قد نتقبل معادلة العقيدة في مقابل اللحم والدجاج مِن خطيب جمعة، أو فقيه، أو واعظ، أو شيخ من شيوخ الفضائيات، ولكن أن يصدر هذا الكلام من رئيس حزب في حملة انتخابية، فهذا ما لا يطيقه عقل ولا يقبله منطق، فدور الأحزاب هو تحسين ظروف عيش الناس في الدنيا وليس في الآخرة. إن السيد بنكيران يعلم علم اليقين بأنه يهرطق؛ لكن لا بأس لديه إذا كانت هذه الهرطقات ستجعل صناديق الاقتراع تفرحه يوم غزوة 23 شتنبر.
لقد كتبتُ مقالات كثيرة تبين كيف أن التشريعات الإسلامية تقهقرت في عهد حكومة بنكيران، فمِن توقيف الخطباء بالعشرات، إلى إغلاق دور القرآن بالمئات، إلى المصادقة في البرلمان على معاهدة “سيداو” التي تناهض الإسلام، إلى التنكر للغة القرآن، إلى تقنين زراعة “الكيف”، إلى زيادة رقم المعاملات التجارية مع إسرائيل أضعافا مضاعفة، إلى المصادقة على معاهدة التطبيع، وأكثر من ذلك فإن حزب العدالة والتنمية استدعى صهيونيا لمؤتمر حزبه السابع وهو يعلم جيدا هويته وصفته؛ بل إن بنكيران نفسه حينما سئل عن خلط حزبه الدينَ بالسياسة أجاب: “بأن ولا تشريع واحد أو إجراء قام به الحزب ينبع من الشريعة الإسلامية”، وقد صدق.
في عهد بنكيران، عدد الذين اعتنقوا الإلحاد فاق عدد الذين اعتنقوه منذ الاستقلال، ومن بينهم مايسة سلامة الناجي وغيرها كثير، ممن كانوا يدافعون بشراسة عن حزب العدالة والتنمية، حتى إن هناك منصات مغربية صارت تضم مئات الآلاف من المتابعين والناشطين ممن يسمون أنفسهم ب “الكفار” المغاربة، وكل ذلك راجع إلى السياسيين المنافقين الذين تنكروا في زي الدين من أجل دفء الكرسي ودراهم البرلمان، فقدموا صورة سيئة عن سماحة الإسلام، ورحابة تشريعاته، ورقي أخلاقة، خصوصا بعدما انتشرت فضائح قياديي الحزب الجنسية والأخلاقية حتى وصلت إلى العالمية، ومن بينها على سبيل تذكير المغيبين فقط، الصور المقززة لبعض مناضلاته في شوارع باريس وعلى شاطئ البحر، وتسريبات محتوياتٍ لمحاضر الشرطة التي تحوي اعترافات بالقيام بالمساعدة الفيزيولوجية، والأخبار الموثقة التي تفيد “سرقة” بعضهم لزوجات بعض، والقائمة طويلة جدا إلى درجة أنها تستوجب سِفرا كبيرا لكن المقام لا يسمح، مما حذا ببنكيران نفسِه للاعتراف بوجود التحرش الجنسي داخل الحركة والحزب على حد سواء.
سؤال أخير للسيد بنكيران: “إذا كانت العقيدة أهم من اللحم والدجاج، لماذا قبلتَ المال الحرام الذي يأتيك من المعاش الاستفزازي الذي لا تستحقه ولم تكد فيه ولم تجد؟”.
أماّ إذا قلتَ وقد قلت: “إنه عطيّةٌ من جلالة الملك، وعطيتُه لا ترفض”.
قلنا لك: “لقد أعطاك جلالة الملك رقم هاتفه ورفضت، فلماذا لم ترفض المال الحرام أيضا بكل أدب، وكان جلالته سيتفهم موقفك؛ بل وسيزيد احترامه لك؟”
أما إذا أجبتَ كي تلحس عقول المغيبين: “خشيتُ أن أبالغ في الرفض، فتسوء علاقتي بجلالته”.
أجبناك: “ألم تصرح بملء فيك بأنك غير مطالب برضى الملك، وأنك مطالب فقط برضى الله ورضى والدتك؟ أم أن ملايين السحت قد أعمت بصيرتك العمياء أصلا؟ على أيٍّ، فما دامتْ نفسك قد هانت عليك، وقبلتَ أكل السُّحت وأنت تعلم أنّ ما نبت من سحت فالنار أولى به، فعلى الأقل خذ منه مليونا أو مليونين، ووزع الباقي على فقراء المسلمين ومساكينهم، هكذا لا تكون قد خسرتَ عقيدتك بالكامل؛ وبالمقابل يربح الفقراء شيئا من اللحم والدجاج.
وأخيرا أقول للسيد بنكيران:
“اِرحم ظهرك المعوج، ورأسك الذي اشتعل شيبا، وعصاك التي تهش بها على غنمك؛ فأخشى ما أخشاه أن يزورك ملك الموت فينعقد لسانك عن ذكر الشهادتين، من كثرة ما ولجتَ في أعراض المسلمين، وكثرة ما بدّلت في دين الله القويم، والله ورسوله، والمؤمنون الغيورون الذين لا يُلذغون من جحر مرتين، منك ومن حزبك براء.”

قم بكتابة اول تعليق