قانونية، لأن موضوع الترحال السياسي يظل مؤطرا بمقتضيات قانونية وتنظيمية خاصة، قد تفتح الباب أمام سلوك مساطر التجريد من العضوية في بعض الحالات المحددة قانونا.
فإذا قام منتخب جماعي، سواء كان رئيس جماعة أو عضوا بالمجلس، بمغادرة الحزب الذي ترشح باسمه والالتحاق رسميا بحزب آخر خلال الولاية الانتخابية، فقد يعتبر ذلك في بعض الحالات موضوعا لنزاع قانوني مرتبط بمقتضيات محاربة الترحال السياسي.
لكن ما ينبغي توضيحه للرأي العام، ولعدد من المنتخبين والفاعلين المحليين، هو أن التجريد من العضوية أو فقدان صفة الرئيس لا يتم تلقائيا بمجرد إعلان الاستقالة أو تغيير الانتماء السياسي، كما يروج له البعض، وإنما يخضع لمساطر قانونية وقضائية دقيقة.فالحزب السياسي، مهما كانت قوته أو مكانته، لا يملك وحده سلطة إسقاط رئيس جماعة أو تجريده من صفته الانتخابية بشكل مباشر، لأن الحسم النهائي يبقى من اختصاص القضاء الإداري، الذي ينظر في مدى احترام المساطر القانونية، وفي طبيعة الوقائع المعروضة عليه، وفي ما إذا كانت حالة الترحال السياسي قائمة فعلا وفق الشروط المحددة قانونا.
كما أن النقاش القانوني في هذا الباب يرتبط بعدة عناصر دقيقة وأساسية، من بينها:– هل قدم المنتخب استقالته فقط دون الالتحاق بحزب آخر؟– هل حصل فعلا على تزكية جديدة باسم حزب مختلف؟هل تم احترام الإجراءات والآجال القانونية؟– هل تم رفع دعوى التجريد وفق المساطر القانونية؟– وهل صدر حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ؟
وهي كلها معطيات تؤكد أن المسألة أعقد بكثير من الخطاب التبسيطي الذي يروج أحيانا داخل بعض المجالس السياسية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.لكن النقطة الجوهرية التي ينبغي الانتباه إليها، والتي تشكل أساس أي نزاع انتخابي محتمل، لا تتعلق بقبول الحزب للاستقالة أو رفضها، وإنما تتعلق بإثباتها من الناحية القانونية.
فالأسئلة الحاسمة أمام الإدارة أو القضاء الانتخابي تكون عادة مرتبطة بعناصر واضحة ودقيقة، من بينها:– هل تم تقديم الاستقالة فعليا؟هل وجهت إلى الجهة المختصة داخل الحزب؟– هل تم التوصل بها قبل إيداع الترشيح أم بعده؟– وهل احترمت الإجراءات والآجال المنصوص عليها قانونا أو تنظيميا؟
هنا يوجد جوهر المسألة القانونية الحقيقية، وليس في البلاغات الإعلامية أو الحملات السياسية التي تحاول توظيف الموضوع لخدمة مصالح انتخابية معينة.ولتوضيح الصورة أكثر، يمكن تقديم أمثلة عملية تزيل اللبس الذي وقع فيه كثيرون.
فإذا قام منتخب أو رئيس جماعة بتقديم استقالته كتابة إلى الحزب الذي ينتمي إليه، وتم التوصل بها داخل الآجال القانونية، ثم حصل بعد ذلك على تزكية من حزب آخر لخوض انتخابات 2026، فإن الأصل القانوني لا يفرض عليه انتظار رسالة قبول أو قرار طرد حتى يصبح حرا في انتمائه الجديد.
أما إذا اكتفى الشخص بإعلان شفوي أو بتصريحات غير موثقة تفيد مغادرته للحزب، دون أي وثيقة تثبت الاستقالة أو تاريخ التوصل بها، فإن النزاع هنا يصبح مرتبطا بضعف الإثبات وليس بغياب قرار الطرد.
وفي المقابل، فإن مطالبة أي مرشح بقرار طرد رغم توفره على استقالة قانونية ثابتة، يظل مطلبا غير مؤسس في الأصل العام للقانون، لأن الاستقالة لا تتحول تلقائيا إلى طرد، ولكل منهما طبيعته القانونية المستقلة.
إن أخطر ما يرافق هذا النقاش اليوم، هو محاولة تحويل التأويلات الحزبية إلى قواعد قانونية ملزمة، وهو أمر يجب التوقف عنده بحزم، خاصة وأن البلاد مقبلة على محطة انتخابية مفصلية تتطلب وضوحا قانونيا وإداريا كاملا.فالخطأ الأول الذي يتكرر هو الادعاء بأن الحزب وحده يملك سلطة قبول الاستقالة أو رفضها، بينما النص القانوني يتحدث عن حق العضو في الانسحاب، وليس عن امتياز تمنحه القيادة الحزبية.أما الخطأ الثاني، فيتمثل في الادعاء بأن الترشح باسم حزب آخر يقتضي بالضرورة صدور قرار طرد، وهو كلام لا يجد له سندا صريحا في القانون التنظيمي للأحزاب السياسية.
في حين يتمثل الخطأ الثالث في ربط الوضعية القانونية للعضو بما إذا كان الحزب قد نشر خبر الاستقالة أو الطرد في وسائل الإعلام أو في صفحاته الرسمية، وكأن المشروعية القانونية تستمد من البلاغات السياسية وليس من الوثائق والإجراءات القانونية المعتمدة.إن الإدارة الترابية والسلطات الإقليمية والمحلية عبر مختلف عمالات وأقاليم المملكة، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتعامل مع هذه الملفات بمنطق القانون والمؤسسات، لا بمنطق الإشاعات أو الضغوط السياسية أو الحسابات الانتخابية الضيقة.
فالسلطة الإدارية ليست طرفا سياسيا، بل جهة يفترض فيها ضمان احترام القانون وحماية نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.كما أن الرأي العام الوطني مدعو بدوره إلى التمييز بين الحقيقة القانونية والخطاب السياسي الموجه، لأن كثرة التكرار لا تحول المغالطة إلى قانون، ولا تجعل الإشاعة مصدرا للتشريع.
وخلاصة القول، فإن المنتخب أو رئيس الجماعة أو أي عضو حزبي يرغب في تغيير انتمائه السياسي والترشح باسم حزب آخر خلال انتخابات 2026، لا يكون في الأصل العام ملزما بالحصول على قرار طرد من الحزب السابق، ما دام قد مارس حقه القانوني في الانسحاب وفق الإجراءات المعمول بها.
فالأساس الحقيقي الذي يعتد به قانونا، هو أن تكون الاستقالة واضحة وثابتة وموجهة إلى الجهة المختصة داخل الحزب، وأن يتم إثبات التوصل بها واحترام الآجال القانونية المرتبطة بإيداع الترشيحات.أما ما عدا ذلك من تأويلات وإشاعات وضغوط سياسية، فلا يمكن أن يكون بديلا عن النص القانوني، ولا مرجعا لإدارة يفترض فيها الحياد، ولا أساسا لتقييد حق يكفله القانون والتنظيم الديمقراطي للأحزاب السياسية داخل المملكة المغربية.
قم بكتابة اول تعليق